من ملحمة كوباني إلى دروب النضال في وحدات حماية المرأة

من رحم مقاومة كوباني التي سطّرت أروع ملاحم الصمود بوجه داعش، شقّت المقاتلة دجلة عبدي طريقها نحو وحدات حماية المرأة، لتجسد تجربة امتزج فيها الدفاع عن المجتمع بالنضال من أجل حرية المرأة وكرامتها.

من ملحمة كوباني إلى دروب النضال في وحدات حماية المرأة
الجمعة 5 حزيران, 2026   05:50
الحسكة
هنار إبراهيم

من أحياء كوباني التي شهدت واحدة من أعظم ملاحم المقاومة في وجه مرتزقة داعش، بدأت رحلة المقاتلة دجلة عبدي مع النضال، رحلة من متابعة بطولات المقاتلات والمقاتلين في الدفاع عن مدينتها إلى الانضمام لصفوف وحدات حماية المرأة، لتصبح جزءاً من مسيرة الدفاع عن المجتمع والمرأة والحرية.

كبرت دجلة عبدي في ظل واقع المقاومة الذي عاشته مدينة كوباني خلال سنوات الحرب، وكانت تتابع عن قرب الدور الذي أدّته وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة في الدفاع عن المدينة وتحرير أحيائها وشوارعها. ولم تكن تلك المشاهد عابرة بالنسبة إليها، بل رسّخت لديها قناعةً بأن الدفاع عن الأرض والمجتمع مسؤولية مشتركة، وأن المرأة قادرة على أداء دور ريادي في هذه المهمة.

وفي عام 2020 اتخذت قرارها بالانضمام إلى وحدات حماية المرأة، مدفوعة بما وصفته بالروح الكردية التي توحدت آنذاك لحماية مدينة كوباني والمنطقة بمختلف مكوناتهم، وأشارت دجلة إلى أن ما رأته من عزيمة وإصرار لدى المقاتلات والمقاتلين خلال معارك التحرير كان من أبرز الأسباب التي دفعتها إلى سلك هذا الطريق.

وقبل انضمامها إلى وحدات حماية المرأة، كانت حياتها تسير ضمن الأطر الاجتماعية التقليدية التي تفرض على المرأة أدواراً محددة وتقيد حركاتها وإرادتها، إلا أن ذلك الواقع لم يكن ينسجم مع طموحاتها، إذ كانت ترى أن المرأة تستحق حياة أكثر حرية واستقلالية بعيداً عن القيود التي فرضتها الذهنية السائدة على مدى سنوات طويلة.

وتصف المقاتلة دجلة مرحلة انضمامها إلى وحدات حماية المرأة بأنها نقطة تحول حقيقية في حياتها، ليس على الصعيد العسكري فحسب، بل على المستوى الفكري والإنساني أيضاً، فداخل صفوف الوحدات، اكتسبت فهماً مختلفاً لمعنى الحرية وقيمة الحياة، وأدركت الأسباب التي تدفع النساء إلى النضال من أجل حماية مجتمعهن والدفاع عن مكتسباتهن.

وكانت دير حافر أولى محطات تجربتها العسكرية، حيث خاضت أولى معاركها هناك، وتؤكد أن الخوف الذي رافق بداياتها كان شعوراً طبيعياً مرتبطاً بحماية الذات والأصدقاء، وقالت المقاتلة: "فلسفة وحدات حماية المرأة تقوم على الدفاع المشروع عن النفس والمجتمع، وليس على الهجوم أو الاعتداء".

وخلال سنوات نضالها، واجهت المقاتلة تحديات عديدة، كان أبرزها النظرة التقليدية التي ما تزال موجودة لدى بعض شرائح المجتمع، والتي تحصر دور المرأة داخل المنزل وترفض وجودها في ساحات الدفاع والنضال، ورغم تلك التحديات استطاعت تجاوز هذه الأفكار مع مرور الوقت، لتتحول الصعوبات إلى مصدر قوة عزز عن عزيمتها وإيمانها بالقضية التي تناضل من أجلها.

ولفتت دجلة إلى أن تجربتها داخل وحدات حماية المرأة مكنتها من فهم الكثير من الحقائق المرتبطة بتاريخ المرأة ومعاناتها، وكيف جرى تهميش دورها عبر العصور رغم قدرتها على أداء مختلف الواجبات والمسؤوليات، وقالت: "النضال والمقاومة لا يقتصر على حمل السلاح، بل يمتد إلى المجال الفكري والثقافي، بهدف حماية تاريخ المرأة الحقيقي وإبراز دورها ومكانتها في المجتمع".

وأضافت: "نساء روج آفا تمكن خلال السنوات الماضية، من إثبات قدراتهن في مختلف الميادين، وأصبحن نموذجاً للمرأة القادرة على القيادة والتنظيم والدفاع عن مجتمعها، الأمر الذي أسهم في تغيير الكثير من المفاهيم السائدة حول دور المرأة".

وحول أهمية وحدات حماية المرأة، بينت دجلة أن المرأة كانت من أكثر الفئات التي تعرضت للانتهاكات والظلم والحروب ولم تمتلك في مراحل كثيرة من التاريخ الوسائل الكفيلة بحماية نفسها، إلا أن تأسيس وحدات حماية المرأة شكل تحولاً مهماً، ووضع حداً للكثير من الممارسات التي استهدفت النساء، سواء خلال الحروب أو عبر القوانين والأعراف الاجتماعية التي حدت من حريتهن.

وفي تقييمها لموقف الحكومة المؤقتة من وحدات حماية المرأة، رأت دجلة أنه تجاهل لدور المرأة التي دافعت عن المجتمع وأكدت أنه لا ينسجم مع حجم التضحيات التي قدمتها، وقالت إن المرأة أثبتت قدرتها على تحمل المسؤولية في مختلف الميادين وأن الاعتراف بدورها وحقوقها يمثل خطوة أساسية نحو بناء سوريا ديمقراطية تضمن المشاركة الحقيقية لجميع مكوناته.

كما دعت إلى تبني رؤية أكثر انفتاحاً تجاه القوى والمكونات الموجودة على هذه الأرض، مشددة على أن وحدات حماية المرأة تأسست انطلاقاً من أهداف واضحة تتعلق بحماية المجتمع والدفاع عن المرأة وحريتها، ولم تكن مشروعاً عابراً أو وليد ظروف مؤقتة.

واستحضرت المقاتلة في وحدات حماية المرأة دجلة عبدي تضحيات آلاف الشهيدات والجرحى الذين سطروا بدمائهم مسيرة وحدات حماية المرأة، مؤكدة أن هذه التضحيات يجب أن تصان وأن تتحول إلى ضمانة لمستقبل تنعم فيه النساء بالأمن والحرية والكرامة.

ووجهت دجلة عبدي في ختام حديثها نداء إلى أهالي المنطقة لمواصلة دعم وحدات حماية المرأة والوقوف إلى جانبها، وفاءً لكل من ضحى من أجل حماية المجتمع والدفاع عن قيم الحرية والعدالة.

(ي م)

ANHA