قاتلت بجانب ابنها وكان همها الاطمئنان على سلامة المقاتلين

رفضت الخروج من عفرين رغم اشتداد القصف وفضلت البقاء مع ابنها  والمقاتلين والمقاتلات في الجبهات الأمامية لمقاومة العصر، وبالرغم من أنها أصيبت في المعارك، إلا أن همها الوحيد كان الاطمئنان على سلامة المقاتلين والمقاتلات.

قاتلت بجانب ابنها وكان همها الاطمئنان على سلامة المقاتلين
الجمعة 18 كانون الثاني, 2019   04:10

شرفين مصطفى - غاندي علو/عفرين

مقاومة العصر التي استمرت لـ58 يوماً، تركت أثراً كبيراً في نفوس العالم وكان لها صدى كبير، حيث برز في هذه المقاومة تلاحم الأهالي مع المقاتلين والمقاتلات الذين رفضوا الاستسلام للطائرات والدبابات التي دمرت كل شيء، وفضلوا المقاومة في وجه ثاني جيش في حلف الناتو.

خلال هذه المقاومة برزت قصص عديدة لمقاتلين ومقاتلات وعائلات، هذه القصص تختلف عن الأخرى من حيث التفاصيل والمغزى والحكاية، ومن بينها قصة أم قاومت بجانب ابنها المقاتل، اللذان ساندا مقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة في قرية جقلي الوسطى بناحية شيه، ودخلا في أيقونة مقاومة العصر.

الأم أمينة خلولنك، وهي أم لـ3 أطفال، اتخذت من قوات الحماية الجوهرية باباً لمقاومتها، حيث بقيت في قريتها مع ابنها الكبير بجانب المقاتلين وحملا السلاح وشاركا في الجبهات معاً، حتى بصمت بجرحها تاريخ مقاومة من غير الممكن أن ينساها التاريخ.

قصة أم مقاتلة شاركت في الدفاع عن قريتها بجانب ابنها

الأم والمقاومة أمينة خلولنك ذات 44 عاماً من سكان قرية جقلي الوسطى بناحية شيه الواقعة على خط الحدود مع الأراضي التركية مباشرة، وهي أم لـ3 أطفال أكبرهم 25 عاماً، وأصغرهم 4 سنوات.

كانت تعمل الأم أمينة في الأراضي الزراعية وضمن أشجار الزيتون، وبعد تشكيل الكومينات في القرى، أرادت أن تنظم نفسها ضمن الكومينات، ولتميزها بشخصية ريادية وحكيمة أراد أهالي القرية أن تكون هي الرئيسة المشتركة لكومين القرية.

أدارت الأم أمينة كومين القرية لسنوات، وساهمت مع أهالي القرية في تنظيم لجان صحة وتعليم الأهالي على تعلم لغتهم الأم، وخاصة تنظيم الأهالي ضمن لجنة الحماية، حيث تدرب الأهالي منذ البداية على كيفية الحماية والدفاع عن الذات، وخاصة أن قرية جقلة ومركز ناحية شيه تقع على شريط الحدود مع تركيا مباشرة.

وعندما صرح أردوغان بشن هجمات على مقاطعة عفرين واحتلالها، وكون ناحية شيه تقع على الحدود، كان الأهالي في تأهب واستعداد دائم لخوض معركة مع الاحتلال التركي.

مارس الاحتلال التركي استراتيجية الهجوم من الخلف ووضع المناطق الحدودية بحصار تام، بعد أيام قليلة من شن هجماته في 20 كانون الثاني/يناير العام الماضي، جمع قواته مقابل ناحية شيه وخاصة تل الإذاعة الواقعة في قرية خليل، وهاجموا التل بـ8 دبابات و طائرات حربية.

تقول أمينة " بدأت الهجمات في قرانا وخاصة في القرى المحيطة للإذاعة في قرية خليل، الشعب كان جاهز دائما للتصدي للهجمات، وعندما شنت هجماتها هاجموا بهمجية، وتصدى المقاتلون في القرية للهجمات وقاوموا لأيام برغم حصار المرتزقة لتل الاذاعة وقصفها بشكل عنيف بالدبابات والطائرات، بالفعل المقاتلون الذين قاتلوا في التل سطروا ملحمة بطولية، لا توصف".

