​​​​​​​الاتفاق مع صندوق النقد: هل هو انفراجة للبنان أو رهن له؟

توصلت السلطات اللبنانية وفريق صندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الموظفين، بشأن السياسات الاقتصادية الشاملة، التي يمكن دعمها بترتيب تمويل مدته 46 شهراً، مع طلب الحصول على 2.1 مليون وحدة حقوق سحب خاصة، أي ما يناهز 3 مليارات دولار، وسط تحذيرات من أن يكون الاتفاق رهناً كاملاً للبلد.

​​​​​​​الاتفاق مع صندوق النقد: هل هو انفراجة للبنان أو رهن له؟
الجمعة 15 نيسان, 2022   02:10
بيروت – زياد أبو غزالة

فيما تنشغل الساحة اللبنانية برصد حركة سفراء دول مجلس التعاون الخليجي العائدين إلى بيروت، ومفاعيلها السياسية والانتخابية، والزيارات التي باشر السفير السعودي حركته اتجاهها، تناقش اللجان النيابية المشتركة "الكابيتال كونترول"، كأبرز البنود التي يطالب صندوق النقد الدولي بإقرارها، والتي ستشكّل مجرياتُها مؤشراً إلى مصير هذا القانون.

اتفاق أخذ حيزاً كبيراً وضجة إعلامية في لبنان، لكن هل ما حصل خطوة مهمة، وإنجاز لافت للحكومة؟ يرى البعض أنها كذلك، فهي إجراء ضروري لبدء عملية الاحتواء التدريجي للانهيار، مع ما يميزها من مراقبة دولية لعملية الإصلاحات التي سبب غيابها طوال الفترة الماضية، حيث كان غيابها سبباً أساسياً في صرف مليارات مؤتمرات الدعم دون جدوى، رغم أن العملية برمّتها تبقى مرتبطة بإنجاز الاتفاق النهائي الكفيل وحده بوصول المساعدات على أنواعها، سواء من الصندوق أو الدول المانحة، وفقاً للشروط المعروفة.

اتفاق غير ملزم

وحول ذلك، تقول الصحفية فيفيان عقيقي: إن "هذا الاتفاق على مستوى الموظفين، يعني اتفاقاً مبدئياً غير ملزم، وهو شبيه بوعد سيدر، بإعطائنا 11 مليار دولار قبل شهر من انتخابات 2018. صندوق النقد يريد إعطاء الساسة الذين دمروا مستقبلنا، ورقة إنجازات وهمية قبل شهر من الانتخابات، ويسهّل عليهم مهمة خلق وهمٍ يساعدهم بتجديد شرعيتهم".

ويخضع هذا الاتفاق بين السلطات اللبنانية وفريق الخبراء لموافقة إدارة الصندوق العليا ومجلسه التنفيذي، بعد تنفيذ كل الإجراءات المسبقة المطلوبة في حينها، وتأكيد الدعم المالي من الشركاء الدوليين.

وتقوم خطة السلطات على خمس ركائز هي: إعادة هيكلة القطاع المالي، وتنفيذ إصلاحات مالية تضمن بقاء الدين في حدود مستدامة، وإصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، لا سيما قطاع الطاقة، وتعزيز أطر الحوكمة ومكافحة الفساد ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإقامة نظام للنقد والصرف يتسم بالموثوقية والشفافية.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 6 نيسان 2018، في مؤتمر صحفي في ختام مؤتمر "سيدر" لدعم الاقتصاد اللبناني الذي استضافته باريس، عن جمع نحو 11 مليار دولار من المنح والقروض لتعزيز الاقتصاد والاستقرار في لبنان، وقد شارك في المؤتمر نحو 40 دولة وعشر منظمات دولية قدّمت قروضاً للبنان، عكس ما يحصل اليوم، بتفاوض صندوق النقد الدولي وحده مع السلطات اللبنانية، بالإضافة إلى حق لبنان في بيع حقوق السحب الخاصة به(sdr)  ضمن خطة اقتصادية واضحة، ويمكن لصندوق النقد أيضاً تحديد بلدان أعضاء لشراء حقوق السحب الخاصة من مشاركين آخرين، إذا اقتضى الأمر ذلك.

 

لبنان مرهون بالاتفاق

وفي هذا السياق، حذر رجل الأعمال الإماراتي، خلف الحبتور، لبنان، من أن الاتفاق مع صندوق النقد، هو بمنزلة رهن كامل للبلد، مشدداً على أن قروض صندوق النقد ليست الخيار الأفضل.

