كاتب سوري: سوريا تحتاج دستوراً جامعاً يعكس التعددية ويؤسس للاستقرار

أكد الكاتب والصحفي عبد العزيز حمدوش أن سوريا تحتاج إلى دستور يشكّل عقداً اجتماعياً جامعاً يعكس تعدديتها، ويضمن المواطنة المتساوية وحقوق المكونات، مع تعزيز اللامركزية واستقلال القضاء لبناء دولة ديمقراطية مستقرة.

كاتب سوري: سوريا تحتاج دستوراً جامعاً يعكس التعددية ويؤسس للاستقرار
السبت 13 حزيران, 2026   02:30
مركز الأخبار
ميديا حنّان

أجرت وكالتنا حواراً مع الكاتب والصحفي السوري عبد العزيز حمدوش، للوقوف على رؤيته بشأن الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها الدستور السوري الجديد، وسبل معالجة قضايا التعددية وحقوق المكونات، إضافة إلى شكل نظام الحكم الأنسب لسوريا في المرحلة المقبلة، بعد تعيين واختيار غالبية أعضاء البرلمان في سوريا وبدء الحديث عن اقتراب انعقاد أولى جلساته.

ونص الحوار كالتالي:

ــ ما أبرز المبادئ والمواصفات التي يجب أن يتضمنها الدستور السوريّ الجديد ليضمن بناء دولة ديمقراطية تعددية ويحظى بقبول السوريّين؟

دخلت سوريا مرحلة تاريخية مفصلية بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول 2024 وإلغاء دستور 2012، وما تلا ذلك من انتقادات طالت الإعلان الدستوريّ لعام 2025 لإغفاله الواقع التعددي. لذا، فإن صياغة دستور دائم تمثل حجر الأساس لمنع تدوير أسباب الأزمة وتفادي خلق بيئة احتقان جديدة؛ كونه العقد الاجتماعيّ الأسمى والوصفة الوقائية والعلاجيّة لترميم جروح المعاناة لضمان السلم الأهلي المستدام.

ونبدأ من فهم أهمية الدستور بوصفه ليس مجرد وثيقة قانونيّة جامدة أو بيان مرحليّ بل العقد الاجتماعيّ الأسمى الذي يربط أبناء الوطن الواحد ببعضهم، وينظم العلاقة بين الفرد والسلطة. ويجب أن يجسد الدستور القادم عبرة تاريخية وخبرة قانونيّة وسياسيّة للأزمة السوريّة ويليق بحجم القرابين، ولذلك يجب أنّ يشكّل الدستور المرجعية القانونيّة على مستويين أساسيين: الأول وقائيّ بصياغة مبادئ "ما فوق دستوريّة" تُقر بالتعددية الإثنية، العرقيّة، والثقافيّة كحقيقة تاريخية عابرة للمتغيرات السياسيّة وشكل نظام الحكم، مع وضع حدود واضحة لفرز الصلاحيات وكبح التغول. والثاني: علاجيّ، فتقوم على توفير مرجعية قطعية لفض النزاعات وتفسير النصوص عبر مؤسسات قضائية مستقلة تجنب البلاد الفوضى عند حدوث أي انسداد سياسيّ.

ولتحقيق ذلك، يجب أن يتضمن الدستور حزمة مبادئ أساسية: أولها الإقرار الصريح بالموزاييك السوريّ التعددي كإرث وطنيّ جامع وحماية حقوقهم اللغويّة والثقافيّة. وثانيها، مأسسة المواطنة الكاملة والمتساوية دون تمييز، وإلغاء الامتيازات العرقيّة أو الدينيّة في تولي المناصب العليا ليكون معيار الكفاءة والانتخاب هو الأساس لتوطيد الانتماء الوطنيّ. وثالثها، الفصل المطلق بين السلطات وتحصين استقلال القضاء مالياً وإدارياً ليكون ملجأً علاجيّاً للمظلومين. ورابعها، تبني اللامركزيّة الموسعة لمنح المحافظات صلاحيات تنموية وثقافيّة واسعة تنهي التهميش وتضمن وحدة التراب، مع حصر الملفات السياديّة بيد المركز. وأخيراً، دسترة حقوق الإنسان ومواثيقه الدولية، وتجريم الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري بجعلها جرائم لا تسقط بالتقادم، مع دسترة آليات العدالة الانتقالية والإنصاف كشرط إلزامي للنهوض.

