الشهيدة هيفا العربو حكاية الثورة المستمرة

حين يُذكر اسم هيفا العربو، تتردد في الأذهان صورة المرأة القائدة، المناضلة، الثائرة. بين دروب كردستان الأربعة، سطّرت هيفا فصولاً من النضال، من تنظيم المرأة إلى العمل الدبلوماسي، حتى أصبحت هدفاً لقوى الظلام التي لم تستطع كسر إرادتها إلا باغتيالها. رغم رحيلها جسداً إلا أن نهجها باقٍ، ومسيرتها أصبحت مدرسة للأجيال القادمة.

الشهيدة هيفا العربو حكاية الثورة المستمرة
الشهيدة هيفا العربو حكاية الثورة المستمرة
الشهيدة هيفا العربو حكاية الثورة المستمرة
الشهيدة هيفا العربو حكاية الثورة المستمرة
الشهيدة هيفا العربو حكاية الثورة المستمرة
الشهيدة هيفا العربو حكاية الثورة المستمرة
الثلاثاء 27 كانون الثاني, 2026   05:15
الحسكة
جان علوي

في عالم يعجّ بالتحديات، تظهر قياديات يتبنّين النضال من أجل حقوق شعوبهن وحرية المرأة كقوة محورية تسعى لتحقيق العدالة والمساواة. هؤلاء القياديات لا يرون في أنفسهن مجرد أفراد يسعون إلى السلطة، بل هن رموز للحركة الشعبية، يحملن على عاتقهن مسؤولية تغيير واقع مرير والتأسيس لعالم أفضل.

من خلال التضحية والمثابرة، يواجهن قوى الاحتلال والتهميش والاضطهاد، ويؤمنّ بأن تحرير المرأة هو خطوة جوهرية نحو تحقيق التحرر الحقيقي للشعب بأسره. يضعن أمام أعينهن رؤية واضحة لمستقبل تسوده الحرية والكرامة.

هذه الشخصيات ليست مجرد قادة في النضال، بل هن تجسيد للقيم الإنسانية التي تتجاوز الحدود وتفتح الأفق للأجيال القادمة ليروا فيهن قدوة للإصرار والتضحية. وفي مسيرتهن، يحملن شعلة أمل لا تنطفئ. ومن بين هذه الشخصيات، الشهيدة هيفا العربو، التي يصادف اليوم (27 كانون الثاني) الذكرى السنوية الأولى لاستشهادها.

نشأة في كنف عائلة ثورية

وُلِدت الشهيدة هيفا عبد الإله العربو، المعروفة باسم "صالحة فيان"، في قرية دليك التابعة لمدينة الدرباسية في مقاطعة الجزيرة، في 28 حزيران 1981.

نشأت في أسرة وطنية تمتد جذورها إلى جزيرة بوطان، حيث اضطرت للهجرة بعد انتفاضة بدرخان بك عام 1847. انتقل أفراد العائلة لاحقاً إلى قرية خراب المي (خراب مير) في منطقة قزلتبه بشمال كردستان، قبل أن يشاركوا في انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925، ليقرروا بعدها الاستقرار في قرية دليك بالدرباسية، حيث عملوا في الزراعة، شأنهم شأن معظم أهالي المنطقة.

عاشت هيفا في كنف عائلة مكونة من 8 أفراد، وكانت الابنة الوسطى بين ست شقيقات وشقيقين. رغم بساطة العيش، كان منزلهم عامراً بالحراك السياسي، لطالما انخرط أفراد العائلة في النضال القومي الكردي، حتى انضموا في الثمانينات إلى حركة التحرر الكردستانية بعد تعرفهم على أفكار القائد عبد الله أوجلان. كان عمها صالح من أوائل المناضلين، وهو ما دفعها لاحقاً إلى تبنّي اسمه حين انضمت إلى الحركة.

طفولة مشبعة بالوعي والنضال

تروي والدتها، زكية العربو، ذكرياتها عن طفولة هيفا قائلة: "كانت طفلة محبوبة، مليئة بالحيوية والنشاط، ذكية ومنظمة. لم تكن يوماً فتاة عادية، بل كانت لديها طاقة خاصة تميزها عن الجميع".

وتضيف: "عندما كانت في الثالثة من عمرها، خِطتُ لها فستاناً بألوان الأخضر والأحمر والأصفر، وكأنها كانت مشعّة مثل الشمس منذ صغرها. كنت أشعر دائماً أنها خُلقت لتكون مناضلة".

