مختصة: فرض لغة تعليم أخرى على الطفل يؤثر في نفسيته وتحصيله وهويته

تتحدث الكاتبة والصحفية والمختصة في الاضطرابات السلوكية، نسرين معتوق، عن أهمية تعلّم الطفل بلغته الأم، مشيرةً إلى الآثار النفسية والفكرية والتعليمية التي قد تترتب على فرض تعلّم لغة أخرى عليه، وما قد يسببه ذلك من انعكاسات على قدرته على التعبير، وتحصيله الدراسي، وثقته بنفسه وهويته وانتمائه.

مختصة: فرض لغة تعليم أخرى على الطفل يؤثر في نفسيته وتحصيله وهويته
الخميس 17 يلول, 2026   02:30
الحسكة
بوطان حسين

علّقت الكاتبة والصحفية المصرية، والأخصائية في الاضطرابات السلوكية والتوحّد، نسرين معتوق، على قرار وزارة التربية والتعليم السورية بشأن تقييد التعليم باللغة الكردية بثلاث حصص مدرسية فقط، متحدثةً لوكالتنا عن تداعيات القرار على المستوى التعليمي والحالة النفسية للطلبة، ولا سيما بعد سنوات من تلقيهم تعليمهم بلغتهم الأم.

وأوضحت نسرين معتوق، أن التعلم باللغة الأم يؤدي دوراً أساسياً في تكوين الإنسان وهويته منذ الطفولة، موضحةً أن لغة الأم هي أول لغة ينفتح عليها عقل الطفل، ومن خلالها يفهم ذاته وما يدور من حوله، كما يتعلم التعبير عن مشاعره وأفكاره بسهولة وأمان، بعيداً عن الخوف أو التردد.

وأشارت إلى أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي في الحقيقة "الوعاء الفكري والنفسي" الذي يبني الطفل من خلاله إدراكه لذاته وللعالم، ويتعلم التعبير عن مشاعره وأفكاره، مؤكدة أن إتقان الطفل للغته الأم يعزز ثقته بنفسه ويؤثر كثيراً في توازنه العاطفي.

وعدّت التعلم باللغة الأم جسراً أساسياً للانتماء الثقافي والاجتماعي، قائلةً: "إذ من خلالها تنقل إليه قيم مجتمعه وتاريخه وموروثه الثقافي والشعبي، فينشأ بهوية متماسكة".

وأضافت أن: "تعلم الطفل للغته الأم يمنحه قاعدة وهوية معرفية ونفسية صلبة، تحميه من الذوبان عند انفتاحه على الثقافات الأخرى والمجتمعات التي لا تشترك مع مجتمعه في هوياتها الفكرية والدينية".

العلاقة بين اللغة والشعور بالثقة والانتماء

وقالت نسرين إن لغة التعلم تؤدي دوراً أساسياً في تعزيز ثقة الطفل بنفسه وانتمائه، وهو ما يؤكده التربويون. فمن ناحية الثقة، يساعد التعلم باللغة الأم الطفل على أن يكون أكثر تمكناً، ويقلل من الإجهاد المعرفي والقلق اللغوي، ما يتيح له التعبير عن أفكاره بطلاقة، وينعكس إيجاباً على تحصيله الأكاديمي وشعوره بالكفاءة والقدرة على التأثير.

أما على مستوى الانتماء والهوية، فتُعد اللغة الوعاء الثقافي الأول للإنسان، إذ يسهم التعلم باللغة الأم في ترسيخ ارتباط الطفل بجذوره وأسرته ومجتمعه، ويحميه من الاغتراب النفسي، ويمنحه هويةً معتزة بأصلها ومرنة في الوقت ذاته، خاصةً عندما يبدأ لاحقاً بتعلم لغة أخرى مع الحفاظ على توازنها مع لغته الأم، وهو ما يُعرف بـ "الازدواجية الإيجابية".

آثار إبعاد الطفل عن لغته

ونوهت الصحفية والمختصة في متابعة السلوك إلى أن حرمان الطفل من التعلم بلغته الأم، يترك آثاراً سلبية سلوكية واجتماعية بارزة أهمها، زيادة التوتر والقلق اللغوي لديه، وهو ما قد يظهر في صورة انسحاب واغتراب نفسي، أو سلوكيات إحباط وعناد نتيجة العجز عن التعبير عن ذاته واحتياجاته بوضوح.

وأضافت: "أن قدرته على التواصل الفعال مع الأسرة والأقران تضعف، مما يولد لديه شعوراً بالفجوة الثقافية والعزلة، وهو ما ينعكس سلباً على تقديره لذاته وبالتالي تقديره لانتمائه".

