رياض درار: حالة انسداد سياسي تهدد الاستقرار في سوريا

أكد السياسي السوري رياض درار، أن سوريا ما تزال تعيش حالة من الانسداد السياسي رغم المتغيرات التي شهدتها الساحة السورية والإقليمية خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن غياب التوافق بين القوى الفاعلة واستمرار تضارب المصالح الداخلية والخارجية، ما زالا يشكلان عائقاً أمام الوصول إلى حل سياسي شامل ومستدام.

رياض درار: حالة انسداد سياسي تهدد الاستقرار في سوريا
الأربعاء 24 حزيران, 2026   03:20
مركز الأخبار

في قراءة لمشهد العملية السياسية السورية، أكد السياسي السوري رياض درار، خلال حديث خاص لوكالتنا، أن سوريا ما تزال تعيش حالة من الانسداد السياسي النسبي، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل السياسية والداخلية والخارجية التي ما زالت تعيق الوصول إلى تسوية شاملة.

وأوضح درار أن أول هذه العوامل يتمثل في تعدد مراكز النفوذ والسلطة، ووجود قوى محلية وإقليمية ودولية تمتلك مصالح متباينة، ما يمنع التوافق السياسي ويسهم في تعثر مسارات الحل المختلفة، سواء عبر قرارات الأمم المتحدة أو المفاوضات.

وأضاف أن الملفات الأساسية المتعلقة بالانتقال السياسي والدستور والانتخابات لم تشهد حتى الآن تقدماً جوهرياً، مشيراً إلى أن غياب الثقة بين الأطراف ما يزال يشكل عقبة رئيسة أمام أي اختراق سياسي.

وأشار إلى أن الفجوة لا تزال كبيرة بين الحكومة الجديدة والمعارضة، في ظل استمرار الخلافات حول شكل الحل السياسي ومستقبل مؤسسات الدولة وآليات توزيع السلطات.

ونوه درار إلى أن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية وتدهور مستوى المعيشة زادت من تعقيد المشهد السياسي، حيث أصبحت الأولويات المعيشية للمواطنين تتقدم على الملفات السياسية لدى شريحة واسعة من السوريين.

ورغم التحولات الإقليمية والدولية والتغيرات التي طرأت على مواقف بعض الدول تجاه سوريا، رأى درار أن المؤشرات الحالية لا تزال غير كافية للحديث عن اقتراب تسوية سياسية شاملة، الأمر الذي يبقي حالة الانسداد السياسي قائمة بدرجات متفاوتة.

وحول أسباب هذه الحالة، أوضح درار أن الانسداد السياسي في سوريا يعود إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية المتشابكة، وفي مقدمتها تباين الرؤى بين الأطراف السورية، حيث لا يزال الخلاف قائماً بين الحكومة والمعارضة بشأن طبيعة الحل السياسي وشكل الدولة وآليات الانتقال السياسي والإصلاح الدستوري.

وأضاف أن سنوات الصراع الطويلة عمقت حالة انعدام الثقة بين مختلف القوى السياسية والعسكرية، ما جعل الوصول إلى تسويات مستدامة أمراً بالغ التعقيد.

كما أشار إلى أن تشابك المصالح الإقليمية والدولية حوّل الأزمة السورية إلى ساحة لتقاطع مصالح العديد من القوى الفاعلة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على فرص التوافق السياسي.

ولفت إلى أن استمرار وجود مناطق نفوذ مختلفة وقوى مسلحة متعددة يجعل من الصعب فرض أو تنفيذ أي اتفاق سياسي شامل على كامل الأراضي السورية.

وتابع قائلا: "إن المسارات التفاوضية المختلفة لم تنجح حتى الآن في تحقيق اختراق حقيقي في القضايا الأساسية المرتبطة بالدستور أو الحكم أو الانتخابات، وهو ما ساهم في استمرار حالة الجمود السياسي".

وأضاف أن الضغوط المعيشية وتدهور الأوضاع الاقتصادية باتت من العوامل المؤثرة بقوة في المشهد العام، حيث أصبحت الأولويات اليومية للسكان مرتبطة بتأمين الاحتياجات الأساسية.

وأشار إلى أن غياب توافق دولي كامل حول مستقبل سوريا ما يزال يمثل عاملاً إضافياً في تعقيد الأزمة، فعلى الرغم من وجود تفاهمات في بعض الملفات، لا تزال هناك اختلافات بين القوى الدولية المؤثرة بشأن شكل التسوية النهائية وآليات تنفيذها.