تضيف أمينة خلولنك" الشعب قاوم بكل جسارة، فبعد احتلال المرتزقة لقرية خليل ومبنى الإذاعة، أصبح الهدف التالي قرى جقلة  الثلاث- الكبرى والوسطى والصغرى- الأهالي باتوا قلقين نظراً لارتكاب المرتزقة مجازر بحق أطفالهم، فالتجأ البعض إلى الكهوف والملاجئ، وآخرين أرسلوا أطفالهم إلى مركز مدينة عفرين".

وأضافت أمينة بالقول  "لم استطع ترك قريتي والمقاتلين الذين يحمون قريتي، إنني أحبهم كثيراً، وكما أنني فكرت نحن كشعب كيف سنقاوم إذا هربنا وتراجعنا في كل هجمة، فلن نحقق شيء".

تسرد أمينة قصة مقاومتها في القرية، وكيف قاتلت في الجبهات، وقالت "لدي 3 أطفال صغار، أقنعت زوجي وأرسلت أطفالي مع زوجي إلى عفرين، وبقيت أنا وابني الكبير مع المقاتلين والمقاتلات في القرية، عندما هاجمت 8 دبابات تل الإذاعة بعد أيام من القصف البري والجوي وكون التل يقع مقابل قريتنا، شعر الأهالي بالقلق، على احتلال المرتزقة القرية وارتكاب المجازر، اجتمع الأهالي وأرسلوا لطلبي، أسرعت إليهم لأعرف ماذا يوجد هناك، كانوا مرتبكين لا يعلمون ماذا يفعلون وخاصة بينهم نساء وأطفال صغار، بعضهم قالوا لي لنخرج من القرية، سنموت جميعاً هنا إذا بقينا، فهم اقتربوا منا، نظرت إليهم وفكرت بالمقاتلين والمقاتلات الذين هم يجابهون على بعد بضعة أمتار مننا، قلت لهم لا أستطيع أن أتخلى عنهم، اذهبوا وخدوا أولادي معكم، فأنا سأبقى".

ولفتت أمينة بأنها لم تكن لتسامح نفسها أو تشعر بقيمة لحياتها، إذا لم تعش تلك المرحلة، ولا تراها بعينها المقاومة التي يبديها الأهالي والمقاتلون.

و أضافت أمينة،" طلبت من أحد القياديين أن يعطيني سلاح كلاشينكوف لاحمي نفسي وأتجول مع المقاتلين، وخاصة كان هناك مقاتلون لا يعرفون المنطقة جيداً، منهم كان من الجزيرة وكوباني ومنهم من نواحي أخرى من عفرين".

وعند احتلال المرتزقة لتل الإذاعة في قرية خليل، قسم من الأهالي نزح إلى عفرين والآخر بقي في الملاجئ والكهوف، وبدأت الهجمات والقصف مباشرة على قرية- جقلي الوسطى- حينها تضاعفت قوة أمينة، " لم أكن أخشى الهزيمة، وكنت أقول دائما لنفسي بأننا لن ننهزم أو نضعف فمهما كانت النتيجة نحن الأقوى".

وبتلك القوة والعزيمة أرادت أمينة أن تكون في مقدمة المقاتلين لتعرفهم على الطرقات والأماكن التي يتوجب عليهم البقاء والحماية فيها، وإلى أين يجب أن يتحركوا ويحتموا من الطيران.

توقفت أمينة قليلاً عند التحدث عن القوة التي امتلكتها لتقاتل في الجبهات بجانب فلذة كبدها، وتنهدت بابتسامة، وقالت" ابني كان يتجول مع الكتائب المتحركة في القرى وعلى طول الحدود بناحية شيه، فهو كان ما يزال شاباً يافعاً ويستطيع التحرك بسهولة أفضل مني، وهنا عندما كانت تشتد الهجمات كثيراً كنا نقع في جدال أنا وابني على من سيذهب إلى الجبهات ومن سيبقى".

