كارثة إنسانية وزراعية في دير الزور والرقة بعد فتح بوابات السدود

بعد أن أبلغت تركيا الجانب السوري متأخرةً بفتح بوابات السد، وقعت كارثة كبيرة في دير الزور والرقة. ووفقاً للأرقام الرسمية، تضررت 3769 عائلة بشكل مباشر، وغمرت المياه 7 آلاف دونم من الأراضي الزراعية. وعند أخذ حجم هذه الكارثة في المنطقة بعين الاعتبار، يُقدّر أن حجم الأضرار والخسائر أكبر بكثير من الأرقام المعلنة.

كارثة إنسانية وزراعية في دير الزور والرقة بعد فتح بوابات السدود
الإثنين 1 حزيران, 2026   03:50
مركز الاخبار
 دوغان جيهان

في 22 أيار، تسبب إطلاق تركيا المفرط للمياه من سد أتاتورك الواقع على نهر الفرات في حدوث فيضانات في شمال وشرق سوريا. وبسبب تأخر تركيا في إبلاغ الجانب السوري، وقعت أضرار جسيمة، لا سيما في دير الزور والرقة.

وعلى طول امتداد نهر الفرات، غمرت المياه العديد من القرى والأراضي الزراعية ومحطات المياه. ونتيجة للفيضانات، تضررت البنية التحتية للمنطقة، وأعلنت المؤسسات المحلية حالة التأهب في العديد من المواقع.

وفي شمال وشرق سوريا، التي تكافح منذ سنوات آثار الأزمة الاقتصادية والجفاف ونتائج الحرب، تسبب هذا التدفق في دمار هائل. ووفقاً للمؤسسات المعنية، فقد وصل تدفق المياه القادمة من تركيا إلى ما يقارب ألفي متر مكعب في الثانية، وارتفع منسوب نهر الفرات خلال وقت قصير بنحو 3 أمتار.

وبعد الكارثة، صدر تصريح لافت للانتباه من وزير الطاقة في الحكومة المؤقتة، محمد بشير، الذي قال إن أحد الأسباب الرئيسة للفيضان كان الإطلاق المفرط للمياه من قبل تركيا، موضحاً أن التحذير التركي المتعلق بارتفاع منسوب المياه وصل متأخراً، ما تسبب في تضخم الأضرار واتساع رقعة الفيضانات.

وتركيا، التي كانت في السابق موضع انتقادات بسبب تقليص تدفق المياه، أصبحت هذه المرة أيضاً محوراً للنقاشات عقب الإطلاق المفرط للمياه والفيضانات التي أعقبته. وقد عزز هذا الوضع مجدداً النقاشات المتعلقة بإدارة موارد مياه الفرات وتأثيرها الإقليمي.

في دير الزور.. الكارثة وقعت في موسم الحصاد

وتُعد دير الزور إحدى المناطق الأكثر تضرراً من ارتفاع منسوب المياه، حيث غمرت المياه العديد من القرى والتجمعات السكنية الواقعة على ضفاف الفرات. ووفقاً للمعلومات الرسمية، تضررت ما لا يقل عن 2400 عائلة بشكل مباشر، فيما نزحت نحو 3 آلاف عائلة من أماكنها، ولجأ كثير منهم إلى مراكز الإيواء أو إلى منازل أقاربهم.

ولأن المياه أُطلقت تحديداً مع بدء موسم حصاد القمح والشعير، فقد تكبد المزارعون خسائر اقتصادية جسيمة.

ووفقاً للمصادر المحلية، غمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وانهارت قنوات الري، وأصبحت بعض الطرق غير صالحة للاستخدام. ونتيجة للفيضان، انهارت ثلاثة سدود ترابية رئيسة، وانقطعت خطوط المواصلات بين شرق الفرات وغربه. وفي بعض القرى، بات بإمكان الأهالي التنقل فقط بواسطة القوارب الصغيرة.