ــ ما الدروس المستفادة من الدساتير السوريّة السابقة، وإلى أي مدى نجحت في تمثيل التنوع القومي والدينيّ والثقافيّ في البلاد؟

تثبت مراجعة التاريخ الدستوريّ السوريّ وجود تأرجح حاد بين حماية التنوع واحتكار السلطة. انطلق دستور 1920 بروح ليبراليّة متطورة أقرت اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة ومنحت الأطراف صلاحيات كبيرة، ويوصف بأنه أيقونة دساتير سوريا ومثّل مشروع الدولة الديمقراطيّة البرلمانيّة الملكيّة، وانتهت مفاعيله بعد 4 أشهر مع الاحتلال الفرنسيّ.   

وخلال الانتداب الفرنسيّ صدر عام 1922 نظام الاتحاد السوريّ وكانت سوريا مقسمة إلى كيانات طائفيّة. فيما أقر دستور البلاد عام 1930 بوحدة سوريا ولكنها منحها استقلالاً منقوصاً وسيادة مقيدة بالمادة 116.

كان دستور الاستقلال 1950 برلمانيّاً متوازناً منع الاستبداد وركّز السلطة الفعلية بيد رئيس الحكومة المسؤول أمام البرلمان. لكنه كان إقصائيّاً في بعد الهوياتيّ ولم يعترف بوضوحٍ بالهويات الثقافيّة واللغويّة للمكونات غير العربيّة، وفتح باب الخلاف حول دين رئيس الجمهورية، رغم رمزيّة المنصب في انعكاس للخلاف بين التيارات العلمانيّة والدينيّة.

المنعطف الأخطر تمثل بدستور نظام البعث 1973؛ فالمادة الثامنة شرعنت الاستئثار بالدولة والمجتمع معاً في مخالفة قانونيّة جسيمة، فجرى تأميم النقابات المهنيّة والمنظمات الشعبيّة والفئات العمريّة (طلائع، شبيبة، طلبة جامعات) والوعي الثقافيّ، وفُرضت "العروبة وفق مفهوم البعثيّ الأحاديّ والإقصائيّ، وليس الوطنيّ السوريّ، وتم إقصاء -الهويات الأخرى وجعل التنوع تهمة أمنية، لتتحول الوثيقة الدستوريّة إلى أداة لتدجين المجتمع وجهاز أمني يضمن بقاء السلطة. وجاء دستور 2012 كالتفاف شكلي لامتصاص الغضب؛ فرغم إلغاء المادة الثامنة ظاهريّاً، إلا أنه أبقى على صلاحيات رئيس الجمهورية المطلقة، ولم يعبّر عن حقيقة التنوع السوريّ، ليظل أداة لخدمة النظام بدل كونه مرجعية إنصاف وقائية وعلاجيّة للأزمة، بل كان وريثَ مسبباتها.

كلّ هذه الدساتير وبخاصة دستور نظام البعث، أسست لحالات احتقان وشكّلت الإطار القانونيّ للتهميش والإقصاء بسبب عدم استيعاب طبيعة سوريا المحكومة بالتعدديّة، وهذا ما جعل التغيير السياسيّ دمويّاً 

ــ كيف يمكن للدستور الجديد أن يضمن حقوق جميع المكونات السوريّة ويعزز التعايش والسلم الأهلي بعد سنوات من الصراع؟

يجب أن يفكك الدستور الدائم منظومة الاستبداد القديمة بشكلٍ كاملٍ؛ ولا يكتفي بكونه وثيقة لتنظيم السلطة، بل يتحول لعقد اجتماعيّ توافقيّ يضمن حقوق المكونات لتعزيز السلم الأهلي. ولتحقيق ذلك، يجب أن يتبنى الدستور مفهوم "الهوية الوطنيّة الجامعة والمفتوحة" بالاعتراف الصريح بالهويات ما قبل الوطنيّة، لمختلف الانتماءات القومية والدينيّة والثقافيّة (عرب، وكرد، وتركمان، وسريان آشور، وأرمن، وشركس، ومسلمين ومسيحيين)، وينص على حماية حقوقهم الثقافيّة واللغويّة بجعل اللغات المحليّة رسميّة في جغرافيتها إلى جانب العربيّة لإنهاء هواجس التذويب والإنكار التاريخيّ.

وأن يعزز الدستور العيش المشترك ويجفف منابع الامتياز العقائديّ ولا يتضمن نصوصاً تمييزيّة لتولّي المناصب العليا ليكون صندوق الانتخاب والكفاءة هما الفيصل. كما يجب دسترة نظام لامركزيّ موسّع يوزع الصلاحيات بوضوح، ويمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها المحليّة، والأمن الداخليّ، والتنمية الاقتصاديّة، مع إبقاء الملفات السياديّة الأربعة (الدفاع، السياسة الخارجية، العملة، والحدود) بيد المركز.

