ثورة 19 تموز.. من الميدان إلى السياسة

بعد سقوط نظام البعث دخلت ثورة 19 تموز بمرحلة جديدة بدأت بالانتقال من الواقع العسكري إلى السياسي الديمقراطي لخوض مفاوضات سياسية دستورية قائمة على تثبيت وضمان مكتسبات الثورة بشكل حقوقي وقانوني في مستقبل البلاد.

ثورة 19 تموز.. من الميدان إلى السياسة
ثورة 19 تموز.. من الميدان إلى السياسة
ثورة 19 تموز.. من الميدان إلى السياسة
ثورة 19 تموز.. من الميدان إلى السياسة
ثورة 19 تموز.. من الميدان إلى السياسة
ثورة 19 تموز.. من الميدان إلى السياسة
السبت 18 تموز, 2026   02:30
مركز الأخبار
محمد عبدو

شكل سقوط نظام البعث في 8 كانون الأول عام 2024 نقطة تحول مفصلية في تاريخ سوريا الراهن، بعدما أنهى أكثر من 6 عقود من الحكم المركزي، وأدخل البلاد في مرحلة سياسية جديدة اتسمت بإعادة ترتيب موازين القوى وفتح الباب أمام مسارات تفاوضية غير مسبوقة حول شكل الدولة ومستقبل إدارتها، من بينهم الكرد.

وجاء نداء "السلام والمجتمع الديمقراطي" الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط 2025 ليؤكد ضرورة نقل القضية الكردية من ساحات الحرب إلى ميادين السياسة والقانون، والدفع نحو حل ديمقراطي شامل يقوم على الحوار والشراكة بين جميع المكونات السورية.

فبعد سنوات كانت الأولوية فيها للدفاع عن المنطقة ومواجهة مرتزقة داعش والهجمات العسكرية التركية، أصبحت المعركة الأساسية تدور داخل ساحات السياسة والقوانين والدستور.

لتجد مناطق شمال وشرق سوريا نفسها أمام تحديات جديدة فرضت الانتقال من إدارة مرحلة الحرب إلى إدارة مرحلة سياسية معقدة، تتطلب الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال ثورة الـ 19 من تموز، والانخراط في عملية بناء سوريا المستقبل.

أبرز محطات المرحلة السياسية والإدارية عقب سقوط البعث

كثفت الإدارة الذاتية الديمقراطية ضمن مسار التوجه نحو الحل الديمقراطي جهودها الدبلوماسية والسياسية بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة التي أعقبت سقوط نظام البعث على مسارين داخلي وخارجي.

داخلياً تم توقيع اتفاق 10 آذار 2025 بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة، الذي وضع أسس الحوار بشأن دمج المؤسسات والقوات، ويمكن القول إنه شكل اللبنة الأساسية لاتفاق 29 كانون الثاني 2026.

كما شهدت المرحلة انعقاد كونفرانس وحدة الصف والموقف الكردي في 26 نيسان 2025، الذي أفضى إلى تشكيل وفد كردي مشترك وتبنّي رؤية سياسية موحدة لحل القضية الكردية ضمن سوريا ديمقراطية لا مركزية.

أعقبه كونفرانس مكونات شمال وشرق سوريا في 8 آب 2025، بحضور واسع لمختلف مكونات المنطقة وسوريا، والذي أكد ضرورة بناء دولة ديمقراطية تعددية تكفل حقوق جميع المكونات.

أما خارجياً فزادت الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية عبر لجانها من نشاطهما الدبلوماسي عبر عشرات اللقاءات مع الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، ودول عربية وإقليمية، دعماً لمسار الحل السياسي.

وبذلك انتقل الكرد، إلى جانب العرب والسريان وسائر مكونات شمال وشرق سوريا، من مرحلة كان عنوانها الرئيس الدفاع العسكري إلى مرحلة جديدة يرتكز فيها النضال على العمل السياسي والقانوني والدستوري، من خلال المطالبة بتثبيت الحقوق، وضمان الشراكة في مؤسسات الدولة، والمشاركة في صياغة دستور ديمقراطي يرسخ اللامركزية والتعددية والمواطنة المتساوية، ويؤسس لسوريا جديدة قائمة على الشراكة بين جميع مكوناتها.

