باحث: تحريض وتعبئة السوريين للقتال خارج بلادهم تهديد للاستقرار وإعادة لإنتاج الانقسامات

حذّر باحث سياسي من مخاطر تجنيد السوريين لصراعات خارجية، مؤكداً أن توظيف الدين وذكريات الحرب يعمّق الانقسامات، ويهدد وحدة المجتمع واستقلال القرار الوطني، داعياً إلى حماية المصالح الوطنية ورفض التحريض المذهبي.

باحث: تحريض وتعبئة السوريين للقتال خارج بلادهم تهديد للاستقرار وإعادة لإنتاج الانقسامات
الإثنين 19 تشرين الأول, 2026   05:00
مركز الأخبار

حذّر الدكتور والباحث السياسي إبراهيم مسلم، من مخاطر تعبئة السوريين للمشاركة في صراعات خارج حدود بلادهم، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن تداعيات سنوات الحرب الطويلة في سوريا، وما خلفته من انقسامات اجتماعية وجروح نفسية وأزمات اقتصادية وضعف في مؤسسات الدولة.

وقال مسلم إن الحروب لا تنتهي دائماً بانتهاء العمليات العسكرية، بل قد تستمر بأشكال أخرى، من خلال استثمار الذاكرة الجمعية، وتوظيف المظلومية، وإعادة إنتاج العداوات في سياقات إقليمية جديدة.

وأضاف أن بعض الأطراف تدرك أن السوري الذي أنهكته الحرب، أو فقد أحد أفراد أسرته، أو اضطر إلى النزوح، أو يعيش ظروفاً اقتصادية قاسية، قد يكون أكثر عرضة للتأثر بالخطاب الذي يعِده باستعادة الكرامة، أو الدفاع عن جماعته، أو الانتقام من خصوم يقدمون له باعتبارهم امتداداً لخصوم الماضي.

وأوضح أن المصالح السياسية تتداخل هنا مع الحسابات العسكرية والأيديولوجية، إذ يتحول الإنسان السوري من مواطن يحتاج إلى الأمن والاستقرار وإعادة بناء حياته، إلى أداة يمكن توظيفها في صراعات لا ترتبط بالضرورة بمصالحه الوطنية.

وأشار إلى أن الأمر لا يقتصر على التجنيد المباشر، بل يشمل أيضاً حملات التحريض الإعلامي، والخطاب الديني المسيس، واستثمار الفقر والبطالة، وتقديم المشاركة في القتال باعتبارها واجباً أخلاقياً أو دينياً أو وطنياً.

وأكد مسلم أن المشكلة الأساسية تتمثل في تحويل معاناة السوريين من قضية تستحق المعالجة والإنصاف إلى وسيلة لتغذية صراعات جديدة، لافتاً إلى أنه بدلاً من توجيه الجهود نحو التعافي المجتمعي وإعادة بناء الدولة، يجري استنزاف ما تبقى من قدرات المجتمع السوري في معارك قد تزيد أزماته تعقيداً.

توظيف الموروث الديني وذكريات الحرب

وفي حديثه عن استخدام الموروث الديني وذكريات الحرب السورية لتقديم صراعات إقليمية على أنها امتداد للصراع داخل سوريا، قال مسلم إن الذاكرة الدينية والتاريخية تعد من أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل الوعي الجمعي، خصوصاً في المجتمعات التي عاشت حروباً طويلة وتراكمت فيها مشاعر الخوف والظلم وفقدان الثقة.

وأضاف أنه عندما توظف هذه الذاكرة سياسياً، يمكن أن تتحول من مصدر للقيم الروحية والأخلاقية إلى وسيلة للتعبئة والاستقطاب.

وأوضح أن ذلك يحدث من خلال استحضار أحداث تاريخية ذات دلالات مذهبية، أو اجتزاء نصوص دينية من سياقاتها، أو ربط أطراف الصراعات الحالية بهويات دينية واجتماعية محددة، وكأن المواجهة السياسية والعسكرية ليست سوى حلقة جديدة في صراع تاريخي لا ينتهي.

