رئيس مركز الخليج للدراسات: لا اتجاه نحو حل نهائي وحاسم في إيران

أكد رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية، أن إيران تعمل على توسيع خيارتها وقنوات اتصالها، مشيراً إلى أن هناك محددات وضوابط عديدة لتقدم مسار المفاوضات أو فشله، في حين لا تتجه إدارة ترامب نحو حل نهائي.

رئيس مركز الخليج للدراسات: لا اتجاه نحو حل نهائي وحاسم في إيران
الثلاثاء 28 نيسان, 2026   05:25
مركز الأخبار
يحيى الحبيب

وسط أنباء عن مقترح إيراني جديد لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وترقب للقاء يجمع وزير خارجية إيران عباس عراقجي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبرغ، يتصاعد الصراع الميداني بين حزب الله وإسرائيل؛ حيث أعلن الجيش الإسرائيلي سقوط قتلى وجرحى في صفوف جنوده إثر المواجهات الدائرة في جنوب لبنان.

وتعد زيارة عراقجي آخر محطة من جولة ‌دبلوماسية شملت أيضا باكستان وسلطنة عمان. من جهة أخرى، أفاد موقع "أكسيوس" بأن إيران قدمت عبر وسطاء باكستانيين مقترحاً جديداً إلى الولايات المتحدة لإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، على أن تُرجأ المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.

وتفاقمت الأزمة في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران خلال عطلة نهاية الأسبوع بعد أن انتهت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى باكستان يومي الجمعة والسبت دون إحراز أي تقدم.

إيران تعمل على توسيع خياراتها

رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية، شريف عبد الحميد، تحدث لوكالتنا حول ذلك بالقول: "المسار لم يتوقف لكنه لم يحسم ولو نظرنا إلى حركة وزير الخارجية الإيراني المكوكية بين الرياض ومسقط وإسلام آباد وفي طريقه إلى موسكو فنجد أنه يعبر عن مرحلة ما قبل الحسم. إيران تعمل على توسيع خياراتها وفتح قنوات متعددة بما يسمح لها بإعادة توزيع الضغط وليس التخلص منه".

وأضاف "بدقة المسار الآن هو مسار مناورة تحت ضغط وليس مسار تسوية مكتملة الأركان/ وذهاب وزير الخارجية الإيراني إلى مسقط لا يعني أن طهران وصلت إلى حافة التراجع بل يشير إلى تفعيل قناة تقليدية تستخدم تاريخياً عندما ترغب إيران في تخفيف الاحتكاك المباشر، واختبار نوايا الطرف الآخر، وشراء الوقت دون إعلان التراجع".

ومن هنا بحسب عبد الحميد "فإن المسار التفاوضي لا يتحرك في خط مستقيم، بل في مسارات متعرجة تهدف إلى إبقاء كل الخيارات مفتوحة، ونجد أن أحد أهم محددات المرحلة الحالية هو ما يطلق عليه (تفكك مصداقية الإنذار)، فتكرار المهل الأمريكية دون تنفيذ حاسم خلق لدى طهران قناعة بأن التهديد لا يعني بالضرورة الفعل، وأن التفاوض يمكن إطالته دون دفع الثمن بالكامل، لذلك وصل المسار إلى نقطة دقيقة وهو أن إيران لم تعد تفاوض من موقع الخوف، إنما من موقع حساب المسافة بين التهديد والتنفيذ".

ورأى أن "إيران تحت ضغط عسكري وسياسي، والولايات المتحدة تحت ضغط دستوري وزمني، هو ما جعل الطرفين يفاوضان تحت الإكراه، لكن كل منهما يراهن على ضعف الآخر، ويمكن تلخيص موقع المسار الحالي في أنه لم يدخل بعد مرحلة التسوية النهائية، فلا توجد مؤشرات على اتفاق مكتمل أو تنازلات حاسمة، وتجاوز مرحلة التصعيد غير المنضبط، والفاصل بينهما ليس القوة بل الصياغة".