أما شقيقتها بديعة العربو، فتقول: "كانت مفعمة بالحيوية ومحبة لدراستها. كانت رزينة ومتأنية في قراراتها، وكانت تمتلك قدرة مميزة على الإقناع".

بداية مسيرتها النضالية

بدأ وعي هيفا السياسي ينمو منذ طفولتها، خاصة بعد أن بدأ كوادر حركة التحرر الكردستانية يترددون على منزلهم. كانت ترافقهم إلى القرى المجاورة، تتعلم منهم، وتشارك في نشر الوعي السياسي بين الناس. كان إعجابها بنضالهم كبيراً، حتى قررت في عام 1997، أن تغادر منزلها وتنضم إلى صفوف الحركة، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها النضالية.

النضال في أجزاء كردستان الأربعة

بعد خضوعها للتدريبات الفكرية والعسكرية، تنقلت الشهيدة هيفا في ميادين النضال المختلفة. بدأت مسيرتها في شرق كردستان، حيث أسهمت في تنظيم الحراك السياسي، ثم انتقلت إلى جنوب كردستان، حيث عملت في الموصل وكركوك ومناطق أخرى. ومع انطلاق ثورة 19 تموز في روج آفا وشمال وشرق سوريا، عادت إلى هناك لتلعب دوراً أساسياً في بناء الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتنظيم صفوف المرأة على أساس فلسفة "المرأة، الحياة، الحرية".

دور قيادي في الإدارة الذاتية

وتولّت هيفا خلال سنوات الثورة العديد من المناصب القيادية في روج آفا وشمال وشرق سوريا، منها الرئيسة المشتركة لحاكمية مقاطعة الجزيرة، نائبة رئيسة هيئة المرأة في شمال وشرق سوريا، عضوة منسقية مؤتمر ستار.

وفي السياق، تقول رفيقتها الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بروين يوسف: "كانت شخصية قيادية بامتياز. كانت تمتلك روحاً رفاقية استثنائية، محبة للمجتمع، ولم تفرق يوماً بين أحد. كانت تحلم برؤية جميع النساء منظمات على أساس فلسفة الحرية، ولذلك كرّست جهودها لعقد الاجتماعات والنقاشات لتعزيز الوعي".

ولم تكتفِ الشهيدة هيفا بالعمل السياسي، بل لعبت دوراً هاماً في تأسيس أكاديميات المرأة ضمن الإدارة الذاتية، حيث أسهمت في تدريب آلاف النساء على القيادة والإدارة، مما مكّن المرأة من لعب دور فعال في المجالات كافة.

وتقول والدة الشهيدة هفرين خلف، سعاد مصطفى: "تعرفت على صالحة عن طريق الشهيدة هفرين، كانتا تعملان معاً لتحقيق الوحدة الوطنية. كانت هيفا تمتلك خصائص المناضلة الثورية الحقيقية، وكانت تسعى لتوحيد صفوف النساء وتعزيز دورهن في المجتمع. كانت بالنسبة لي مثل هفرين تماماً، لم أشعر يوماً أنها غريبة".

العمل الدبلوماسي والنضال حتى الرمق الأخير

في السنوات الأخيرة، انتقلت الشهيدة هيفا إلى جنوب كردستان، حيث عملت على تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين الأحزاب والحركات النسائية. لكنها لم تسلم من استهداف الاحتلال التركي، الذي اغتالها عبر طائرة مسيّرة في 27 كانون الثاني من العام الماضي (2024) في منطقة رانيا بمدينة السليمانية، برفقة ابن عمها المناضل ديلاور عربو، أحد كوادر حزب الاتحاد الديمقراطي.

وشيّع جثمانها وجثمان الشهيد ديلاور في مزار الشهيد رستم جودي في قرية بركفري بالدرباسية، وسط حضور جماهيري حاشد.

إرث خالد ومسيرة لن تتوقف

وتختتم والدتها حديثها بالقول: "لقد كانت فخراً لعائلتنا ولشعبها، ولن يكون استشهادها نهاية لمسيرتها، بل بداية لاستمرار نهجها. سنواصل النضال على دربها ودرب جميع الشهداء حتى تحقيق النصر".

(ح)

ANHA