ثورة 19 تموز.. من غياهب الإقصاء إلى آفاق التعددية

بعد أربعة عشر عاماً على انطلاقها، ما تزال ثورة 19 تموز حاضرة بوصفها تجربة تجاوزت حدود المواجهة العسكرية، لتطرح مشروعاً يقوم على بناء المجتمع بدل الصراع على السلطة، والتنظيم بدل الفوضى، والشراكة بين المكونات بدل الإقصاء. وبين تحديات الماضي واستحقاقات المرحلة الراهنة، تواصل الثورة اختبار قدرتها على ترسيخ نموذج سياسي يضمن الشراكة وحقوق جميع مكونات سوريا.

ثورة 19 تموز.. من غياهب الإقصاء إلى آفاق التعددية
ثورة 19 تموز.. من غياهب الإقصاء إلى آفاق التعددية
ثورة 19 تموز.. من غياهب الإقصاء إلى آفاق التعددية
ثورة 19 تموز.. من غياهب الإقصاء إلى آفاق التعددية
ثورة 19 تموز.. من غياهب الإقصاء إلى آفاق التعددية
ثورة 19 تموز.. من غياهب الإقصاء إلى آفاق التعددية
الخميس 16 تموز, 2026   02:30
مركز الأخبار

يصادف التاسع عشر من تموز الذكرى السنوية الـ 14 لانطلاق ثورة روج آفا، تلك الثورة التي اندلعت شرارتها الأولى من مدينة كوباني عام 2012، لتشكل منعطفاً تاريخياً في الجغرافيا السورية والشرق أوسطية. ففي الوقت الذي تحولت فيه جُلّ التحركات الاحتجاجية في البلاد نحو العسكرة والارتهان للأجندات الخارجية، اختطت هذه الثورة لنفسها مساراً مغايراً عُرف بـ "النهج الثالث". ولم تكن الثورة مجرد حراك عسكري لإسقاط سلطة، بل تجسدت بوصفها مشروعاً فكرياً ومجتمعياً متكاملاً ركز على تغيير الوعي وبناء ثقافة العيش المشترك والتعددية، مكللةً مسيرتها بانتصارات تاريخية تمثلت في القضاء الجغرافي على مرتزقة داعش، وبناء نموذج إداري حافظ على المنطقة من الدمار الشامل الذي طال بقية المحافظات السورية.

الجذور التاريخية والسياسات الشوفينية ضد الشعب الكردي

لم تكن ثورة 19 تموز وليدة الصدفة، بل جاءت انفجاراً حتمياً لعقود من الظلم، والإنكار، والسياسات الشوفينية الإقصائية التي انتهجتها الأنظمة المتعاقبة في دمشق ضد الوجود الكردي على أرضه التاريخية، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين.

سياسات التعريب والإنكار

وبدأت الممارسات التمييزية المنظمة ضد الكرد مع إعلان الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 تحت اسم "الجمهورية العربية المتحدة" برئاسة جمال عبد الناصر، حيث طُبق قانون الإصلاح الزراعي الذي استهدف نزع ملكية الأراضي من المواطنين الكرد وتحويلها لأملاك دولة تمهيداً لإحداث تغيير ديموغرافي.

ورغم انفصال الوحدة عام 1961، استمر تصاعد الفكر القومي الإقصائي، وتم تغيير اسم البلاد رسمياً من "الجمهورية السورية" إلى "الجمهورية العربية السورية"، كإشارة صريحة إلى نفي التعددية القومية.

إحصاء عام 1962 الجائر

وأقدمت الحكومة السورية في عام 1962 على إجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية جردت بموجبه مئات الآلاف من الكرد من جنسيتهم السورية، ليتحولوا بين ليلة وضحاها إلى "أجانب ومكتومي القيد" محرومين من أبسط الحقوق المدنية، والسياسية، والثقافية في وطنهم التاريخي.

مخطط الحزام العربي

وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة عبر انقلاب 8 آذار 1963، تكرست العقلية الشوفينية عبر إقرار مخطط "الحزام العربي" عام 1965، والذي شُرع في تطبيقه عملياً عام 1973.

وتمثّل المشروع في إقامة شريط استيطاني بعمق 10 إلى 15 كيلومتراً وبطول 275 كيلومتراً على طول الحدود المصطنعة بين روج آفا وشمال كردستان (على الحدود السورية – التركية) في محافظة الحسكة، حيث جرى مصادرة أراضي الكرد ومنحها لعوائل عربية نُقلت من مناطق غمرها سد الفرات في الرقة والطبقة، بهدف تفتيت التواصل الجغرافي الكردي وتغيير التركيبة السكانية للمنطقة.

اتفاقية أضنة 1998 وسياسات التجويع

واصل النظام البعثي تضييق الخناق على الكرد حتى توقيع "اتفاقية أضنة" عام 1998 مع النظام التركي، والتي ركزت في جوهرها على التنسيق الأمني المشترك للقضاء على أي حراك كردي يطالب بالحقوق المشروعة.