ولفت الحبتور، في تصريح له على وسائل التواصل الافتراضي، إلى أنه "قبيل إعلان لبنان عن اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي، من الضروري التروي ودراسة هذه الخطوة مطولاً قبل الإقدام عليها".

وأكد أن "الاتفاق مع صندوق النقد هو بمنزلة رهن كامل للبلد، تحت سيطرة البنك الدولي"، مشدداً على أن "لبنان فيه القدرات والشباب الذي يعمل حول العالم وهو قادر على بناء لبنان متى توفرت البيئة لذلك".

وأضاف: "بدل التلهي بآمال كاذبة سترهن لبنان للبنك الدولي وستكبّله لعقود، الحري بالأشقاء اللبنانيين اختيار الأشخاص الصحيحين والصادقين لقيادة البلاد".

واعتبر أن "قروض صندوق النقد ليست الخيار الأفضل، بل المطلوب إصلاحات وبيئة آمنة تشجّع المستثمرين العرب والأجانب على الاستثمار وإنعاش الاقتصاد".

إذاً، الاتفاق الذي تم الإعلان عنه ليس هو الفرج، كما أنه ليس من شأنه زيادة المصائب، ولكنه في الحقيقة سيناريو الفيلم الجديد الذي سيعيشه لبنان اعتباراً من النصف الثاني من السنة الحاليّة، وليس هناك من سبب للاعتقاد أن الأوضاع ستسوء أكثر من ذلك، لأنّها وصلت إلى أسفل ما يمكن الوصول إليه قبل الفوضى الشاملة التي لا تزال بعيدة وغير مطروحة على الطاولة.

شروط الاتفاق

عملياً، يتحوّل الإعلان عن الاتفاق إلى مجرّد مهرجان انتخابي، وهذا الأمر واضح للعيان في السجال المتصل بالشروط المسبقة التي سيلتزم لبنان بتنفيذها مسبقاً قبل توقيع الاتفاق النهائي. وهي شروط لا اتفاق مسبقاً على كيفية التفاوض عليها وما حدود لبنان واستراتيجيته وأهدافه.

والشروط الخمسة هي: تدقيق في مصرف لبنان، وإقرار قانون الكابيتال كونترول، وموافقة البرلمان على قانون موازنة 2022، وإقرار تعديلات بنيوية على قانون السريّة المصرفية، وقانون إعادة هيكلة المصارف. وبحسب النقاش، فإن لبنان مطالَب بالتزام تطبيق الشروط الخمسة مسبقاً قبل الاتفاق النهائي. فهل يلتزم بها لبنان؟

وتقول الصحفية فيفيان عقيقي، لوكالتنا: "أهمية السؤال تعود إلى طبيعة النقاشات التي بدأت وتستمر حول هذه الشروط. إذ يوجد بينها مطلب إقرار أربعة قوانين في مجلس النواب، لكن الجانب اللبناني يحاول أن يقنع فريق صندوق النقد بأن يقبل بإقرارها من مجلس الوزراء".

بالنسبة إلى الشرط الأول، أي التدقيق المعمّق في مصرف لبنان، فالمشكلة قائمة أساساً بسبب استمرار ممانعة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فتح دفاتره أمام شركة التدقيق الجنائي. أما الشرط الثاني، فإن رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، لا يزال رافضاً إقرار قانون الكابيتال كونترول. وهو ليس وحيداً في هذا الموقف، بل تسانده مجموعة واسعة من قوى السلطة.

بالنسبة إلى الشرط الثالث، فإن صندوق النقد لا يعوّل على إقرار مشروع موازنة 2022 التي انتقدها كثيراً في لقاءاته الأخيرة، لأنه ينقصها الكثير من الخطوات، لكن معاييره تحدّد هذا الشرط وبالتالي لا يمكنه التساهل فيه.

أما الشرط الرابع الخاص بقانون إعادة هيكلة المصارف، فهو العنوان الأكثر سخونة، لأنه يتعلق بتوزيع الخسائر. سيترتّب على أحد ما في الجمهورية اللبنانية أن يصيغ قانوناً لإفلاس المصارف وإعادة هيكلتها، من دون أن تكون له مصالح مباشرة مع المصارف أو مصرف لبنان أو حتى مع سياسيين أو معنيّين، لأنه يترتّب على صاحب هذه الخطوة أن يلبّي أهدافاً محدّدة ودوراً اقتصادياً وائتمانياً واضحاً في استعادة الثقة بالقطاع المصرفي وتهيئته للقيام بدور في النشاط الاقتصادي مجدداً.

(ي ح)

ANHA