أستاذة علوم سياسية: واشنطن وطهران تديران الصراع دون حسم

تضع أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتورة دينا يعقوب، التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بدعم من إسرائيل ضمن معادلة تحكمها توازنات القوى وديناميكيات الردع، حيث يتأرجح المشهد بين تهدئة تنتج "استقراراً هشاً" قائماً على إدارة الصراع، وتصعيد متدرج قد يقود إلى فوضى إقليمية متعددة المستويات.

أستاذة علوم سياسية: واشنطن وطهران تديران الصراع دون حسم
الخميس 7 مايو, 2026   03:40
مركز الأخبار
كيفارا شيخ نور

تفرض تطورات الشرق الأوسط، خصوصاً الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، متابعة دقيقة لفهم مسارات التصعيد أو التهدئة وتداعياتها المحتملة. ففي ظل مشهد إقليمي معقد، تتباين التقديرات بين فرص احتواء الأزمة أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد، مع تأثيرات مباشرة على دول محورية مثل تركيا وسوريا والعراق.

وفي هذا السياق، تقدم لوكالتنا الدكتورة دينا يعقوب قراءة تحليلية للسيناريوهين المحتملين - توقف الحرب أو استمرارها - ضمن مقاربة تقوم على توازنات القوى وديناميكيات الردع، مع التركيز على تأثيرات ما يُعرف بـ "سلسلة التفاعلات الإقليمية" (regional spillover effects)، وهو ما يتيح فهماً أعمق لكيفية تفاعل الأزمات وتوسعها عبر حدود الدول.

في حال توقف الحرب

ترى الدكتورة دينا يعقوب أن وقف التصعيد بين الولايات المتحدة/إسرائيل وإيران، سواء عبر تسوية مباشرة أو تهدئة غير معلنة، سيعيد تفعيل منطق "الردع المتبادل المحدود" بدلاً من المواجهة المفتوحة، وهو ما يعيد ضبط إيقاع الصراع دون إنهائه. وتؤكد أن هذا السيناريو لا يعني سلاماً مستداماً، بل استقراراً هشاً (fragile stability) قائماً على إدارة الصراع لا حله.

وفي هذا الإطار، ترجح الدكتورة دينا يعقوب أن يؤدي ذلك إلى إعادة تموضع القوى الإقليمية نحو الدبلوماسية البراغماتية، خصوصاً مع عودة قنوات التفاوض غير المباشر حول الملف النووي الإيراني. كما تشير إلى أن توقف الحرب سيخفف الضغط على أسواق الطاقة، مما سينعكس على استقرار نسبي في أسعار النفط وتقليل المخاطر الجيوسياسية، بالتوازي مع تراجع نسبي في نشاط الوكلاء المسلحين (proxies) نتيجة انخفاض الحاجة إلى التصعيد غير المباشر.

تأثيرات توقف الحرب إقليمياً

وانطلاقاً من ذلك، توضح الدكتورة دينا يعقوب أن التأثيرات الإقليمية لهذا السيناريو ستدفع تركيا إلى تعزيز دورها كوسيط إقليمي مستفيدة من موقعها الجيوسياسي، مع التركيز على ملفات الطاقة وإعادة الإعمار. كما ترجح أن تشهد سوريا انفتاحاً عربياً تدريجياً مع بقاء النفوذ الإيراني ضمن حدود أقل استفزازاً، في حين تؤكد أن العراق سيحصل على فرصة لاحتواء "الميليشيات" وتقليل الضغوط بين واشنطن وطهران، بما يعزز استقراره النسبي. وتشير أيضاً إلى أن إيران ستتجه لإعادة توجيه مواردها نحو الداخل مع الحفاظ على نفوذها الإقليمي بأسلوب أقل صدامية.

في حال استمرار الحرب

في المقابل، ترى الدكتورة دينا يعقوب أن استمرار المواجهة سيقود إلى ما يُعرف بـ "التصعيد المتدرج" (escalatory ladder)، حيث تتوسع العمليات بشكل غير مباشر عبر ساحات متعددة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد دون الوصول بالضرورة إلى حرب شاملة، لكنه يرفع مستوى المخاطر بشكل مستمر.

وتشير الدكتورة دينا يعقوب إلى أن هذا المسار قد يؤدي إلى تفكك منظومة الردع، ما يفتح المجال أمام مواجهات غير محسوبة (miscalculation)، بالتزامن مع تصاعد دور الفاعلين غير الدولتيين، خاصة في لبنان والعراق واليمن، بما يوسع نطاق الصراع جغرافياً.

كما تتوقع أن يشهد العالم اضطراباً حاداً في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، خصوصاً إذا تأثرت ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، إلى جانب تزايد الاستقطاب الدولي واحتمال انخراط قوى كبرى بشكل غير مباشر.

التداعيات الإقليمية في حال التصعيد

وفي هذا السياق، ترى الدكتورة دينا يعقوب أن تركيا ستواجه معضلة استراتيجية بين التزاماتها في حلف الناتو ومصالحها مع إيران وروسيا، ما قد يدفعها إلى تبنّي سياسة "توازن حذر" لكنها مكلفة. كما ترجح أن تتحول سوريا إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة مع تصاعد الضربات الجوية وتعدد الفاعلين، بينما تؤكد أن العراق سيكون الأكثر هشاشة، إذ قد يتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوات الأميركية والفصائل المدعومة من إيران، بما يهدد استقراره الداخلي.

وتشير كذلك إلى أن إيران ستعتمد بشكل أكبر على استراتيجية "الحرب غير المتكافئة" (asymmetric warfare) عبر الوكلاء والهجمات غير المباشرة، مع تزايد الضغوط الاقتصادية والعسكرية عليها.

وتخلص أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتورة دينا يعقوب إلى أن الفارق الجوهري بين السيناريوهين لا يكمن في وجود الصراع من عدمه، بل في مستوى إدارته؛ إذ تعني التهدئة صراعاً مضبوطاً بقواعد غير مكتوبة، بينما يشير استمرار الحرب إلى انزلاق تدريجي نحو فوضى إقليمية متعددة المستويات.

وفي كلتا الحالتين، تؤكد الدكتورة دينا يعقوب أن المنطقة ستبقى محكومة بمنطق "توازن عدم الاستقرار" (unstable equilibrium)، حيث لا تستطيع أي قوة حسم الصراع، ولا تقبل في الوقت ذاته بتسوية نهائية.

من هي دينا يعقوب؟

الدكتورة دينا يعقوب أستاذة متخصّصة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، معروفة ببحوثها وتحليلاتها في مجالات السياسة الدولية، النزاعات، الحوكمة، قضايا الشرق الأوسط، والتواصل بين الثقافات. تسهم في العديد من المؤتمرات الأكاديمية، وتنشر مقالاتها في دوريات علمية مرموقة، كما تشارك بانتظام في منصات إعلامية لتحليل الأحداث الجيوسياسية.

(أم)

ANHA