وأعقب هذه الاتفاقية تبنّي سياسات تجويع ممنهجة ودفع الكرد نحو الهجرة القسرية باتجاه العاصمة دمشق والمدن السورية الكبرى، مع إحكام القبضة الأمنية وقمع الحركة السياسية الناشئة.

الحراك السياسي وعقدة التحول

وأمام وطأة الحصار الاقتصادي والسياسي، شهد شهر أيلول من عام 2003 ولادة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي سرعان ما حظي بقاعدة جماهيرية واسعة نتيجة تبنّيه الصريح للحقوق الكردية وتنظيم الفعاليات السياسية المناهضة للاستبداد.

وتزامنت هذه الديناميكية الداخلية مع تغيرات جيوستراتيجية كبرى في الجوار، تمثلت في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وإسقاط نظام صدام حسين، وحصول جنوب كردستان (إقليم كردستان العراق) على اعتراف بالفيدرالية، وهو ما عدَّه النظام البعثي خطراً داهماً يهدد بنيته المركزية. ومن هنا، سعى النظام إلى ضرب الشارع الكردي استباقياً وعبر خلق فتنة قومية بين العرب والكرد، مستغلاً أحداث مباراة كرة قدم في مدينة قامشلو التي تضم أكبر تجمّع كردي في سوريا في 12 آذار 2004.

وتحولت مجزرة الملعب التي استشهد فيها عشرات الشبان الكرد واعتقل الآلاف، إلى انتفاضة عارمة شملت عموم مدن شمال وشرق سوريا والأحياء الكردية في حلب ودمشق.

ورغم القمع الدموي الذي تعرضت له، أصبحت انتفاضة قامشلو 2004 مقياساً لمدى تنظيم الشعب وارتباطه بحقوقه المنهوبة، وشكلت الأساس المتين والبروفة الحقيقية لربيع الشعوب واندلاع ثورة روج آفا لاحقاً؛ إذ إن شعارات الحرية والكرامة والعدالة التي رُفعت عام 2004 هي ذاتها التي انبعثت مجدداً مع بدء الحراك السوري العام في 15 آذار 2011.

المخاض الفكري والسياسي الممهد لثورة 19 تموز

وامتاز الشارع الكردي في روج آفا بخصوصية تنظيمية وفكرية عالية عند اندلاع الحراك السوري عام 2011، ويعود ذلك إلى إرث نضالي طويل كُرّس على مدار عشرين عاماً أقام خلالها القائد عبد الله أوجلان في سوريا. فخلال تلك العقود، ركزت الجهود الفكرية على تعليم الكرد والمكونات المتعايشة معهم من عرب وسريان وأرمن كيفية "بناء الشخصية الثورية المنظمة".

هذا المخاض الفكري أثمر عن مجتمع واعٍ سياسياً، وقادر على تفكيك الألاعيب والسيناريوهات الإقليمية والدولية. ولذلك، وبدلاً من الانجرار وراء العواطف غير المحسوبة، اتجه المجتمع نحو الاعتماد على الذات وبناء المؤسسات المدنية والاجتماعية سرياً وتدريجياً.

وعندما انحرفت الثورة السورية سريعاً عن مسارها السلمي نحو العسكرة المفرطة والصراع على السلطة، وارتهنت أطراف المعارضة للدول الخارجية (مثل تركيا وقطر) وتحول الفاعلون إلى أدوات لتنفيذ أجندات غير وطنية، اتخذت القوى القائدة في روج آفا قراراً استراتيجياً بتبنّي "سياسة النهج الثالث". هذا النهج قضى بعدم الانحياز لأي من طرفي الصراع (النظام والمعارضة المرتهنة)، والتركيز بدلاً من ذلك على حماية المجتمع، وتطوير ذهنيته، والابتعاد عن التكالب على السلطة المركزية، وتوجيه البوصلة نحو تنظيم الداخل وبناء ركائز الإدارة الذاتية.

شرارة الانطلاق من كوباني وسقوط منظومة البعث

في صيف عام 2012، تسارعت وتيرة الأحداث في سوريا بشكل دراماتيكي؛ ففي 18 تموز 2012، تم استهداف وتصفية خلية الأزمة التابعة لحزب البعث في دمشق والتي كانت مكلفة بمتابعة الثورة والأحداث وقمعها، ما أدى إلى انهيار متسارع في المنظومة العسكرية للنظام البعثي وفقدانه السيطرة على المناطق الريفية. وفي اليوم نفسه، أحكمت مجموعات مسلحة سيطرتها على مدينتي جرابلس والباب، وكانت المؤشرات تتجه نحو نيتها اجتياح مدينة كوباني.