وامتداداً للدروس التاريخية المستفادة، يجب حظر الإقصاء السياسيّ والمعيشي ومنع احتكار الفضاء العام أو دسترة أي حزب قائد، مع دسترة "حق العمل والعيش الكريم" كحق مرتبط بالمواطنة لا بالولاء، وتجريم الإقالات الجماعيّة والتطهير الإداريّ القائم على خلفيةٍ عرقيّةٍ أو سياسيّة لمنع تحويل لقمة العيش إلى زنزانة بديلة للتطويع. ولحماية هذه الحقوق، يجب هندسة نظام "الكبح والتوازن" بالفصل الصارم بين السلطات، وتجريد السلطة التنفيذيّة من الصلاحيات المطلقة، وإنشاء "محكمة دستوريّة عليا" مستقلة مالياً وإداريّاً لحل أيّ انسداد سياسيّ أو نزاعٍ حول تفسير الحدود والقوانين.

وأخيراً، تجب دسترة إلزاميّة آليات العدالة الانتقاليّة والإنصاف، وإنشاء هيئات مستقلة لكشف مصير المفقودين وإعادة الممتلكات، وتجريم التعذيب والاختفاء القسري بجعلها جرائم لا تسقط بالتقادم، ليكون القضاء مرجعية وحيدة لترميم الشروخ الاجتماعيّة العميقة بدلاً من ثقافة الانتقام المتبادل.

ـ ما شكل نظام الحكم الأنسب لسوريا في المرحلة المقبلة، وكيف يمكن معالجة مطالب المكونات المختلفة ضمن إطار الدولة السوريّة؟

إنّ شكل نظام الحكم الأنسب لسوريا والكفيل بمعالجة مطالب المكونات ومنع إعادة إنتاج الاستبداد هو النظام البرلمانيّ التعدديّ القائم على اللامركزيّة الموسّعة. ونعتقد أنّ هذا النموذج هو الوصفة القانونيّة والسياسيّة الأكثر أماناً لتفكيك إرث المركزيّة الخانقة وإبطال مفاعيل الصلاحيات المطلقة؛ إذ يتأسس على مثلث بنيويّ يربط بين: البرلمان التوافقيّ واللامركزيّة والمواطنة المتساوية، محوّلاً الدستور إلى مرجعية علاجيّة تطمئن المكونات على خصوصيتها التنمويّة والثقافيّة محليّاً وتشركها بصنع القرار السياديّ مركزيّاً لقطع الطريق على تفرد أيّ طرفٍ بمستقبل البلاد.

أثبت التاريخ السوريّ، وبخاصة دستور 1950، أنّ الأنظمة الرئاسية وشبه الرئاسيّة في المجتمعات الخارجة من الأزمات تعاني من معضلة تشخيص السلطة واحتكارها واختزالها بخصخصتها لطرف واحد. ويمكن تلافي ذلك، عبر النظام البرلمانيّ وتوزيع السلطة وتداولها؛ ويرأس السلطة التنفيذيّة رئيس حكومة منبثق عن أغلبية برلمانيّة أو تحالف سياسيّ عريض يفرض الشراكات والتوافقات المستدامة لإدارة البلاد، إضافة لإنشاء برلمان بغرفتين لحماية المكونات الأقل عدداً من "ديكتاتورية العدد والابتلاع الديمقراطيّ الصرف" في صناديق الاقتراع، وتتوزع غرفتا البرلمان بين مستويين:

الأول مجلس النواب: الممثل للمواطنين وفق الكثافة السكانيّة بنظام انتخابي نسبيّ يضمن وصول كل القوى. والثاني مجلس المناطق أو الشيوخ: الممثل لجميع الأقاليم السوريّة بتساوٍ عدديّ بغضّ النظر عن حجمها الديمغرافيّ. ويُمنح صلاحيات حصرية في الملفات السياديّة، وتعيين القضاة، والمصادقة على القوانين ذات الصلة بالحقوق الثقافيّة والقوميّة للمكونات، ما يحصّن ويحمي خصوصية المكونات الأقل عدداً عبر حقّ "النقض الدستوريّ".

ولأن الاستقرار مشروط بوحدة الكيان وحركية التنوع، تجب مأسسة مطالب المكونات قانونيّاً عبر ثلاثة مسارات: الأول المزاوجة بين اللامركزيّة والسيادة المركزيّة. والثاني دسترة الحقوق الثقافيّة واللغويّة كإرث وطنيّ جامع واعتبار لغات المكونات رسميّة في مناطقها الطبيعية، والثالث: مأسسة حياديّة الدولة الإيجابيّة بفصل الهوية عن الامتياز، والوقوف على مسافة واحدة من كلّ المواطنين، بتعريف الدولة بهويتها الوطنيّة السوريّة الجامعة دون صبغة عرقيّة أو دينيّة في اسمها ورمزيتها الرسميّة وإلغاء كلّ الشروط التمييزيّة.

