"ما ضل غير الهوا".. حكومة دمشق تضيّق الخناق على السوريين برفع سعر المياه

تمهّد حكومة دمشق لرفع الدعم الحكومي عن المياه المعبأة أيضاً وفق سيناريو متكرر تستهدف فيه دخل المواطنين خدمة لتجار الحروب وأزماتها، فيما يحذر الكاتب والصحفي السوري، ثائر الزعزوع، من ازدياد الفقر وارتفاع معدلات الجريمة والمشاكل الاجتماعية. 

"ما ضل غير الهوا".. حكومة دمشق تضيّق الخناق على السوريين برفع سعر المياه
الأحد 10 تموز, 2022   01:20
مركز الأخبار- ليلاف ديواني

يعاني السوريون من واقع معيشي كارثي، بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011، ودخولها منعطفاً سياسياً واقتصادياً متدهوراً إثر التدخلات الخارجية والسياسات التقشفية والقرارات الخاطئة لحكومة دمشق التي أودت بالبلاد إلى الهاوية، حيث لاقى القطاع الاقتصادي الضرر الأكبر.

وبدأ الاقتصاد السوري الدخول في نطاق الأزمة مع توجيه حكومة دمشق كافة موارد الدولة ومقدراتها لخدمة الآلة العسكرية، إذ أصبحت النفقات العسكرية العنصر الأكبر للإنفاق على حساب الجانب التنموي، بالإضافة إلى استحواذ الأطراف الخارجية المتدخلة في الملف السوري على العديد من موارد البلاد.

كما ولّدت سياسات حكومة دمشق المالية المتخبطة والفساد المستشري في دوائرها، والعقوبات الدولية المفروضة عليها، وأبرزها قانون "قيصر"، الذي دخل حيّز التنفيذ في 17 حزيران عام 2020، واقعاً لم يشهده الاقتصاد السوري من قبل، إذ انهار سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، ليصل عتبة سقفه إلى نحو 4000 ل.س مقابل الدولار الواحد، بعد أن كان سعره نحو 46.5 ل. س قبيل الأزمة.

إلا أن هذه العقوبات الدولية لم تلقِ بظلالها سوى على المواطنين، فالأطراف المشمولة بالعقوبات (الحكومة وشركاؤها) استهدفت بدورها دخلهم البسيط، عبر إصدار قرارات تؤزم واقعهم المعيشي أكثر في سبيل تعويض خسائرها.

وانتهجت حكومة دمشق سياسة ملء خزينة الدولة عبر إفراغ جيوب المواطنين، والذي بدوره صب في مصلحة تجار الحرب والأزمات أيضاً، ما ولّد معه أزمات متعاقبة إثر إصدارها قرارات تخص ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية والكهرباء والدواء والاتصالات لتسجّل أرقاماً قياسية مقارنة بسابقاتها بالإضافة إلى رفع الدعم الحكومي عن غالبية الشعب، وصولاً إلى لجؤها لرفع سعر مياه الشرب!

الغلاء يطال مياه الشرب أيضاً

ومؤخراً، أصدرت الشركة العامة لتعبئة المياه، قراراً يقضي برفع سعر المياه المعبأة من معامل وزارة الصناعة بموجب قرارين متتالين بنسبة تقارب الـ 10 % على سعر الجملة والتي قد تزيد إلى الضعف لدى البيع المفرق.

وبحسب صحيفة "الوطن" المقربة من حكومة دمشق، فإن الشركة العامة لتعبئة المياه أصدرت قراراً بتاريخ 23/6/2022، حدد سعر الجعبة 1.5 ليتر فيها ست عبوات من أرض المعمل بـ 4800 ل.س وسعر العبوة الواحدة من باعة المفرق للمستهلك 950 ل.س، لكنها عادت لتصدر في اليوم التالي، قراراً يرفع سعر العبوة للمستهلك إلى 1050 ل.س.

وتتبع لشركة العامة لتعبئة المياه أربعة معامل مياه (السن والدريكيش وبقين والفيجة)، وادّعى مديرها أن قرار رفع سعر المياه المعبأة سببه الزيادة في التكاليف التشغيلية وفي أسعار المواد الأولية، وصعوبة تأمين المستورد منها خاصة.

ويأتي الحديث عن رفع أسعار المياه، بينما تواجه سوريا أسوأ موجة جفاف في تاريخها منذ 70 عاماً، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، إذ تعاني معظم المناطق من أزمة مياه حادة تزداد حدتها صيفاً ليتجاوز قطع المياه عدد أيام الأسبوع، ما يدفع الأهالي، لا سيما في الأرياف، إلى شراء المياه من الصهاريج بأسعار مرتفعة، بالإضافة إلى أنها على الأغلب غير آمنة صحياً، ناهيك عن ازدياد الطلب على المياه المعبأة جراء انخفاض منسوب الينابيع وازدياد تقنين الكهرباء والماء ضمن أجواء حارة وافتقاد المواطن لوسائل التبريد.

