الحسكة بين العربية والكردية.. اختبار حقيقي لمعادلة التعدد اللغوي في سوريا

يعكس استمرار الجدل حول إقصاء أو اعتماد اللغات في اللوحات والمؤسسات أزمة ثقة أعمق في مفهوم الاعتراف بالتنوع داخل سوريا، وقد يؤدي إذا استمر دون حلول توافقية إلى تعزيز الشعور بالتهميش وإضعاف النسيج الاجتماعي بدل ترسيخه في إطار دولة جامعة تقوم على المساواة والتمثيل.

الحسكة بين العربية والكردية.. اختبار حقيقي لمعادلة التعدد اللغوي في سوريا
الثلاثاء 26 مايو, 2026   06:55
مركز الأخبار

تشهد سوريا محاولة سلطات الحكومة المؤقتة في سوريا فرض تبديل أسماء مدارس في الحسكة وحمص وحماة والساحل السوري ومناطق سورية أخرى متفرقة، واستمرار إصرارها على إسقاط اللغة الكردية من اللوحات التعريفية في المؤسسات العامة، كما نشهده في القصر العدلي بمدينة الحسكة.

ويرى فيها أهالي المنطقة أنها لا تبدو مجرد خطوة إدارية مرتبطة بتحديث الشكل أو توحيد التصميم، بل تحمل أبعاداً رمزية تتصل بمفهوم الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي في سوريا.

فاللوحات الرسمية لا تُعد مجرد وسيلة تعريف بالمكان، بل تُعبّر عن طبيعة الدولة التي تدير هذا الفضاء العام، وعن الفئات التي ترى نفسها ممثلة ومعترفاً بها ضمن مؤسساتها.

ومن هذا المنطلق، أثارت خطوة فرض أسماء مدارس واستبدال اللوحة الثنائية (العربية والكردية) في الحسكة بلوحة تضم العربية والإنجليزية ثم لوحة بالعربية فقط، ردود فعل شعبية رافضة، وعدّها محتجون مؤشراً على تراجع الاعتراف بالخصوصية الثقافية للمنطقة.

الخطوة تتناقض مع المناخ السياسي الذي يفترض أن تكرّسه التفاهمات الأخيرة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا، ولا سيما ما تضمنته اتفاقية 29 كانون الثاني 2026، التي أكدت في بنودها على احترام خصوصية مناطق شمال وشرق سوريا، وضمان حقوق مكوناتها، والتعامل مع التنوع بوصفه جزءاً من الهوية الوطنية الجامعة، إضافة إلى تعزيز المشاركة المحلية وعدم فرض قرارات تمس المجتمع دون توافق.

وبناءً عليه، فإن تجاهل اللغة الكردية في اللوحات الرسمية، ومحاولة فرض أسماء على مدارس مسماة مسبقاً بأسماء أبناء المنطقة ممن استشهدوا في الدفاع عنها في وجه النظام البعثي وداعش وتركيا، قد يضعف الثقة بالمسار التوافقي حول خصوصية المنطقة، ويُعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة مرتبطة بإعادة إنتاج سياسات الإقصاء الرمزي، ولو بصيغ غير معلنة.

كما أن مضمون المرسوم التشريعي رقم 13 الصادر عن رئيس الحكومة المؤقتة في سوريا، أحمد الشرع، والذي ينص في جوهره على مبادئ المساواة بين المواطنين وعدم التمييز وضمان الحقوق العامة لجميع السوريين، يُفترض أن يشكل مرجعية تؤكد شمولية الدولة وعدم انحيازها لمكون دون آخر.

إلا أن ممارسات من نوع حصر اللوحات الرسمية بلغة واحدة، أو استبعاد لغة محلية متداولة في منطقة بعينها، قد تُفهم على أنها لا تنسجم مع روح هذا المرسوم، ولا مع الهدف المعلن منه في بناء دولة قائمة على المواطنة المتساوية.