وأمام هذا التهديد الوجودي المباشر، سارعت القوى المنظمة والشارع الكردي إلى التحرك لحماية مناطقهم من الفراغ الإداري والأمني. وفي 19 تموز 2012، انطلقت شرارة الثورة رسمياً من مدينة كوباني، وتم تحريرها بالكامل وطرد مؤسسات النظام البعثي منها، لتنتقل الشعلة سريعاً كالنار في الهشيم إلى بقية مدن وبلدات روج آفا.

وفي اليوم ذاته، أعلنت القيادة العامة لوحدات حماية الشعب YPG عن نفسها رسمياً كقوة وطنية ملتزمة بالدفاع عن جميع مكونات المنطقة دون استثناء.

البعد الفكري للثورة

ولم تكن ثورة 19 تموز مجرد استبدال لقوة عسكرية بأخرى، بل كانت في جوهرها ثورة ذهنية وفكرية سعت إلى تفكيك المفاهيم التي زرعتها الدولة القومية المركزية. إذ استندت الثورة إلى فلسفة "الأمة الديمقراطية" التي صاغها القائد عبد الله أوجلان، وهي أطروحة تدعو إلى بناء مجتمع أخلاقي سياسي يتجاوز التعصب القومي والديني، ويقوم على ركيزتين أساسيتين: حرية المرأة وحماية البيئة.

وركزت الثورة في المقام الأول على تغيير ذهنية الخوف الموروثة عبر كسر الوهم الذي زرعه النظام بأن المجتمع غير قادر على إدارة شؤونه دون سلطة الدولة المركزية. والعمل على بناء العيش المشترك واللحمة الوطنية بين مكونات المنطقة من كرد، وعرب، وسريان آشور، وتركمان، وشركس، وبناء نظام تعددي يضمن تمثيل الجميع. وتأسيس "الكومينات" في الأحياء والقرى، والتي تُعد الخلية الأولى لتصحيح الوعي المجتمعي وتمكين الشعب من ممارسة الديمقراطية المباشرة وإدارة شؤونه بنفسه.

كما تميزت الثورة بإعطاء دور ريادي وطليعي للمرأة والشبيبة، اللذين كانا مغيبين كلياً عن مراكز القرار في عهد النظام البائد، لتصبح المرأة شريكة أساسية في الرئاسة المشتركة لكل المؤسسات السياسية، والإدارية، والعسكرية.

بناء المنظومة الدفاعية وحماية المجتمع

ونظراً لطبيعة التهديدات المحيطة بالمنطقة وتحول الفصائل التي ادعت الانتماء لـ "الجيش الحر" إلى أيديولوجيات متطرفة وارتزاقية مرتهنة للخارج قامت بتدمير البنية التحتية وسرقتها، كان من الضروري بناء منظومة دفاع مشروع قادرة على صون المكتسبات. وتطورت هذه المنظومة عبر محطات زمنية متلاحقة.

فبعد الإعلان الرسمي عن وحدات حماية الشعب في 19 تموز 2012، تم في 24 تموز من العام ذاته تشكيل قوات الأسايش والتي تحولت فيما بعد إلى قوى الأمن الداخلي، وفي 4 نيسان عام 2013 تم الإعلان عن وحدات حماية المرأة، وفي تموز 2014 تشكلت قوات الحماية الذاتية بعد أن وافق المجلس التشريعي في الإدارة الذاتية على قانون الدفاع الذاتي، كما تأسست قوات الحماية الجوهرية مطلع عام 2015 بعد اتخاذ نظام الكومين أساساً في الإدارة الذاتية، وفي 10 تشرين الأول 2015 تم الإعلان عن تشكيل قوات سوريا الديمقراطية.

التنظيم الإداري وتطور تجربة الإدارة الذاتية

بالتوازي مع ذلك، سارع أبناء وبنات المنطقة لملء الفراغ الخدمي والإداري في المدن المحررة، عبر تشكيل لجان مجتمعية ومجالس محلية أُعيد تنظيمها على أسس ديمقراطية لا مركزية، مبتعدة عن الهيكلية البيروقراطية للدولة الحاكمة.

وبعد نقاشات مستفيضة استمرت ستة أشهر قادتها حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM، أُعلن رسمياً في كانون الثاني 2014 عن تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية في المقاطعات الثلاث (الجزيرة، كوباني، وعفرين).

وبرهنت هذه الثورة ببعدها الفكري، والتنظيمي، والعسكري، في السنوات التالية أن الإرادة الشعبية المنظمة المبنية على فلسفة العيش المشترك وأخوة الشعوب قادرة على دحر أعتى قوى الظلام، وعلى صياغة البديل الديمقراطي الأنسب لسوريا المستقبل؛ سوريا تعددية، لا مركزية، تضمن حقوق جميع مكوناتها التاريخية بالتساوي وبسواعد أبنائها وبناتها.

(ح)

ANHA