رحلة الربيع... تراث أصيل يمتد عبر الأجيال في منطقة آليان

مع بدايات فصل الربيع وارتفاع درجات الحرارة، ومع تهيؤ الظروف البيئية لنمو الأعشاب الخضراء المنعشة، تبدأ في منطقة آليان بريف مدينة جل آغا رحلة الرعي الموسمية التي تعرف محلياً بـ(بهاري)، حيث ينطلق أصحاب المواشي بحثاً عن المراعي الغنية لتغذية قطعانهم، في مشهد يجمع بين العمل الشاق والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال.

رحلة الربيع... تراث أصيل يمتد عبر الأجيال في منطقة آليان
الإثنين 1 حزيران, 2026   04:20
قامشلو
بسنة شمو

تمثل رحلة الربيع (رحلة الرعي) في منطقة آليان أكثر من مجرد نقل للمواشي بين المراعي، إذ تعد تقليداً وثقافة حياتية تعكس الصبر والعمل الجاد والارتباط العميق بالأرض والطبيعة، وهي جزء أصيل من التراث الريفي الذي توارثته العائلات جيلاً بعد جيل.

ومع بداية الربيع وارتفاع درجات الحرارة بعد شتاء بارد، تبدأ الأسر التي تربي المواشي بالبحث عن مراعي غنية بالأعشاب مثل النفل وغيرها من النباتات التي تمد الأغنام بالقوة وتزيد من إنتاج الحليب واللحم، إضافة إلى البحث عن مصادر المياه كالينابيع والآبار. وبعد تحديد المواقع المناسبة، تبدأ العائلات بتجهيز الأغنام والخيام استعداداً للانتقال إلى المراعي والمكوث فيها خلال أشهر الربيع.

هذا العام، وبسبب هطول الأمطار الغزيرة، شهدت المنطقة انتعاشاً كبيراً في المراعي، ما أدى إلى توفر الأعشاب في القرى بشكل وفير، الأمر الذي خفف من حاجة الرعاة إلى التنقل المبكر نحو المناطق البعيدة، وأخّر انطلاق الرحلة مقارنة بالأعوام السابقة، حيث تمكنوا من رعي مواشيهم في محيط قراهم خلال بداية الموسم وحتى منتصفه.

ومع نهاية شهر نيسان، بدأت الرحلة الفعلية للرعي في منطقة آليان، حيث توجه أصحاب المواشي إلى البحث عن مصادر جديدة للأعشاب، خاصة في القرى الواقعة على الحدود المصطنعة مع شمال كردستان، والتي تتميز بوفرة الغطاء النباتي والينابيع، إضافة إلى الأجواء المعتدلة التي تساعد على استمرار نمو الأعشاب حتى بدايات فصل الصيف، ما يوفر بيئة مناسبة لرعي الأغنام.

وتنتهي رحلة الربيع تدريجياً مع حلول فصل الصيف، حيث تبدأ بعض المراعي بالجفاف، بالتزامن مع انطلاق موسم الحصاد الزراعي، وتراجع بعض النباتات مثل النفل، ليعود الرعاة تدريجياً إلى قراهم ورعي مواشيهم في الأراضي المحصودة.

ولا تقتصر رحلة الربيع على بعدها الاقتصادي فقط، بل تحمل أيضاً أبعاداً اجتماعية وثقافية، إذ تشكل فرصة للتعاون بين الرعاة وتبادل الخبرات، إضافة إلى كونها مساحة للتعايش مع الطبيعة.

وتنظم حياة الرعاة خلال هذه الرحلة بشكل دقيق، حيث يستيقظون منذ ساعات الفجر لتفقد القطيع وإخراجه إلى المراعي، ثم يعودون في ساعات العصر لتجميع الأغنام في أماكن الاستقرار، يلي ذلك عملية حلب الأغنام لصناعة الأجبان والألبان والسمن، بينما يقضي الليل في التخييم قرب القطيع لحمايته من الحيوانات المفترسة مثل الذئاب.

وتلعب النساء دوراً محورياً في رحلة الربيع هذه، إذ لا يقتصر حضورهن على البقاء في الخيام أو المساكن المؤقتة، بل يشاركن بشكل فعّال في مختلف تفاصيل الحياة اليومية خلال موسم الرعي. فهن يتولين أعمال حلب الأغنام بشكل يومي، وتحويل الحليب إلى منتجات أساسية مثل الأجبان والألبان والسمن، والتي تشكل جزءاً مهماً من غذاء العائلة ومصدراً اقتصادياً يعتمد عليه الرعاة.

كما تسهم النساء في تجهيز الطعام للعائلة والرعاة، وإدارة شؤون الخيمة وتنظيم الحياة اليومية في أماكن الرعي، إضافة إلى العناية بالأطفال ومتابعة احتياجاتهم في بيئة تعتمد على التنقل والاستقرار المؤقت. ولا يقتصر دورهن على الجانب الإنتاجي فقط، بل يمتد إلى دعم الأسرة نفسياً واجتماعياً خلال هذه الرحلة الصعبة، ما يجعل حضور المرأة عنصراً أساسياً في استمرار هذه المهنة التراثية وضمان نجاحها واستمراريتها عبر الأجيال.

وفي هذا السياق، قال محي الدين شيخ طاهر، وهو من أصحاب المواشي من قرية خربي جهوا، إنهم يخرجون سنوياً في رحلة الربيع إلى المناطق الحدودية بحثاً عن مصادر الكلأ الغنية، موضحاً أنهم يسعون لتوفير الأعلاف الطبيعية وتقليل الاعتماد على الأعلاف الجاهزة.

وأضاف أن العامين الماضيين شهدا جفافاً أثقل كاهل مربي المواشي، لكن هطول الأمطار الغزيرة هذا العام أعاد إحياء المراعي، وخلق ظروفاً مناسبة للعودة إلى الرعي الطبيعي الذي يلعب دوراً مهماً في تحسين إنتاج الحليب، والذي يُستخدم في صناعة الجبن والألبان والسمن، سواء للاستهلاك أو للبيع والتخزين كمؤونة.

وأشار إلى أن رحلة الربيع تحمل أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية، كونها تسهم في نمو الأغنام بشكل صحي وزيادة إنتاج الحليب واللحم والصوف، إضافة إلى أهميتها الاجتماعية في تعزيز التعاون بين المربين خلال تنقلاتهم في المراعي، فضلاً عن دورها في الحفاظ على توازن البيئة وتجدد النباتات في المنطقة.

واختتم حديثه بالقول إن رحلة الربيع ليست مجرد انتقال للمواشي بين المراعي، بل هي تقليد وتراث أصيل توارثوه عن الأجداد، رغم ما تحمله من تعب وجهد، إلا أنها تعكس ارتباط الإنسان بالأرض والطبيعة وقدرته على التكيّف مع ظروفها والاستفادة من خيراتها.

(ح)

ANHA