محددات وضوابط عديدة لتقدم مسار المفاوضات أو فشله

وحول محددات وضوابط تقدم مسار المفاوضات أو فشله، رأى عبد الحميد "عامل الزمن بوصفه أداة ضغط متبادلة والذي لم يعد عنصراً محايداً بل تحول إلى قمة عناصر التفاوض، ومن هنا تسعى طهران إلى إطالة أمد التفاوض. يواجه صانع القرار الأمريكي قيوداً زمنية مؤسسية أبرزها ما يرتبط بقانون صلاحيات الحرب لعام 1973 الذي يحد من قدرة الرئيس على الاستمرار في العمليات دون تفويض، كلما اقتربت هذه العتبة زادت احتمالات التسوية أو على العكس ارتفع منسوب التصعيد إذا تعذر الوصول إلى مخرج سريع".

وأضاف: "تكرار الإنذارات دون تنفيذ حاسم يخلق ما يمكن تسميته "فجوة الردع" وإذا استمرت هذه الفجوة تميل طهران إلى توسيع هامش المناورة وتأجيل التنازلات، أما إذا جرى كسرها بعمل عسكري نوعي فإن ميزان التفاوض قد ينقلب سريعاً".

ووفقاً له فإن "التحرك عبر وسطاء مثل سلطنة عمان أو باكستان لا يعكس فقط رغبة في الوساطة بل يعبر عن محاولة توزيع الضغط، واختبار صيغ متعددة للتسوية تؤدي إلى تفادي الالتزام المبكر بمسار واحد، ومن هنا كلما اتسعت هذه القنوات دون تنسيق زادت احتمالات التعطيل أما إذا توحدت حول صيغة مشتركة فإنها تتحول إلى صيغة حقيقية للتقدم".

ويرى أن "العامل الحاسم هنا ليس مضمون الاتفاق، بل طريقة عرضه سياسياً حيث تحتاج أمريكا إلى إنجاز يمكن تسويقه داخلياً كنجاح استراتيجي، وطهران تحتاج إلى تجنب صورة التراجع أو الإذلال، ومن هنا يبحث كل طرف عن صيغة تسمح بادعاء المكسب ولذلك فإن احتمالات الفشل ترتفع".

إدارة ترامب لا تتجه نحو حل نهائي

وحول خطوات إدارة ترامب، أشار إلى أن "سلوكه لا يعكس توجهاً واضحاً نحو تسوية نهائية ولا قرار مكتمل بالتصعيد الشامل بل يكشف عن أزمة بين الحرب والتفاوض. إعلان ترامب النصر الكامل بالتوازي مع عدم إنهاء الحرب وعدم فرض وقائع حاسمة مثل فتح مضيق هرمز والاستمرار في التهديد بالقصف هذا التناقض ليس صدفة إنما دليل على أن الإدارة الأمريكية تحاول تثبيت مكسب سياسي دون امتلاك حسم عسكري فعلي".

وتشير المعطيات وفقاً له "إلى غياب اتفاق مكتمل أو إطار تسوية قابل للحياة، ومن هنا فإن فكرة الحل القريب مستبعدة وفق هذا المنطق أي أننا أمام تصعيد يتم إدارته لا انفجار شامل حتى الآن، فإيران تراهن على استنزاف الوقت وأمريكا تراهن على كسر إيران سريعاً. إدارة ترامب لا تتجه نحو حل نهائي ولا تستعد لحرب شاملة بل تدير مرحلة إعادة تشكيل للصراع تقوم على تثبيت رواية النصر مع إبقاء أدوات الضغط والتصعيد المحدود قائمة".

فراغ تنسيقي في إيران وليس انقسام بنيوي

وحول تأثيرات الحرب على طبيعة النظام الإيراني وحدوث خلاف او تناقض بين أجنحة النظام، رأى بأن "ما يقال عن "الانقسام داخل النظام الإيراني" بوصفها ظاهرة واقعية غير مكتملة الدلالة أي أنها حقيقية في مظاهرها لكنها لا تعني بالضرورة تفككاً بنيوياً حقيقياً للنظام، هناك بعض المؤشرات منها وجود فجوة بين المسار الدبلوماسي (عباس عراقجي) والمسار العسكري (الحرس الثوري) ورفض ميداني لقرارات سياسية كما حدث في مسألة مضيق هرمز في ذات الوقت الذي يغيب فيه المرشد ولا دور له".

