​​​​​​​أجواء حرب ضد إيران.. ما هي طبيعة التصعيد الأميركي – الإسرائيلي؟

يجادل البعض بأن الموقف الإسرائيلي والأميركي المتشدد حيال إيران هو الوسيلة الوحيدة لحمل الأخيرة على التراجع وبأن أجواء التوتر التي سادت منذ أسابيع تندرج ضمن سياق الضغط دون أن تنجر الأمور إلى حرب مباشرة، إلا أن طبيعة المنطقة الملتهبة قد تؤدي لانزلاقها نحو حرب لا تحمد عقباها.

​​​​​​​أجواء حرب ضد إيران.. ما هي طبيعة التصعيد الأميركي – الإسرائيلي؟
الخميس 9 آذار, 2023   01:57
مركز الاخبار- كيفارا شيخ نور

زاد الحديث الإعلامي مؤخراً عن ضربة أميركية - إسرائيلية ضد إيران، وذلك بذريعة قرب امتلاك طهران لأسلحة نووية، وهو ما تنفيه الأخيرة جملة وتفصيلاً.

حديث الضربة ترافق مع تصريحات مسؤول رفيع في البنتاغون، بأن إيران قادرة على إنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية؛ لصنع قنبلة نووية واحدة خلال أيام.

وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنه تم العثور مؤخراً على آثار لجزيئات اليورانيوم عالي التخصيب، تصل إلى 84 في المائة، في إيران. هذا هو أقرب ما وصلت إليه إيران للوصول إلى عتبة 90 في المائة المطلوبة للوقود النووي المستخدم في صنع الأسلحة. وفي هذا الصدد، تستكشف الحكومة الإسرائيلية ضربات عسكرية تستهدف المنشآت النووية الإيرانية، وتشير الهجمات الإسرائيلية على منشأة بأصفهان الإيرانية خلال الشهر الماضي إلى أن إسرائيل تمضي قدماً في هذا المسار.

أجواء مشابهة لما حدث قبل غزو العراق!

هذه الهالة الإعلامية الحالية هي أشبه ما تكون بالهالة التي تكونت قبل غزو العراق من قبل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكذلك قبل سقوط حكم الزعيم الليبي معمر القذافي من قبل الناتو.

وفي العراق، احتلت الولايات المتحدة العراق بعد غزو شامل نفذته واشنطن ولندن في العراق 19 آذار 2003، وانتهى رسمياً في 1 أيار 2003 عندما أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش "نهاية العمليات القتالية الكبرى"، بذريعة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، مما أدى لإسقاط صدام حسين، وخسائر بشرية قُدرت بمليون قتيل ومصاب وملايين المشردين، وخسائر مادية تقدر بتريليونات الدولارات، وانزلاق البلاد نحو الحرب الطائفية.

وأثبتت تحقيقات في وقت لاحق أن هذا الادعاء لم يكن صحيحاً، بل كان مجرد ذريعة غربية لاحتلال العراق، حيث أشار تقرير أميركي في يوم 4 أيلول 2002؛ بأن شبكة تلفزيون "سي بي أس" الإخبارية الأميركية حصلت على وثائق تظهر أن قرار غزو العراق اتخذه وزير الدفاع الأميركي آنذاك دونالد رمسفيلد بعد ساعة من وقوع هجمات 11 أيلول 2001 على واشنطن ونيويورك.

وفي خريف العام نفسه (2002) نشرت الحكومة البريطانية برئاسة توني بلير تقريراً يحذر من "المخاطر التي يشكلها امتلاك العراق أسلحة دمار شامل"، وذلك في محاولة لكسب تأييد الشعب البريطاني والرأي العام العالمي لصالح القيام بغزو العراق.

وفي ليبيا، وعلى الرغم من إعلان الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في 19 كانون الأول 2003، أن بلاده ستزيل طوعاً جميع المواد والمعدات والبرامج التي يمكن أن تؤدي إلى أسلحة محظورة دولياً، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل والصواريخ الباليستية البعيدة المدى، إلا أن ذلك لن يشفع لها، حيث قادت فرنسا (19 آذار 2011) هجوماً على القوات المسلحة الليبية، بالتحالف مع عدد من الدول فيما عرف بعملية "فجر الأوديسا" استمرت 10 أيام استلم بعدها حلف الناتو مهامه في 31 آذار 2011 فيما عرف بعملية "الحامي الأوحد"، وفي 19 آذار حشدت دول التحالف قواتها لشن غارات جوية، وقصف صاروخي، بقيادة الأميرال الأميركي "سامويل لوكير" واستمرت لمدة عشرة أيام أُطلق خلالها 110 صاروخ توماهوك استهدفت الدفاعات الجوية ومراكز قيادة ومعسكرات في المدن الليبية التي لم تقع تحت سيطرة المجموعات المسلحة، واستهدفت القوات العسكرية التي كانت تتمركز على مشارف مدينة بنغازي، وشاركت في تنفيذ العملية طائرات هجومية وقاذفات صواريخ بعضها على حاملات طائرات أميركية، وفرنسية متمركزة في عرض البحر المتوسط، وأخرى في قواعد عسكرية في إيطاليا وبعض الجزر في البحر المتوسط كما انطلقت الطائرات من القاعدة الأميركية في مدينة شتوتغارت الألمانية، وغيرها من المنصات.

