حقوقي يؤكد أن اللا مركزية أساس وحدة سوريا

أكد الناشط والحقوقي جبرائيل مصطفى أن اللا مركزية تمثل الخيار الأمثل لبناء سوريا جديدة تقوم على الديمقراطية والتعددية، مشيراً إلى أنها الضامن الحقيقي لوحدة البلاد وصون حقوق جميع المكونات القومية والدينية. وشدد على ضرورة عدم تكرار تجربة الأنظمة المركزية والاستبدادية التي حكمت سوريا لعقود طويلة، والتي لم تجلب سوى الانقسام والويلات للشعب السوري.

حقوقي يؤكد أن اللا مركزية أساس وحدة سوريا
الثلاثاء 7 تشرين الأول, 2025   05:05
الحسكة
بلند حجي

تتزايد المطالب الشعبية والسياسية في سوريا بضرورة تبني نظام لا مركزي ديمقراطي يضمن مشاركة جميع المكونات في إدارة البلاد، ويقطع الطريق أمام عودة الاستبداد الذي عاشته البلاد لعقود طويلة تحت سلطة الأنظمة المركزية. ويؤكد ناشطون وخبراء أن المرحلة المقبلة تتطلب صياغة حوار وطني ودستور جديد يراعي التنوع القومي والديني والثقافي، ويؤسس لدولة حديثة مبنية على العدالة والمشاركة لا على التفرد والإقصاء.

فشل المركزية عبر التجارب التاريخية

وفي هذا الإطار، أجرت وكالتنا لقاءً مع الناشط والحقوقي والعضو في منسقية مبادرة المحامين السوريين للدفاع عن القائد عبد الله أوجلان، جبرائيل مصطفى، الذي قال: "إن المركزية قد تحقق بعض المكاسب الشكلية من ناحية، لكنها في الوقت نفسه تُضعف الديمقراطية والتعددية، وبالتالي تجلب نتائج سلبية على أي وطن أو شعب".

وأوضح أن اللا مركزية تعني التنوع السياسي والقانوني والاجتماعي والثقافي، وتعني أيضاً حرية الاختيار وحرية التعبير.

وأضاف: "عندما يكون الإنسان حرّاً في إرادته يكون ملتزماً بالوحدة الوطنية، وتكون إرادته أقوى من أي إرادة مفروضة عليه. وقد أثبتت التجارب أن النظم اللا مركزية، سواء كانت فيدرالية أو كونفيدرالية، تجعل الدول أكثر تماسكاً".

وأكد أن النظم المركزية فشلت في دول عدة، مستشهداً بانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 بعد عقود من الحكم المركزي، وفشل الأنظمة الاستبدادية الأخرى مثل النظام البعثي في سوريا والعراق، وكذلك في ليبيا واليمن ورومانيا. وأكد أن كل هذه التجارب أثبتت أن المركزية لم تنتج سوى الانهيار.

وأوضح جبرائيل مصطفى أن على السوريين التفكير بعقلية جديدة تختلف جذرياً عن عقلية الأنظمة البعثية التي حصرت الدولة والمجتمع في حزب واحد وقائد أوحد.

وقال: "بعد أكثر من خمسة عقود من حكم حزب البعث في سوريا، اتضح فشل المركزية ليس فقط على مستوى السلطة، بل أيضاً على مستوى المجتمع والجغرافيا والإنسان السوري. لذلك، بعد سقوط نظام البعث، من الضروري أن نؤسس لنظام جديد مبني على المنطق والواقعية، يتناسب مع الخصوصية السورية التاريخية والجغرافية والسياسية والمجتمعية".

اللامركزية ضمان للوحدة الوطنية

وشدد مصطفى على أن اللا مركزية، سواء كانت فيدرالية أو كونفيدرالية أو أي صيغة سياسية أخرى، هي أحد أهم العوامل التي تعزز الوحدة الوطنية وتحافظ على وحدة سوريا.

وأكد أن اللا مركزية تولّد شعوراً حقيقياً بالانتماء الوطني لجميع السوريين، على عكس الأنظمة الاستبدادية التي لا تنتج إلا المزيد من الاستبداد، موضحاً أن الاستبداد يولد ردود فعل سلبية خطيرة.