النأي عن العودة إلى مسار الحرب

ونتيجة عوامل عديدة وعلى رأسها التدخلات التركية في مسار الواقع السوري، حاولت العديد من الأطراف إجهاض المسار السياسي، إذ شهد يوم الـ 6 من كانون الثاني لعام 2026 بدء هجمات على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، غداة الاجتماع الذي عقد بين بين إسرائيل والولايات المتحدة والحكومة المؤقتة في باريس بفرنسا تحت مسمى اجتماع الترتيبات الأمنية وآلية التنسيق بين إسرائيل وسوريا و بحضور وزير الخارجية التركي حقان فيدان، منهية بموجبها اتفاق الـ 1 من نيسان والـ 10 من آذار، واستمرت الهجمات لتصل إلى دير حافر والرقة والطبقة ودير الزور.

إلا أن الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية لم تنجر إلى مسار المعارك التي كانت ستؤدي إلى قيام حرب أهلية طويلة الأمد بين العرب والكرد، بتحريض من دولة الاحتلال التركي، وعليه اتخذت قرار الانسحاب من المناطق المستهدفة.

ليبدأ بعدها وبضغط دولي وكردستاني جولة مفاوضات جديدة انتهت بتوقيع اتفاقية الـ 29 من شهر كانون الثاني والتي حملت معها دمج العديد من المؤسسات المدنية والعسكرية، مع بقاء العديد من جوانب التمثيل العادل في صناعة القرار غير مكتملة إلى اللحظة.

الحراك السياسي الكردي في مرحلته الجديدة

على صعيد الساحة الكردية، تعزز حضور القوى الكردية بالمرحلة الجديدة في النقاشات الوطنية، وأكسبها شرعية سياسية غير مسبوقة بوصفها شريكاً أساسياً في العملية السياسية، لتكون طرفاً فاعلاً لا يمكن التغاضي عنه في مناقشة قضايا الدستور، والإدارة، والانتخابات، والتمثيل السياسي، وحقوق المكونات، بدلاً من اقتصار دورها على الملفات العسكرية والأمنية.

كما يمكن الإشارة إلى أن إصدار المرسوم (13) الصادر عن رئاسة الحكومة المؤقتة تأكيداً على الفكرة نفسها في إطار تجاوز القضية الكردية مرحلة الإنكار والصهر، كونها قضية نالت الاعتراف ولا يمكن تجاوزها.

إذ تضمن في بنوده الـ 8 إنهاء آثار سياسات إحصاء عام 1962 في واستعادة الجنسية السورية للمواطنين الكرد بمن فيهم مكتوم القيد، ومساواتهم التامة في الحقوق والواجبات.

مع التأكيد على أن الشعب الكردي بهويته وثقافته جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وإلزام الحكومة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، والاعتراف بعيد النوروز كعيد وطني.

إلى جانب إلزام مؤسسات الدولة الإعلامية والتربوية بتبني خطاب وطني جامع، مع حظر أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي.

ويؤكد العديد من السياسيين أن إصدار المرسوم جاء كثمرة لنضال واسع الطيف للشعب الكردي منذ بدايات القرن العشرين ولحين اللحظة، مع اعتبار بنوده مكتسبات جديدة أضيفت إلى إنجازات ثورة الـ 19 من تموز التي بدأها وقادها الكرد.

وفي هذا الإطار، تؤكد القوى السياسية في شمال وشرق سوريا أن بناء سوريا المستقبل لا يمكن أن يتحقق إلا عبر دستور ديمقراطي يضمن حقوق جميع القوميات والمكونات، ويؤسس لدولة تقوم على المواطنة المتساوية، والتعددية السياسية، والعدالة الاجتماعية، داعيةً إلى الاستفادة من العقد الاجتماعي الذي انبثق عن إدارة شعوب شمال وشرق سوريا في الـ 13 من كانون الأول لعام 2023 كلبنة أساسية في صياغة دستور المستقبل.

اتفاقية 29 كانون الثاني

مثلت اتفاقية 29 كانون الثاني نقطة مفصلية في دبلوماسية مناطق شمال وشرق سوريا، بعدما أرست إطاراً جديداً للعلاقة بين الحكومة المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية.

وأطلقت الاتفاقية سلسلة من الاجتماعات واللجان المشتركة لمتابعة ملفات الأمن والإدارة والخدمات والاقتصاد والتعليم، إلى جانب مناقشة مستقبل المؤسسات العسكرية والإدارية وآليات دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع مراعاة خصوصية المناطق الكردية.