أوراق القوة لدى إيران

وبالعودة إلى إيران، حيث يشهد هذا البلد شيئاً مشابهاً لما حصل قبل الضربات الغربية للعراق وليبيا، حيث وصلت العلاقات بين الغرب وإيران إلى مستوى منخفض غير مسبوق. تصاعدت التوترات بشكل حاد في الأشهر الستة الماضية: لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، كما قدمت الأخيرة طائرات بدون طيار إلى روسيا.

لكن المواجهة العسكرية ستكون كارثية، وسيكون للحرب عواقب وخيمة وذات نتائج عكسية على الغرب وإسرائيل وإيران وجيرانها.

طهران لديها وكلاء في سوريا ولبنان وفلسطين واليمن، وبأن هؤلاء الوكلاء قادرين على إلحاق الضرر بمصالح واشنطن وتل أبيب في المنطقة، ناهيك عن امتلاك إيران قدرات صاروخية ضخمة قادرة على الوصول إلى إسرائيل وكذلك القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، كذلك استئناف الهجمات المباشرة على طرق الشحن الرئيسية والمنشآت النفطية في دول مجلس التعاون الخليجي في محاولة لتعطيل الطاقة العالمية وفي ظل أزمة الطاقة الناجمة عن التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا، ناهيك عن علاقاتها الاستراتيجية مع الصين وعلاقاتها الوطيدة مع روسيا وتركيا.

وعلى الرغم من أن السياق الداخلي لإيران حرج للغاية، وكل أسبوع يجلب معه بؤر اشتعال جديدة تزيد من تقويض شرعية السلطة الحاكمة في هذا البلد، إلا أن أي تدخل خارجي غربي سيكون مفيداً لهذه السلطة بغية ربط جميع الفشل الاقتصادي والاجتماعي بالتدخلات الغربية الخارجية، ووسيلة فعالة لإلقاء القبض على أي معارض، بذريعة تهديده للأمن القومي.

إسرائيل، التي قالت إنها لن تقبل إيران مسلحة نووياً، تتحدث بشكل متزايد عن الحاجة إلى توجيه ضربة قبل فوات الأوان. أجرت إسرائيل والولايات المتحدة مؤخراً تدريبات عسكرية غير مسبوقة فيما كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه محاكاة لهجمات ضد إيران. وفي الشهر الماضي، صرح السفير الأميركي في إسرائيل أن "إسرائيل تستطيع وينبغي أن تفعل كل ما تريد" للتعامل مع إيران، وأننا "ندعمهم".

كما أن المشاورات العسكرية الأميركية المكثفة عبر زيارات قام بها رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال، مارك ميلي لإسرائيل؛ لإجراء مناقشات قالت إنها تضمنت الحاجة إلى التعاون لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية تخلق انطباعاً بزيادة الاستعداد للصراع. يقف هذا النهج في تناقض صارخ مع الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، اللذين سعيا بنشاط لعرقلة العمل العسكري الإسرائيلي الذي هدد بجر واشنطن إلى مواجهة إقليمية مباشرة أخرى. تلتزم الدول الأوروبية التي لعبت دوراً نشطاً منذ فترة طويلة في إخراج الولايات المتحدة وإسرائيل من حافة الصراع مع إيران، الصمت إلى حد كبير بشأن مخاطر الضربات العسكرية.

قد تنجح الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية من الناحية التكتيكية في تأخير برنامج إيران النووي. ومع ذلك، فمن غير المؤكد إلى متى سيستمر ذلك، بالنظر إلى أن إيران قد تحولت إلى منشآت نووية عميقة تحت الأرض لتجنب التخريب. والأهم من ذلك، أن الهجمات العسكرية ستحول بشكل شبه مؤكد الجدل الاستراتيجي الذي لم يحل بعد داخل إيران نحو التسليح النووي النشط.

يشير مقال رأي لمجلة الفورين بوليسي، إلى أن عدم رغبة إسرائيل والغرب في إطلاق عملية تغيير النظام بالكامل، فمن المرجح أن تعزز الضربات العسكرية قبضة الحرس الثوري الإيراني المحلية على السلطة بدلاً من إضعافها، مما يؤدي إلى تسريع عملية إضفاء الطابع الأمني المكثف على الدولة. في هذا السيناريو، كما حدث أثناء الحرب الإيرانية العراقية، سيكون من الأسهل على إيران تكثيف قمعها ضد الاحتجاجات.

المواجهة التي تسعى إليها إسرائيل وإيران، لا تريدها دول إقليمية، فهم يعرفون تكلفة التصعيد ويريدون الاستقرار الإقليمي، حيث أشار دبلوماسي إماراتي رفيع إلى أن التصعيد "ليس في مصلحة المنطقة ومستقبلها"، مضيفاً أنه "لا بديل عن الحوار".

وعلى الرغم من العداوة السعودية الإيرانية، ودعم المملكة فرض المزيد من العقوبات على إيران، إلا أن الرياض لا تزال قلقة من المواجهة، ترغب بالحوار المباشر مع إيران كي لا تتأثر بأي صراع مستقبلي.

كما ستؤدي المواجهة العسكرية مع طهران إلى تقوية العلاقة بين إيران وروسيا، بما في ذلك في أوكرانيا. في المجال النووي، يمكن أن تصبح موسكو أكثر تساهلاً في مسيرة إيران نحو التسلح ويمكن أن تساعد في حماية إيران من المزيد من الهجمات الأميركية والإسرائيلية من خلال التعاون العسكري والاستخباراتي، ناهيك عن سعي روسي إلى تسليم طهران صواريخ روسية متطورة.

(ي ح)

ANHA