وأشار إلى أن صور الحرب السورية ووقائعها المؤلمة تستعاد أيضاً لتغذية مشاعر الخوف والانتقام، فيما يقدم الصراع الإقليمي على أنه امتداد مباشر لما حدث داخل سوريا، رغم اختلاف السياقات والأطراف والمصالح والظروف.

وشدد مسلم على أن خطورة الأمر تكمن في الخلط بين الذاكرة والواقع، مؤكداً أن "ليس كل صراع جديد امتداداً للصراع السابق، وليس كل طرف ينتمي إلى بيئة مذهبية معينة مسؤولاً عن أفعال أطراف أخرى تحمل الانتماء نفسه".

ولفت إلى أن تحويل الاختلافات المذهبية إلى حدود سياسية وعسكرية مغلقة يسهم في بناء عدو جماعي متخيل، ويجعل المواطن ينظر إلى الآخر من خلال هويته، لا من خلال مواقفه وأفعاله ومسؤوليته الفعلية.

وأكد أن أخطر أشكال التوظيف السياسي للدين هو عندما يمنح الصراع السياسي غطاء مقدس، ويقدم القتال باعتباره واجباً لا يقبل النقاش، ويصور رفض المشاركة على أنه خيانة أو تخاذل.

ودعا إلى التمييز بين الإيمان بوصفه قيمة أخلاقية وروحية، وبين استخدام الدين لتبرير العنف أو تحقيق مصالح سياسية، مشدداً على ضرورة قراءة الأحداث الإقليمية وفق معطياتها الفعلية، لا وفق روايات تستثمر جراح الماضي.

مخاطر إعادة إنتاج الانقسام الداخلي

وحول المخاطر المترتبة على مشاركة سوريين في مواجهة أطراف ترتبط مجتمعاتها أو بيئاتها بانتماءات مذهبية متنوعة، قال مسلم إن هذه المشاركة قد تترتب عليها مخاطر تتجاوز الخسائر العسكرية المباشرة، لتطال مستقبل العلاقات الاجتماعية داخل سوريا، وعلاقاتها مع محيطها الإقليمي، وقدرتها على استعادة الاستقرار بعد سنوات من الحرب.

وأوضح أن أول هذه المخاطر هو إعادة إنتاج الانقسام الداخلي عبر نقل الصراعات الخارجية إلى المجتمع السوري، مشيراً إلى أنه عندما يشارك أفراد من مكون اجتماعي أو مذهبي في مواجهة أطراف ترتبط ببيئات مذهبية أخرى، قد تتحول المواجهة إلى مادة للتحريض المتبادل، وتحمل جماعات كاملة مسؤولية أفعال أفراد أو تشكيلات مسلحة.

وأضاف أن ذلك يفتح الباب أمام دورة جديدة من الخوف والانتقام، تقوم على منطق التعميم الجماعي، حيث يبرر طرف العنف بسبب انتماء الآخر، ويرد الطرف الآخر بالمنطق نفسه، فتتراجع فرص المصالحة ويصبح بناء الثقة أكثر صعوبة.

وأشار إلى أن الخطر الثاني يتمثل في استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى طاقات أبنائها في إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الأساسية، وإحياء الزراعة والإنتاج، ومعالجة آثار النزوح والفقر والبطالة.

وتابع أن الخطر الثالث يتمثل في تعريض السوريين للاستغلال العسكري والسياسي، إذ قد يستخدم المقاتلون في معارك تخدم حسابات أطراف خارجية، دون أن تكون لهم قدرة حقيقية على التأثير في القرارات الاستراتيجية أو في نتائج الحرب.

كما حذّر من التداعيات القانونية والأمنية التي قد تترتب على هذه المشاركة، بحسب طبيعة التنظيمات المعنية، والجهة التي يجري القتال إلى جانبها، والقوانين الوطنية والدولية ذات الصلة.

ولفت إلى أن احتمال تدهور علاقات سوريا مع دول المنطقة، أو تحول الأراضي السورية أو المجتمعات السورية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لا يقل خطورة عن المخاطر الأخرى.