فالمساواة لا تتجلى فقط في النصوص القانونية، بل في السياسات اليومية والرموز الرسمية التي تؤثر مباشرة في شعور المجتمعات المحلية بالانتماء.

ويوصف عالمياً هذا الإجراء بـ "التمييز الرمزي" وأكثر أشكال الإقصاء حساسية، لأنه لا يتخذ شكل قرار صريح بمنع اللغة أو تجريم استخدامها، بل يظهر في إقصائها من المجال العام ومن واجهات المؤسسات السيادية، ما يولّد انطباعاً بأن الاعتراف بهذه اللغة يبقى مشروطاً أو قابلاً للإلغاء.

وفي حالة الحسكة، حيث يشكل الكرد جزءاً رئيساً والأكثرية من النسيج السكاني، فإن أي تراجع عن استخدام لغتهم في المؤسسات الرسمية يُنظر إليه كرسالة سياسية أكثر منه إجراء شكلي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة قضائية يفترض أن تعكس مبدأ العدالة والحياد والمساواة.

ومع استمرار مثل هذه الإجراءات، يؤكد حقوقيون، ومراقبون للشأن العام السوري، أنه قد يترك آثاراً سلبية على مستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد، لأن بناء الثقة في مرحلة انتقالية يتطلب ترجمة التفاهمات السياسية والمرجعيات القانونية إلى خطوات ملموسة تعكس احترام التنوع.

وأن التعامل مع التعدد اللغوي بوصفه جزءاً من هوية سوريا الجديدة يمكن أن يعزز مفهوم الدولة الجامعة، بينما قد يؤدي تجاهله إلى تعميق مشاعر التهميش وإضعاف فرص بناء عقد اجتماعي مستقر، خاصة في المناطق التي تحمل تاريخاً طويلاً من الحساسية تجاه سياسات التعريب أو الإقصاء الثقافي.

وبقدر ما يُنظر إلى اتفاق 29 كانون الثاني ومرسوم 13 كخطوات باتجاه دولة أكثر شمولاً، فإن نجاحهما يبقى مرتبطاً بمدى انسجام السياسات الميدانية مع روحهما، وتجنب القرارات التي قد تُفسَّر على أنها تراجع عن مبادئ المساواة والتعدد التي يفترض أن تقوم عليها المرحلة الجديدة.

أمثلة عن أحداث مماثلة وتداعياتها على مستقبل البلاد

توجد أمثلة عديدة في دول أخرى شهدت توتراً أو احتجاجات بسبب إزالة لغة محلية أو تهميشها في اللوحات الرسمية، وغالباً كانت التداعيات سياسية واجتماعية؛ لأنها تُفهم كإشارة إلى الإقصاء الرمزي. من أبرز هذه الأمثلة:

في تركيا، تكررت حالات إزالة أو منع اللوحات الثنائية باللغة الكردية في البلديات ذات الغالبية الكردية، خصوصاً بعد تعيين أوصياء من السلطة بدل رؤساء البلديات المنتخبين. هذه الخطوات أسهمت في تعميق شعور الكرد بأن الاعتراف بهم شكلي ومؤقت، وأصبحت إحدى القضايا التي غذّت التوتر السياسي وأضعفت الثقة بين الدولة والمجتمع الكردي، وزادت من حدة الاستقطاب، وفق رصدنا.

وفي إسبانيا (إقليم كاتالونيا والباسك)، كانت اللغة محوراً رئيساً في الصراع بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية. أي محاولة للحد من حضور اللغة الكاتالونية أو الباسكية في المؤسسات والمدارس واللافتات كانت تُقابل بحساسية شديدة وتتحول سريعاً إلى ملف سياسي واسع، لأنها عُدَّت مساساً بالهوية.

ومع تراكم الخلافات، أسهمت قضايا اللغة والرموز الرسمية في تغذية النزعة الانفصال في كاتالونيا، حتى وصلت الأمور إلى أزمة سياسية كبرى عام 2017.