ـ إلى أي مدى يمكن الاستفادة من تجربة العقد الاجتماعيّ للإدارة الذاتية في صياغة دستور جديد، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق المكونات والمساواة بين المرأة والرجل؟

يمثل العقد الاجتماعيّ للإدارة الذاتية تجربة ميدانيّة حيّة ومحطة سوريّة خالصة لا يمكن تجاوزها، صيغت في ظروف استثنائية وقاسية، وتراعي تفاصيل حاجات مجتمعاتها المحليّة. ونجحت هذه التجربة في مغادرة عقليّة الهوية الأحاديّة الإقصائيّة بدسترة الوجود التاريخيّ والقوميّ واللغويّ لجميع المكونات من عرب، وكرد، وتركمان، وسريان، وأرمن، وشركس. كما شكلت قفزة رائدة إقليميّاً بكسر الاحتكار الذكوريّ للسلطة وفرض نسبة تمثيل للمرأة تبلغ 50% في مراكز صنع القرار. ويجب الاستفادة من ذلك بدسترة نظام كوتا صارم للمرأة وتجريم العنف الجنسويّ والتمييز التشريعيّ ضدها لضمان السلم الأهليّ.

أثبتت التجربة أيضاً أنّ إدارة الشؤون اليوميّة عبر مجالس محليّة وبلديّة منتخبة هو الخيار الأنجع لتفكيك البيروقراطيّة ووقف التهميش؛ ما يتيح للدستور الجديد تبنّي نظام لامركزيّ موسّع يوزع الصلاحيات بوضوح لإدارة الشؤون الحياتيّة محليّاً وفق خصوصية كلّ إقليم أو محافظة، مع الحفاظ المطلق على سيادة ووحدة الكيان السوريّ العام.

والمآخذ على العقد الاجتماعيّ لا تنتقص من قيمته كرصيدٍ وطنيّ أثبت قدرة السوريين عند غياب المركزيّة الخانقة على إنتاج صيغ متطورة للتعايش ومشاركة السلطة، والدستور الجديد مطالب بتمثيل هذا الموزاييك ليكون مرجعيّة وقائيّة تُنهي الاستبداد للأبد.

ـ برأيكم ما هي الآلية الأنسب لصياغة دستور جديد يلائم جميع متطلبات المجتمع السوريّ؟

تكمن الآلية الأنسب بالالتزام الصارم بشرعيّة الصنع وبنية التوافق المشترك، لتفادي الرفض الذي جوبه به الإعلان الدستوريّ لعام 2025 بسبب غياب التمثيل الحقيقيّ. ولتحقيق القبول الشعبيّ، تجب صياغة الدستور عبر أربعة مراحل إجرائيّة وقانونيّة متكاملة:

أولاً: انتخاب جمعية تأسيسيّة بصيغة تعدديّة عادلة تعتمد نظام التمثيل النسبيّ الكامل، مع كوتا صارمة للمكونات القوميّة والدينيّة، وكوتا للمرأة بين 30 ــ50%، مدعومة بغرف استشاريّة من خبراء تكنوقراط وقضاة مستقلين لضمان نصوص منضبطة قانونيّاً ومبرأة من نمط للأدلجة الضيقة.

ثانياً: اعتماد مبدأ "التوافق الوطنيّ" لا الغلبة العدديّة التي تولد استعلاء الأكثر عدداً واحتقان الأقل عدداً؛ ويُشترط تمرير المواد الحسّاسة (الهوية، اللامركزيّة، الحقوق اللغويّة، والثروات) بأغلبية موصوفة بحدود 66 ــ 75% لإلزام القوى بالحوار وتقديم التنازلات.

ثالثاً: مرحلة التشاور الشعبيّ والشفافية عبر طرح المسوّدة في جلسات استماع علنيّة بالمحافظات كافة، وفتح منصات رقميّة لتلقي مقترحات السوريين وتعديل المواد وفقاً لنبض الشارع، ما يمنح المواطن شعوراً بملكية الدستور.

رابعاً: الاستفتاء الشعبيّ العام والنزيه بإشراف قضائيّ مستقل ومراقبة دوليّة، لتمنح أصوات السوريّين الدستور الحصانة العليا وتحوله إلى مرجعيّة تحمي المواطنة المتساوية وتمنع احتكار الحاضر والمستقبل.

(أم)

ANHA