كما فتحت الاتفاقية الباب أمام خطوات عملية تمثلت بإعادة انتشار بعض القوات، وتشكيل ألوية عسكرية جديدة، وإعادة فتح الطرق الدولية، وتبادل الأسرى، وإعادة مهجري عفرين، والتحضير لعودة مهجري سري كانيه، وإعادة تشغيل عدد من المؤسسات الحكومية والخدمية، الأمر الذي أسهم في تخفيف التوتر وتهيئة الأرضية للحوار السياسي.

ورغم استمرار الخلافات حول بعض الملفات، ولا سيما وضع وحدات حماية المرأة وآليات تنظيم المؤسسات العسكرية والإدارية، فإن الاتفاق رسخ مبدأ الحوار بديلاً عن المواجهة، وأصبح المرجعية الأساسية لمسار التفاوض بين الجانبين.

إعادة تنظيم مؤسسات روج آفا

مع بداية المرحلة الجديدة، ركزت الإدارة الذاتية على إعادة تنظيم مؤسساتها بما يتلاءم مع متطلبات الواقع السياسي الجديد، مع الحفاظ على خصوصية نموذجها الإداري القائم على اللامركزية.

وشملت هذه العملية إعادة هيكلة المؤسسات المدنية والخدمية، إلى جانب تعيين مسؤولين وإداريين جدد في عدد من المؤسسات وفق صيغة توافقية مع الحكومة المؤقتة، إضافة إلى استمرار تطوير قطاعات الصحة والتعليم والخدمات.

وفي الوقت نفسه، استمرت مؤسسات الإدارة الذاتية في العمل على ضمان تمثيل المرأة، بوصفها مبدأً أساسياً لا يمكن التراجع عنه خلال أي عملية اندماج مع مؤسسات الحكومة المؤقتة.

ويشكل مبدأ دعم ثورة المرأة، إلى جانب ترسيخ مبادئ الأمة الديمقراطية وتحقيق الثورة الأيكولوجية، أبرز النقاط الأساسية لثورة الـ 19 من تموز.

ويمكن اعتبار قرار وزارة التربية والتعليم بالحكومة المؤقتة والتي تنص على الاعتراف بالشهادات الصادرة عن المؤسسات التعليمية للإدارة الذاتية أكبر إنجاز حققه مسار الحوار، وضمن الأهداف المباشرة التي كانت تطمح لها ثورة الـ 19 من تموز في سن اللغة الكردية بالمناهج التعليمية والاعتراف بها، إبان وضعها في سلسلة المناهج الوطنية الموحدة المراد تشكيلها بالمستقبل.

في المقابل، لا تزال وزارة التعليم العالي في الحكومة المؤقتة تؤجل البت في ملف الاعتراف بالشهادات الصادرة عن جامعات ومعاهد مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، رغم استمرار الدعوات لإيجاد آلية رسمية تضمن اعتمادها.

مرحلة تثبيت أهداف الثورة في دستور سوريا المستقبل

ورغم ما تحقق من تغييرات سياسية وإدارية منذ سقوط نظام البعث، لا تزال قضايا أساسية بانتظار الحسم، وفي مقدمتها صياغة دستور سوري جديد يحدد شكل الدولة، ويضمن المشاركة العادلة لجميع السوريين، ويكرس حقوق المرأة، وينظم توزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق، ويحدد مستقبل المؤسسات العسكرية والإدارية، بما يحفظ خصوصية المناطق الكردية.

وفي هذا السياق، تتركز الجهود الراهنة على تثبيت الحقوق والحريات في الدستور، والاعتراف بالإدارة اللامركزية، وترسيخ مبدأ الشراكة بين جميع المكونات السورية بعيداً عن الإقصاء أو الهيمنة.

ويرى مؤيدو هذا التوجه أن تحقيق هذه المبادئ سيشكل الضمانة الأهم للحفاظ على مكتسبات ثورة 19 تموز، وتجسيداً لتضحيات الآلاف الذين فقدوا حياتهم دفاعاً عن قيم الحرية والكرامة.

وبناءً على ذلك، ينظر أهالي روج آفا إلى المرحلة الحالية بوصفها بداية مسار سياسي طويل يهدف إلى تحويل منجزات الثورة من واقع اكتسبته إلى حقوق دستورية ومؤسسات دائمة في سوريا المستقبل.

(أم)

ANHA