أما في بلجيكا، فقد لعبت اللغة دوراً مركزياً في الانقسام بين الفلامان (الهولندية) والوالون (الفرنسية). الخلاف حول اللوحات والإدارة والخدمات العامة بلغ مستوى أدى إلى أزمات حكومية متكررة، وأحياناً فترات طويلة دون حكومة مستقرة.

التجربة البلجيكية تُظهر أن تجاهل التوازن اللغوي لا يؤدي فقط إلى احتجاجات محلية، بل يمكن أن ينعكس على استقرار الدولة ككل.

وفي كندا (كيبيك)، أدت النزاعات المتعلقة بوضع اللغة الفرنسية في اللوحات التجارية والرسمية إلى صدامات سياسية وقانونية طويلة، وظهور تشريعات صارمة لحماية الفرنسية.

وعلى الرغم من أن كندا دولة مستقرة، إلا أن ملف اللغة ظل أحد أهم أسباب تنامي تيار الانفصال في كيبيك، وجرى تنظيم استفتاءين حول الاستقلال، ما يوضح كيف يمكن للغة أن تتحول من مسألة ثقافية إلى تهديد سياسي لوحدة الدولة.

هذه النماذج تشير إلى أن اللوحات والرموز واللغة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل تُعد جزءاً من سياسة الاعتراف. وعندما تُهمَّش لغة مكوّن أصيل في المجال العام، غالباً ما تكون النتيجة تصاعد الاحتقان، ضعف الثقة بالمؤسسات، وتحوّل القضية إلى عامل سياسي طويل الأمد قد يهدد مسار التوافق الوطني، وهو ما يجعل التعامل مع ملف اللغات في سوريا مسألة مرتبطة بالاستقرار وبناء الدولة أكثر من كونها قضية شكلية.

ويؤكد حقوقيون أن غياب نص دستوري واضح يضمن التعدد اللغوي يمكن أن يفسّر جزئياً سبب لجوء بعض السلطات في سوريا إلى خطوات من هذا النوع، لأن أي جهة تنفيذية عندما لا تكون مُقيّدة بمادة دستورية صريحة، تصبح قادرة على التعامل مع اللغة بوصفها "تفصيلاً إدارياً" يخضع للمزاج السياسي أو لتغير الحكومات.

وفي الحالة السورية، ما دامت اللغة الكردية (وغيرها من لغات المكونات) غير مُثبتة كحق رسمي في الدستور أو ضمن قانون ملزم، فإن الاعتراف بها يبقى قابلاً للتراجع في أي لحظة، حتى لو كانت مستخدمة عملياً على الأرض منذ سنوات.

فيما يرى آخرون أنه يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: حتى لو لم تُذكر اللغة في الدستور، لا يعني ذلك أن حذفها إجراء طبيعي أو محايد، لأن الدولة الحديثة تُقاس أيضاً بسلوكها العملي تجاه مواطنيها. فإقصاء لغة مجتمع كامل من اللوحات الرسمية لا يُقرأ فقط كمسألة "لغة رسمية"، بل كرسالة سياسية عن حدود الاعتراف، خاصة في مناطق متعددة القوميات مثل الحسكة.

ويتفق الطرفان أنه لضمان بقاء اللغة الكردية (أو أي لغة محلية أخرى) بشكل دائم في اللوحات التعريفية والمؤسسات، لا يتحقق بالشعارات، بل عبر أدوات قانونية وإدارية واضحة، أهمها:

أولاً: النص الدستوري

أفضل ضمان طويل الأمد هو تضمين مادة صريحة في الدستور تؤكد أن سوريا دولة متعددة القوميات والثقافات، وأن لغات المكونات تُحترم وتُستخدم في المجال العام ضمن مناطق انتشارها، مع تحديد آليات التطبيق.

ثانياً: قانون لغات أو قانون إدارة محلية ملزم

حتى قبل الدستور، يمكن إصدار قانون يفرض اعتماد اللوحات الثنائية أو الثلاثية في المحافظات ذات التنوع اللغوي. القانون يجب أن يحدد: "متى تُستخدم اللغة المحلية؟، في أي المؤسسات؟، ما الجهة المسؤولة عن التنفيذ؟ ما العقوبات أو الإجراءات عند المخالفة؟".