وأضاف: "يجب على الحكومة الانتقالية في دمشق أن تعمل على صياغة نموذج ديمقراطي لا مركزي، يحافظ على وحدة سوريا الجغرافية والسياسية، وفي الوقت ذاته يصون حقوق جميع القوميات والمكونات والأديان. سوريا إذا أردنا أن نحافظ عليها، فلا يجب أن تكون نسخة مكررة من الأنظمة السابقة، بل يجب أن تُبنى على أسس جغرافية وتاريخية وسياسية واقعية. بهذه الروح، وبالتعاون المشترك، يمكننا إعادة بناء سوريا من جديد".

التدخل التركي يعمق الأزمة السورية

وتحدث مصطفى عن التدخل التركي في سوريا قائلاً: "إن تدخل أنقرة يرتبط بتاريخها، سواء في بعدها التركي أو في الحقبة العثمانية"، مؤكداً أن هذا التدخل لم يجلب سوى المزيد من التعقيد والمشاكل.

وقال: "على عكس ما يُروَّج، لم يكن فتح تركيا أبوابها أمام السوريين بدافع المحبة أو نصرة الشعب السوري ضد بطش النظام، بل كان من أجل مصالحها الخاصة، كاستثمار قضية اللاجئين تجارياً، والحصول على مليارات من الدعم الأوروبي وغيره، وفي النهاية، لم يستفد السوريون من هذا التمويل بشيء".

وأضاف أن تركيا استغلّت السوريين كمرتزقة في ليبيا وأذربيجان ونيجيريا، وسعت لفرض علاقة مصطنعة بين السوريين وشعوب أخرى.

وتساءل قائلاً: "ما علاقة السوريين بتعليمات الاستخبارات التركية في أذربيجان؟ وما علاقتهم بالحرب في ليبيا؟ الشعب السوري قام بثورة من أجل إسقاط النظام، بينما تركيا منذ البداية سعت لتحقيق مصالحها الخاصة عبر مشروع الميثاق الملي".

وأوضح مصطفى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحدث عام 2016 عن معاهدة لوزان باعتبارها طعنة في ظهر تركيا لأنها حرمتها من مشروعها التوسعي، مؤكداً أن كل تدخلات أنقرة في سوريا كانت مرتبطة بهذا المشروع، وليست بدافع حماية السوريين.

وأضاف أن تركيا، بعد فشلها في فرض ما تسمى "المنطقة الآمنة" على الحدود، لا تزال تعمل على تعطيل أي وحدة وطنية حقيقية بين السوريين.

تركيا ودعم الإرهاب في المنطقة

وأشار مصطفى إلى أن تركيا تسعى لإشعال حرب أهلية بين العرب والكرد، وأنها أكبر دولة راعية ومموّلة لداعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى في الشرق الأوسط، موضحاً أن الأدلة أثبتت دعمها بالسلاح وتسهيل مرور الإرهابيين عبر حدودها إلى سوريا والعراق، إضافة إلى تقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي لمرتزقة داعش.

وقال: "لقد كان الهدف من هذا التدخل هو القضاء على الشعب السوري وضرب استقرار العراق أيضاً، والحقيقة أن وجود تركيا وتدخلها في أي ملف لا يجلب إلا الخطر والخراب، ويؤدي إلى تفجير الصراعات الداخلية بدلاً من إرساء الاستقرار".

دعوة لمصالحة وطنية شاملة

وفي ختام اللقاء، شدد جبرائيل مصطفى على دور المؤسسات الدولية في حل الأزمة السورية قائلاً إن الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات وُجدت لتحقيق السلام والعدالة، لكن بعضها تحول إلى أداة بيد الدول العظمى. ودعا إلى أن تعمل الحكومة الانتقالية في دمشق على فتح باب المصالحة الوطنية الشاملة، وأن تدعو جميع الأطراف في الداخل والخارج إلى حوار وطني يضم جميع المكونات السياسية والمجتمعية. وأكد أن هذا الحوار الشامل هو الطريق لإعادة اللحمة الوطنية واستعادة الاستقرار والسلام في سوريا.

(ح)

ANHA