وظهرت إحدى أخطر نتائج الفيضان في مقومات الحياة اليومية؛ فمن بين 211 محطة مياه في دير الزور، خرجت 62 محطة عن الخدمة بشكل كامل. وبصورة عامة، خرجت نحو 75 محطة مياه في المنطقة عن الخدمة كلياً أو جزئياً، ما أدى إلى مشكلات حادة في تأمين مياه الشرب وري المزروعات. كما تضررت المخيمات الواقعة على ضفاف النهر جراء الفيضانات.

ويؤكد أهالي المنطقة أن هذا الفيضان لا يهدد الأوضاع الراهنة فحسب، بل يشكل خطراً على الأمن الغذائي خلال الأشهر والسنوات المقبلة. ويشير المزارعون إلى أن حجم الأضرار في حقول القمح والخضار وحدها يقترب من 100 ألف دولار.

في الرقة.. المياه تغمر المنازل والقرى

وظهر تأثير ارتفاع منسوب مياه الفرات أيضاً في مركز مدينة الرقة وريفها. ففي العديد من القرى الواقعة على ضفاف النهر، تم إخلاء المنازل، وارتفع منسوب المياه بسرعة في بعض الأحياء.

وعلى الرغم من أن حجم الأضرار في الرقة يبدو أقل مقارنة بدير الزور، فإن المدينة شهدت خسائر كبيرة. فمن بين 86 محطة مياه، أُغلقت 15 محطة كإجراء احترازي. وفي ريف الرقة الغربي، تضرر نحو 1500 دونم من الأراضي الزراعية. وبشكل عام، غمرت المياه نحو 7 آلاف دونم من الأراضي في الرقة ودير الزور.

وبسبب تضرر الطرق وبعض الجسور، انقطعت العديد من القرى عن بعضها البعض. وفي بعض المناطق، يجري نقل المواشي إلى أماكن أكثر أماناً، بينما يقوم الأهالي بإمكاناتهم الذاتية ببناء سدود ترابية لحماية التجمعات السكنية.

وأعلنت وزارة الطوارئ وشؤون الكوارث في الحكومة المؤقتة تشكيل غرفة عمليات مشتركة خاصة بالرقة ودير الزور، كما دعا المسؤولون الأهالي القاطنين على ضفاف الفرات إلى الابتعاد عن مجرى النهر.

فتح بوابات سد الطبقة أيضاً

بعد التدفق الهائل للمياه من تركيا، وصل منسوب المياه في سد الفرات (الطبقة) إلى مستوى خطير. وبعد أن تجاوزت نسبة امتلاء خزان السد 97%، تم فتح بوابات تصريف المياه للمرة الأولى منذ عام 1988.

وقال المسؤولون إن تركيا تطلق نحو ألفي متر مكعب من المياه في الثانية إلى نهر الفرات، ويُعد هذا من أعلى معدلات التدفق المسجلة خلال السنوات الأخيرة. كما دخل العراق في حالة تأهب لمواجهة موجة المياه المتجهة نحو أراضيه عبر نهر الفرات.

اجتماع قالن في دمشق لفت الأنظار

وقبل يوم واحد من إطلاق المياه، لفت حدث آخر الأنظار، إذ التقى رئيس جهاز المخابرات التركية (MÎT) إبراهيم قالن في دمشق برئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الشرع.

وأثار هذا اللقاء، إلى جانب فتح بوابات السدود في تركيا، نقاشات سياسية واستراتيجية واسعة. وترى أطراف عديدة في شمال وشرق سوريا أن قضية المياه ليست مجرد مسألة تقنية، بل تُستخدم أيضاً أداةً للضغط السياسي.

وعلى الرغم من أن منسوب مياه الفرات لا يزال مرتفعاً، ومن المتوقع استمرار تأثيرات الفيضان خلال الأيام المقبلة، فإن أهالي المنطقة يطالبون بتشكيل لجان لحصر الأضرار، وتخصيص ميزانيات لتعويض المتضررين، والعمل بشكل عاجل على إصلاح البنية التحتية المتضررة.

(ح)

ANHA