ثالثاً: قرارات تنفيذية ثابتة وتعليمات وزارية

يمكن للحكومة إصدار تعميم رسمي على الوزارات (العدل، الداخلية، الإدارة المحلية...) يفرض أن تكون لوحات المؤسسات في الحسكة وباقي المناطق الكردية في سوريا بلغتين على الأقل، بحسب الواقع السكاني، بحيث لا يبقى الأمر اجتهاداً محلياً أو قراراً أمنياً.

رابعاً: ربط الملف بمبدأ عدم التمييز

أي نص قانوني أو مرسوم مثل المرسوم 13 الذي يتحدث عن المساواة يجب أن يُترجم عملياً إلى حق لغوي. لأن المساواة ليست فقط في الوظائف والحقوق السياسية، بل أيضاً في الرموز العامة، ومنها اللغة في المؤسسات.

خامساً: هيئة رقابة أو لجنة مستقلة للتنوع الثقافي

وجود هيئة رسمية أو مجلس مختص بالتعدد الثقافي واللغوي يساعد على منع التراجع، ويمنح المجتمع آلية قانونية لتقديم شكاوى رسمية عند إزالة أي لغة.

سادساً: اعتماد مبدأ "اللغة وفق الجغرافيا"

أي أن العربية تبقى لغة الدولة العامة، لكن في مناطق مثل الحسكة وقامشلو وعفرين وكوباني وغيرها، تكون الكردية لغة معتمدة في اللوحات والخدمات، كما هو معمول به في دول كثيرة، وهذا لا يهدد وحدة الدولة بل يعززها.

أمثلة عن دول تعتمد مبدأ "اللغة وفق الجغرافية"

هناك عدة دول تعتمد لغة رسمية على مستوى الدولة مع السماح أو الاعتراف بلغات محلية/إقليمية تُستخدم في اللوحات والخدمات والإدارة المحلية في مناطق معينة.

 من أبرز الأمثلة:

  • سويسرا: لديها 4 لغات رسمية (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية، الرومانش)، وتُستخدم حسب الكانتونات (المناطق).
  • بلجيكا: ثلاث لغات رسمية (الهولندية، الفرنسية، الألمانية) وتُطبق إقليمياً حسب المناطق.
  • إسبانيا: الإسبانية هي اللغة الرسمية للدولة، لكن الكتالونية والباسكية والغاليثية معترف بها وتُستخدم رسمياً في أقاليمها (كتالونيا، إقليم الباسك، غاليسيا).
  • الهند: الهندية والإنجليزية على المستوى الفيدرالي، مع اعتراف بعشرات اللغات المحلية في الولايات، وتُستخدم في الإدارة والتعليم حسب الإقليم.
  • كندا: الإنجليزية والفرنسية لغتان رسميتان، وتُطبق الفرنسية بشكل واسع في مقاطعة كيبك.
  • جنوب أفريقيا: لديها 11 لغة رسمية، وتُستخدم حسب المناطق والمؤسسات.
  • العراق: العربية والكردية لغتان رسميتان على مستوى الدولة، وتُستخدم الكردية بشكل واسع في إقليم جنوب كردستان الفيدرالي في التعليم والإدارة واللافتات.

ووفقاً لما جرى رصده من أمثلة وتجارب مشابهة في دول أخرى، ووفق القوانين الدولية المعمول بها، فإن غياب ضمان دستوري يجعل الاعتراف باللغة هشاً وقابلاً للإلغاء، بينما لا يكفي ضمانها “النية السياسية” فقط، بل يتطلب نصوصاً واضحة وآليات تنفيذ ومحاسبة، بحيث يصبح وجود اللغة في اللوحات والمؤسسات حقاً ثابتاً لا قراراً مؤقتاً.

(أم)

ANHA