وأكد مسلم أن المسألة لا تتعلق فقط بمن يقاتل إلى جانب من، بل بما تتركه هذه المشاركة من آثار على وحدة المجتمع، واستقلال القرار الوطني، وفرص الانتقال من الحرب إلى السلام.

وشدد على أن السوريين الذين دفعوا ثمناً باهظاً للصراع الداخلي ليسوا بحاجة إلى استيراد خصومات جديدة، بل إلى بناء ضمانات تمنع انتقال العنف من جيل إلى آخر ومن ساحة إلى أخرى.

استقلال القرار الوطني ومكافحة التحريض المذهبي

وفي ما يتعلق بدور الحكومة في حماية استقلال القرار الوطني ومنع التحريض المذهبي، مع الحفاظ على العلاقات الإقليمية، قال مسلم إن ذلك يتطلب سياسة متوازنة تجعل مصالح الشعب السوري أساساً للعلاقات الإقليمية، وتمنع تحويل سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تنفيذ أجندات خارجية.

وأوضح أن ذلك يبدأ بتعزيز مؤسسات الدولة، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالمؤسسات الوطنية، ومنع قيام تشكيلات مسلحة تعمل خارج القانون أو تخضع لتوجيهات خارجية.

وأضاف أن الأمر يتطلب مكافحة التحريض المذهبي وفق القانون، وضمان حقوق جميع المكونات دون تمييز أو انتقائية.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم بالوسائل الأمنية وحدها، بل من خلال ترسيخ المواطنة، وتعزيز الثقة بين المجتمع والدولة، ومعالجة الفقر والبطالة اللذين قد يجعلان بعض الشباب أكثر عرضة للاستقطاب والتجنيد.

وعلى المستوى الخارجي، دعا مسلم إلى اعتماد الحكومة سياسة تقوم على الحوار والدبلوماسية والتعاون المتوازن مع دول المنطقة، بعيداً عن الارتهان للمحاور الإقليمية.

وشدد على أن "السيادة الوطنية ليست مجرد شعار، بل هي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها باستقلالية، وحماية مواطنيها من أن يتحولوا إلى وقود في صراعات الآخرين".

دعوة السوريين إلى التحقق قبل المشاركة في القتال

وفي ختام حديثه، دعا مسلم المواطنين السوريين إلى عدم الانسياق وراء الشعارات العاطفية أو الدينية قبل التحقق من الجهات التي تقف خلف دعوات القتال، وأهدافها الحقيقية، والمصالح التي تسعى إلى تحقيقها.

وقال إنه ليس كل صراع يقدم باعتباره دفاعاً عن المظلومين أو الكرامة يستجيب بالضرورة لمصالح السوريين أو لقضاياهم الوطنية.

وأضاف أن من الضروري الحذر من المعلومات المضللة والخطابات التي تستثمر ذكريات الحرب السورية لإثارة الخوف والانتقام، مع ضرورة التمييز بين مسؤولية الأفراد ومسؤولية الجماعات، وعدم تحويل الاختلاف المذهبي إلى مبرر للعداء أو العنف.

وأشار إلى أن المشاركة في القتال خارج البلاد قد تترتب عليها تبعات قانونية وأمنية وإنسانية تمس المواطن وأسرته ومجتمعه، مؤكداً أن التضامن مع الشعوب لا يقتصر على حمل السلاح، بل يمكن أن يتحقق من خلال العمل الإنساني والمدني وتوثيق الانتهاكات والدفاع عن الحقوق بالوسائل السلمية.

وطرح الباحث السياسي والأكاديمي، الدكتور إبراهيم مسلم، في نهاية تصريحه لوكالتنا ANHA، سؤالاً للسوريين قبل الاستجابة لأي دعوة للقتال، قائلاً: "من المستفيد الحقيقي من مشاركتي؟ وهل تسهم هذه المشاركة في تحقيق السلام والاستقرار، أم تعيد إنتاج المأساة السورية في ساحات جديدة؟"

الدكتور إبراهيم مسلم ـ باحث سياسي وأكاديمي، دكتور في البيئة والزراعة العضوية من جامعة نورماندي الفرنسية.

(م ش)

ANHA