ولفتت أن التعلم باللغة الأم، يساعد الطفل على التعبير عن مشاعره وأفكاره بصورة أفضل من ناحية التعبير العاطفي التلقائي؛ لأن لغة الأم تعد لغة المشاعر، حيث يمتلك الطفل فيها مفردات وأبعاد تعبيرية ودلالية أعمق تتيح له الوصف الدقيق لما يرتبط بأحاسيسه الداخلية، فيستطيع التعبير بالكلمات ودون عوائق ترجمة.

ومن الناحية الفكرية: توفر اللغة الأم للطفل سعة معرفية منخفضة الإجهاد، ما يمنحه جرأة ومرونة ذهنية لتنظيم أفكاره وصياغة مفاهيمه وتطوير التفكير النقدي ويعزز لديه التواصل الفعال.

ارتباط لغة الأم بذاكرة

وأشارت نسرين معتوق إلى أن اللغة الأم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالذاكرة والاستيعاب، وذلك من خلال محورين أساسيين: الأول هو الذاكرة العاملة والمعالجة، فالمخ في المعالجة باللغة الأم يستهلك جهداً عصبياً أقل، وهو ما ينتج عنه مساحة أكبر للذاكرة العاملة لتخزين المعلومات الجديدة ومعالجتها بعمق أكبر.

والثاني هو الربط بالمعارف السابقة: حيث ترتبط اللغة الأم بالشبكات العصبية المبكرة، مما يسهل استدعاء المفاهيم المخزنة في الذاكرة طويلة المدى وربط المعارف المختلفة بعضها ببعض وتثبيتها لحين طلب استرجاعها من جديد.

وأكدت المختصة أن فرض لغة تعليمية غير اللغة الأم، يؤدي إلى مشكلات نفسية وسلوكية، ينتج عنها ما يطلق عليه بالفجوة اللغوية، وأبرز المشكلات هي: القلق اللغوي وانخفاض التقدير الذاتي والشعور بالفشل والاغتراب النفسي.

أم المشكلات السلوكية هي الإحباط في صورة انسحاب اجتماعي وعزلة أو سلوكيات اندفاعية وعناد، كرد فعل ناتج عن الضغط العصبي المرتفع وصعوبة التواصل مع المحيط الخارجي.

وذكرت أن إتقان اللغة الأم ينعكس إيجابياً على شخصية الطفل بصفة مبدئية، ويمنح الفرد صلابة نفسية واعتزاز بالهوية ويُعزز الذكاء العاطفي والتقدير الذاتي، كما يُكسب الإنسان طلاقة لسان ومرونة وقدرة أعلى على التعاطف والإنصات، كذلك يُشكل أساساً متيناً للتواصل الحضاري بثقة مع الحضارات المختلفة ودون خوف من ذوبان الهوية أو تشوهها.

ونوهت إلى أن اللغة الأم هي بمثابة العدسة المعرفية والثقافية للإنسان، فهي التي تحدد الأطر العامة للمفاهيم التي يستسيغها ويبني عليها عاطفته وبالتالي تحليله للأشياء والأحداث من حوله، مما يوجه النمط المعرفي لديه ويشكل الأسلوب الذي يتبناه لحل المشكلات.

وأكدت أن اللغة الأم تشكل المرجعية للهوية الخاصة به والركيزة الأساسية للاعتزاز بإرثه الحضاري، وتعزز الشعور بالانتماء، من خلال الفهم المشترك للرموز والقيم الثقافية في مجتمعه.

وحول أهمية أن يسمع الطفل لغة الأم في المنزل والمدرسة، قالت نسرين إن الملاءمة اللغوية بين البيت والمدرسة يخلق جسراً ثابتاً يُشعر الطفل بالأمان التام، حيث يستطيع نقل خبراته اليومية ومشاعره العميقة بين الساحتين بأسلوب مألوف ودون أن يصطدم بحاجز يعيق تعبيره.

وأوضحت قائلةً: "عندما يتلقى الطفل المفاهيم الدراسية والتعليمات التربوية باللغة نفسها التي يبني بها خياله ويمارس بها حياته الأسرية، يقل لديه الإجهاد الذهني الناتج عن فك تشفير لغة جديدة، وهو ما سينعكس مباشرة على هدوئه النفسي وانضباطه السلوكي داخل الفصل".

واختتمت نسرين معتوق حديثها قائلةً: "إن التوافق يمنع ما يُعرف بالازدواجية أو التناقض البيئي، فيستوعب الطفل الحدود والقواعد الأخلاقية والسلوكية بشكل أعمق لأنها تقال بنفس الألفاظ التي ينشأ عليها".

(ي م)

ANHA