وأضاف "هناك فراغ تنسيقي بعد اغتيال علي لاريجاني وعدم قدرة محمد باقر قاليباف على ملئه، كل هذه المؤشرات تعني أن هناك اختلالاً حقيقياً في آلية التنسيق بين مراكز القوة يصل إلى حد "شلل جزئي" في اتخاذ القرار. لكن رغم كل هذه المؤشرات إلا أنها لا تقدم ما يؤكد انهياراً كاملاً أو انقساماً استراتيجياً نهائياً لأن ما نراه هو تعارض وظيفي بين الأجنحة لا انشقاق وجودي للنظام".

وبحسب عبد الحميد "هذا التأثير يؤدي إلى تعطيل القرار التفاوضي وعدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم رد واضح أو الالتزام بما يطرح بسبب غياب مرجعية حاسمة، والولايات المتحدة لم تعد متأكدة هل ما يتفق عليه مع المفاوضين قابل للتنفيذ، وهذا ما انعكس في إلغاء التحركات الدبلوماسية (مثل تعطل زيارة نائب الرئيس الأميركي)".

وأكد أن "الانقسام الداخلي يمنح طهران هامشاً للمماطلة لكنه في الوقت نفسه يعرقل الوصول إلى تسوية فيتحول التفاوض إلى حالة تعليق دائم. الانقسام داخل النظام الإيراني حقيقي على مستوى آليات اتخاذ القرار لكنه لا يرقى إلى تفكك النظام بل إنه يعكس صراعاً بين أدواته ويعد أحد أهم أسباب التعثر".

الأذرع ليست خياراً تكتيكياً يمكن التنازل عنه

وحول إمكانية تخلي إيران عن أذرعها في المنطقة، رأى عبد الحميد أن "الأذرع ليست خياراً تكتيكياً يمكن التنازل عنه بل هي جوهر نموذج القوة الإيراني نفسه، فإيران قامت على معادلة تطبقها وهي مركز قرار في طهران + امتداد نفوذ عبر وكلاء في الإقليم، وبالتالي فإن التخلي عن هذه الأذرع لا يعني تعديل سياسة، بل يعني فقدان أدوات التأثير الخارجي والانكشاف المباشر أمام الخصوم وتحول الصراع من "حرب عن بعد" إلى مواجهة مباشرة لذلك فإن التخلي الكامل عن الأذرع غير مرجح نهائياً لأنه يعادل التخلي عن فلسفة النفوذ نفسها".

لكن في المقابل بحسب عبد الحميد "يمكن تتغير حالة الأذرع ووظيفتها، فلو نظرنا الآن نجد تحولاً نوعياً للذراع اللبنانية المتمثلة في "حزب الله" نجدها في حالة إنهاك، والساحة السورية خرجت من المدار الإيراني، وفي العراق لم يعد مجال نفوذ مطلق كما كان سابقاً، وفي اليمن تحول الحوثي إلى الذراع الأكثر نشاطاً وهذا دوره قادم، ومن هنا فإننا أمام انتقال من شبكة أذرع متماسكة تقودها طهران إلى شبكة مضطربة متفاوتة القدرة لا تعمل بالكفاءة السابقة، وهذا يعني أن الأذرع فقدت الانضباط المركزي والقدرة على العمل كمنظومة واحدة، ومن هنا يصبح خيار إيران ليس التخلي أو الإبقاء بل إما إعادة ضبط هذه الشبكة أو الاكتفاء باستخدامها كأدوات إزعاج لا كأدوات حسم وأعتقد أن الأمور تسير نحو الاحتمال الثاني".

شريف عبد الحميد هو باحث ومحلل سياسي مصري مختص في الشأن الإيراني، ويشغل منصب رئيس مركز الخليج للدراسات الإيرانية، وهو مركز بحثي يعنى بدراسة السياسات الإيرانية وتداعياتها الإقليمية والدولية. كما يشرف على مجلة "شؤون إيرانية"، ويُعد من الأصوات البحثية البارزة في تحليل التحولات السياسية والاستراتيجية في إيران والمنطقة، مع حضور منتظم في الندوات والحوارات المتخصصة في قضايا الشرق الأوسط.

(أم)

ANHA