"لا أستطيع القول بأنني تجردت من مشاعر الأمومة عندما كان ابني يقاتل في الجبهات الأمامية والتي غالباً كنا معاً في الجبهات، ونحمي معاً القرية، ولكن كان يمتلكني الشعور بأنني والدة كل هؤلاء المقاتلين وسأكون معهم في كل خطوة".

وثم انتقلت أمينة بالحديث عن خوضها المعارك بجانب المقاتلين والمقاتلات، والتي كانت قد تدربت وتعلمت كيفية الحماية ضمن لجنة حماية القرية، "بعد احتلال المرتزقة القرى المجاورة لقريتنا، وفي إحدى المرات شاهدت مجموعة من المقاتلين يتجهزون للذهاب إلى النقاط الأمامية، كان هناك قيادي للجبهة اسمه ماميان، لم يخبرني بأنهم سيذهبون إلى الجبهة الأمامية في قرية جقلي الكبرى، حينها أسرعت ولبست الجعبة وحملت السلاح ولحقت بهم، أراد القيادي وقفي خوفاً علي، عندها قلت له ، بأن قلب هذه الأم أقوى من تلك الجبال، ولن أترك المقاتلين".

حينها ساعدت الأم المقاتلين وعرفتهم على الطرقات لسهولة الحركة، وعند وصولهم للقرية لم يروا أحداً فقد كان المرتزقة قد خرجوا من القرية بعد اشتباكات قوية في ساعات المساء، "كانت المنازل مدمرة، فكان صعب جداً أن نرى قرانا مدمرة ومنشور فيها الخراب، أتخيل الآن كيف هي حال عفرين بعد الاحتلال".

أمينة تابعت بالقول "بقينا في قرية جقلة الكبرى، وبعدها جاءت مجموعة جديدة للمقاتلات وكن أيضاً سينتقلن إلى نقطة أخرى، على الفور نهضت وقلت سأذهب معكن إلى النقطة الأخرى، كنا 4 أشخاص، ذهبنا من طريق سهل للوصول إلى النقطة المحددة، ذهبنا إلى مكان مقابل المرتزقة مباشرة، وبالفعل استطعنا إصابة عدد كبير منهم".

وواصلت أمينة الحديث، وكأنها تعيش تلك اللحظات مجدداً، وقالت "غيرنا مكاننا ونزلنا إلى نقطة أخرى قريبة منها، كنت قد رأيت سيارة للمرتزقة قادمة من جهة أخرى وكنا سنصيبها، ولكن أثناء تغيير مكاننا، فقدنا أثرهم، ولم نعلم أين وصلوا، حتى وصلنا لمنزل، عرفنا أنه هناك غرفة واحدة تفصل بيننا وبين المرتزقة، بعد أن خرجت أنا ومقاتلة أخرى لتفقد المكان الذي سنقصده، ولكن حينها علمنا أن المكان الذي سنقصده دخلت إليه  المرتزقة".

أمينة نوهت بأن المرتزقة حينها علموا بوجودهم وكان هدفهم هو أسرها مع المقاتلة، حينها أطلق المرتزقة ضربة قناص أصابت الأم أمينة وأطلقوا رصاصة على المقاتلة إلا أنها لم تصبها.

تستذكر أمينة أروح الفدائية للمقاتلة كي تنقذها وتصولها لنقطة آمنة، "أنقذتني المقاتلة إلى الطرف الآخر من الغرفة للاحتماء من المرتزقة، لمطالبة المؤازرة من المقاتلين، عندما احتمينا خلف الغرفة نادت المقاتلة بقية المقاتلين بجهاز اللاسلكي كانت ستقول هناك مصابة، ولكن لم أدعها تقول لهم لكي لا يخافوا علي وتضعف معنوياتهم، وأيضاً من المحتمل أن يسمع المرتزقة بأنهم أصابوا هدف لكي لا ترفع معنوياتهم بذلك".