وأكد درار أن الانسداد السياسي في سوريا ليس نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تراكمات سياسية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية جعلت الوصول إلى حل شامل أكثر صعوبة، رغم استمرار الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دفع العملية السياسية إلى الأمام.

وفي حديثه عن تداعيات استمرار الانسداد السياسي، أوضح درار أن انعكاساته تطال مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والأمنية.

وقال إن أولى هذه التداعيات تتمثل في إطالة أمد حالة عدم الاستقرار وتأخير الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، إضافة إلى تعثر الإصلاحات السياسية والمؤسسية الضرورية لتعزيز الحوكمة وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

وأضاف أن غياب الاستقرار السياسي ينعكس سلباً على الاقتصاد من خلال تباطؤ عمليات إعادة الإعمار والاستثمار نتيجة غياب بيئة مستقرة وجاذبة.

كما لفت إلى أن التداعيات الاجتماعية تتجسد في تفاقم الأوضاع المعيشية واتساع دائرة الفقر والهشاشة الاجتماعية، إلى جانب تراجع الثقة بالمؤسسات العامة نتيجة غياب حلول ملموسة للأزمات المتراكمة.

وتابع أن التداعيات الإنسانية ما تزال حاضرة بقوة، مع استمرار حاجة ملايين السوريين إلى المساعدات الإنسانية والإغاثية، فضلاً عن الضغوط المتواصلة على قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، وتعقيد جهود عودة اللاجئين والنازحين بصورة آمنة ومستدامة.

أما على الصعيد الأمني، فأوضح أن استمرار بؤر التوتر المحلية واحتمالات التصعيد في بعض المناطق يبقيان من أبرز نتائج غياب التسوية السياسية الجامعة، الأمر الذي يصعّب تحقيق استقرار أمني كامل في البلاد.

وأكد درار أن آثار الانسداد السياسي لا تقتصر على الجانب السياسي وحده، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع والأمن والملف الإنساني، مشيراً إلى أن كلفة الأزمة تزداد كلما طال أمد الجمود السياسي، ما يجعل معالجة التحديات المتراكمة أكثر صعوبة وتعقيداً.

وحول الآلية الأنسب للخروج من هذا المأزق، شدد درار على أن الحل يكمن في مسار انتقالي سوري ـ سوري برعاية أممية وعربية، يقوم على خطوات متدرجة ومتزامنة بدلاً من انتظار حل شامل دفعة واحدة.

وأوضح أن هذا المسار ينبغي أن يبدأ بحوار وطني شامل يضم الحكومة والمعارضة والقوى المحلية والمكونات المجتمعية والنساء والشباب وممثلي اللاجئين والنازحين، بحيث لا تبقى العملية السياسية محصورة ضمن النخب السياسية التقليدية.

وأضاف أنه يمكن تشكيل هيئة أو حكومة انتقالية موسعة بصلاحيات واضحة تكون مهمتها إدارة المرحلة الانتقالية لا احتكار السلطة، وفق مبدأ الحكم الشامل وغير الإقصائي المنسجم مع قرار مجلس الأمن 2254.

كما دعا إلى اعتماد مسار دستوري جدي لا يقتصر على اللجان الشكلية، بل يفضي إلى دستور يضمن فصل السلطات والحقوق واللامركزية الإدارية ومشاركة مختلف المكونات.

وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية لبناء الثقة، تشمل إطلاق المعتقلين وكشف مصير المفقودين ووقف الاعتقالات التعسفية وتسهيل عودة اللاجئين وفتح المجال الإنساني بعيداً عن التسييس.

وأشار كذلك إلى أهمية الترتيبات الأمنية التدريجية التي تشمل دمج أو تفكيك التشكيلات المسلحة وإصلاح الأجهزة الأمنية وضمان عدم استخدام السلاح في الصراع السياسي.

وأضاف أن الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار ينبغي أن يرتبطا بالتقدم السياسي، مؤكداً أن أي تخفيف للعقوبات أو تمويل دولي يجب أن يكون مرتبطاً بخطوات ملموسة في مسار الانتقال السياسي.

وختم درار حديثه بالتأكيد على الحاجة إلى ضمانات دولية وإقليمية من الأمم المتحدة والدول العربية وتركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، موضحاً أن الأزمة السورية لم تعد أزمة داخلية فحسب، وأن المخرج الحقيقي لا يكمن في الغلبة العسكرية أو التطبيع وحده، بل في تسوية انتقالية تدريجية بضمانات واضحة، يشعر من خلالها السوريون أنهم شركاء في صياغة مستقبل بلادهم، لا مجرد متلقين لاتفاقات تُصاغ خارج إرادتهم.

(أ ب)

ANHA