'ما ضل غير الهوا'

وأثار هذا القرار ردود فعل رواد مواقع التواصل الافتراضي، بين منتقد ومستهزئ، حيث علّق أحدهم بسخرية "ما ضل غير الهوا لحتى تحرمونا منه" وآخر انتقد قائلاً: "لما كل هذا الجشع؟ الماء حق للمواطن مجاناً".

وفي تصريح خاص لوكالتنا، قال الكاتب والصحفي السوري، ثائر الزعزوع: "موضوع زيادة أسعار المياه المعبأة ليس الأول، فمثلاً أسعار المحروقات، ومعظم المواد الغذائية، تخضع لمزاجية التجار، ولا يتم حسابها بما يتناسب مع دخل المواطن السوري في مناطق سيطرة النظام المتدني بشكل كبير، وبعملية حسابية بسيطة، نكتشف أن هذا الدخل يجب أن يتضاعف عشر مرات أو عشرين مرة، ليعيش الإنسان حياة عادية بعيداً عن الكماليات".

وأفادت تقارير للأمم المتحدة بأن "أسعار المعيشة في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق ارتفعت بنسبة تتجاوز 150%"، بينما لا يتجاوز دخل الفرد من عمال وموظفين 100 ألف ليرة سورية و200 ألف".

وبحسب تقرير آخر صدر عن الأمم المتحدة، فإن أكثر من 90٪ من السوريين باتوا يعيشون في حالة فقر الآن، كما كشف برنامج الأغذية العالمي WFP في تقرير عن العام 2021 بعض المؤشرات حول حجم أزمة الغذاء السوري مؤكدة أن أعداد السوريين الذين يعانون من الانعدام الغذائي ارتفع من 20% في عام 2019 إلى 60% في عام 2021 أي أنه كان يتضاعف مرة كل عام وسطياً.

ويعود سبب هذا التدهور في الأمن الغذائي السوري، إلى انسحاب حكومة دمشق من أداء دورها وتراجع الدعم الحكومي للزراعة حيث انخفض الإنفاق (التقديري) على قطاع الزراعة في الموازنة الحكومية من 515,432,500 دولار في عام 2011 إلى حوالي 124,686,914 دولار في عام 2021 أي أنه تقلّص بنسبة تزيد عن 75% خلال عشرة أعوام فقط.

تقاعس حكومي يدفع المواطن ضريبته

وبيّن ثائر الزعزوع أنه "من الطبيعي جداً أن ينهار الواقع المعاشي في سوريا، نتيجة لكل ما حدث خلال السنوات الماضية، وقد زادت العقوبات الأميركية الطين بلة، كما يقال، وهنا يأتي دور الحكومة لتخفيف تلك الصعوبات على المواطنين، لأن هذا ما تفعله الحكومات في باقي دول العالم، لكن حكومة دمشق، تفعل العكس تماماً، فهي تعمل جاهدة لزيادة الضغط على المواطنين، وجعل حياتهم أكثر صعوبة، فهي ليست حكومة للناس، لكنها حكومة النظام، وطبقة رجال الأعمال المحيطة بالنظام".

في حين، يرى مراقبون أن قرارات حكومة دمشق الارتجالية لا يمكن أن تنجح في احتواء الأزمة الاقتصادية، بل على العكس تخدم مصالح أمراء الحرب الذين تتعارض مصالحهم مع مصالح السوريين، ما يعزز من تفاقم الأزمات وانهيار الواقع المعيشي للمواطنين.

وعن غاية الحكومة من إصدار مثل هذه القرارات، يقول الزعزوع: "أعتقد أن جواب هذا السؤال بسيط جداً، فالحكومة السورية، وكما يعلم السوريون جميعاً، هي ليست صاحبة قرار في شيء، وهي تخضع لتوجيهات من الرئاسة، ولا يمكنها أن تفكر بحلول، لأن الحلول تأتيها جاهزة… وهي أصلاً ليست حكومة مهنية وتضم كفاءات، بل هي حكومة معينة لأسباب كثيرة، ليس من بينها خدمة المواطنين أو العمل على تخفيف الأعباء عنهم".

ترك المركب يغرق

وفي ختام حديثه، استبعد الكاتب والصحفي السوري، ثائر الزعزوع أن تغيّر حكومة دمشق من سياساتها، وقال "لا أعتقد أن النظام وحكومته سوف يغيّرون سياسة الإرهاق والمعاناة للمواطنين، بل هم مستمرون في نهجهم، وسوف نشهد تباعاً ازدياداً في الفقر، وارتفاعاً في معدلات الجريمة والمشاكل الاجتماعية، وبطبيعة الحال استمرار عملية الهجرة، وترك المركب يغرق، وهناك، حسب تقارير محلية، نزوحاً باتجاه مناطق شمال وشرق سوريا، أو شمال غرب.. وكل هذا للبحث عن حياة قد لا تكون أفضل لكنها لن تكون أسوأ من الحياة في مناطق سيطرة النظام".

(ي ح)

ANHA