وتابعت "كنت مستيقظة وسرت وأنا جريحة لمدة نصف ساعة حتى وصلت إلى نقطة أخرى يوجد فيها رفاقنا، ووصلت المقاتلة التي معي إلى مكان آمن فهي لم تكن تعرف المكان جيداً، عندما وصلت إلى تلك النقطة وصل ابني أيضاً انصدم عندما رآني مصابة، وسارع ابني مع المقاتلين الآخرين في تأمين سيارة وإسعافي إلى النقطة الطبية، حيث كانت الحركة في الناحية والقرية صعبة لأن المرتزقة ترصد التحركات جيداً، وكما كانت النقطة بعيدة عن المكان الذي كنا فيه، وبعدها أسعفوني إلى مشفى أفرين في مركز مدينة عفرين".

الأم أمينة لم يكن همها كيف تشفى من جراحها، بقدر ما كانت مهتمة بصحة المقاتلين وسلامتهم، وتقول بهذا الصدد "بعد أيام من إصابتي، زارني أحد قياديي الجبهة التي كنت فيها، وعند أول وصوله كان سؤالي الأول" هل الجميع بخير، لم يصب أحد بمكروه، لم يدخلوا القرية صحيح"، وجاوبني حينها أن الكل بخير لكنني لم أطمئن إلا بعد سماع صوت المقاتلين".

العديد من المدنيين قاوموا واستشهدوا في المقاومة

كان هناك العديد من المدنيين قاوموا حتى النهاية في قراهم، وساندوا المقاتلين والمقاتلات للحماية والدفاع عن قراهم، واسذكرت الأم أمينة خلولنك مدنيين قاوموا حتى النهاية، واستشهدوا.

"بالفعل قاومنا والشعب قاوم بكل ما يملكون، فهناك كان المدني مصطفى ملقب بـ " شرطي" بقي مع أبنائه الصغار ووضع سيارته تحت خدمة المقاتلين ولم يكن يريد الخروج من القرية، و مدني آخر اسمه حيدر كان يبيع الألبسة في سيارته في بازار ناحية راجو، عندما سمع بأن الهجمات اشتدت على ناحية شيه وقراها، ترك كل شيء وتوجه إلى الناحية".

حيدر استشهد في قرية جقلة الوسطى عندما كان يساند المقاتلين، ومصطفى الملقب بـ" شرطي"، عندما احتل المرتزقة قرى ناحية شيه وتوجب على المقاتلين التراجع، ذهب ابن أمينة في طريق ليخرج مجموعة من المقاتلين ، وذهب مصطفى في طريق آخر لينقذ المقاتلين، ولكن في طريقه وعندما كان يخرج المقاتلين استهدفتهم المرتزقة بالصواريخ وأصابوا السيارة حينها استشهد مصطفى.

تنهدت الأم أمينة وملأت عيناها بالدموع عندما استذكرت المقاتلين والشهداء، وذكرت طلب طلبه منها المقاتلون، وقالت سألبي طلبهم وأكتب عن مقاومة العصر،" طلب مني المقاتلون أن أكتب هذا التاريخ، وما عشته وعن المقاتلين والحرب الذي خاضوها، وأنا سألبي ما طلبوه مني، كي يشهد التاريخ عن مقاومة العصر"

"أمام كل شجرة، وفي كل قرية وبجانب كل منزل هناك شهيد ضحى بنفسه، وهناك أسطورة مقاومة نقشت على صخور جبال هاوار".

استذكرت الأم أمينة خلولنك مع ابنها حنيف بكر ما عاشوه من مقاومة، وعن الإرادة والقوة التي استمدوها من بعضهما ومن المقاتلين ورفاقهم الشهداء، يقول حنيف بكر ابن أمينة" الأم أغلى شيء في الدنيا، ولكن وطني هو أمي أيضاً".

تخرج أمينة مع أولادها وهي مصابة وكانت تتعالج في مشفى أفرين في ليلة 16 آذار/مارس العام الماضي، مع الآلاف من أهالي مقاطعة عفرين الذين لم يقبلوا الاستسلام والبقاء تحت رحمة المحتلين، واختاروا طريق جبل الأحلام ليتجهوا منها إلى مقاطعة الشهباء والاستمرار بالمقاومة.

الأم أمينة تقطن الآن في ناحية أحداث بمقاطعة الشهباء مع أبنائها، وتعمل كرئيسة مشتركة لكومين الخامس.

(آ أ)

ANHA