"الهجمات على الشيخ مقصود والأشرفية تعمّق أزمة الثقة وتنسف مسار التسوية السياسية"

أكد السياسي جان مراد، أن الهجمات على حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب تكشف رفضاً ضمنياً من قبل الحكومة الانتقالية لأي تسوية سياسية مع الإدارة الذاتية كشريك في مستقبل سوريا، وتنسف أي تقدم في المفاوضات بين الطرفين، وتقوّض تطبيق اتفاقية 10 آذار، في ظل غياب قرار سياسي واضح، محذراً من أن استمرار الأعمال العدائية يكرّس الشرخ ويعمّق عامل عدم الثقة بين الحكومة والمواطن.

"الهجمات على الشيخ مقصود والأشرفية تعمّق أزمة الثقة وتنسف مسار التسوية السياسية"
الخميس 25 كانون الأول, 2025   09:58
الحسكة
بوطان حسين

شنّت الفصائل التابعة للحكومة الانتقالية في سوريا، ليلة 22 كانون الأول الجاري، هجوماً بالأسلحة الثقيلة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، اللذين عُرفا بصمودهما ومقاومتهما وانتهاجهما حرب الشعب الثورية طوال الأزمة السورية، وما تعرضا له من حصار خانق من قبل نظام البعث.

وأسفرت الهجمات عن استشهاد امرأة وإصابة 19 شخصاً آخرين بجروح، بينهم أطفال ونساء، إضافة إلى فرض حصار خانق على الحيين، ما يعيد إلى الأذهان أساليب حكم نظام البعث.

وفي السياق، أشار السياسي وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي، جان مراد، إلى دلالات الهجمات الأخيرة لمسلحي الحكومة الانتقالية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، معتبراً أنها حلقة جديدة من سلسلة قديمة لا يمكن قراءتها خارج السياق التاريخي أو فصلها عن السياقين السياسي والإقليمي، ولا عن توقيتها المتزامن مع زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.

ورأى جان مراد أن هذا التزامن مؤشر خطير يوضح تعقيدات المرحلة الانتقالية في سوريا، ويكشف بوضوح أن الأطراف المغتصبة للسلطة في دمشق، على حد وصفه، تعيد إنتاج التبعية ولكن هذه المرة بالثوب التركي بدلاً من الإيراني، وتسعى لإثبات "الانضباط" مع الإرادة التركية عبر استهداف تجربة الإدارة الذاتية عموماً والوجود الكردي خصوصاً.

وذكر مراد أن ما جرى ليس حادثاً أمنياً أو مناوشات ناتجة عن التداخل العسكري، بل فعل مقصود يهدف إلى كسر إرادة مجتمع وإعادة إنتاج منطق القوة الذي دمّر سوريا لأكثر من عقد، مشيراً إلى أن هذه الأحياء كانت منذ السنوات الأولى للأزمة هدفاً ثابتاً لمحاولات السيطرة من فصائل مرتبطة مباشرة بتركيا وتعمل وفق أجندتها في سوريا والمنطقة.

ولفت إلى أن تلك المجموعات سعت منذ عام 2012 إلى إخضاع الحيين بالقوة بسبب رمزيتهما السياسية والاجتماعية، كمساحتين حافظتا على قرارهما المستقل ورفضتا الانخراط في مشاريع الطائفية والفوضى.

وأضاف أن الفصائل ذاتها، التي أصبحت اليوم تتبع لوزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية، تعود مجدداً وتحاول، تحت مسمى وغطاء مؤسساتي، إخضاع الحيين وفرض الأمر الواقع.

ورأى مراد أن حيي الشيخ مقصود والأشرفية شكّلا على مدار عقد نموذجاً مغايراً في الإدارة الذاتية وحماية المدنيين ومنع الانزلاق نحو الاقتتال الطائفي، ما جعلهما مصدر إزعاج للقوى التي قامت على الفوضى والسلاح المنفلت.

وأشار إلى أن استخدام الحكومة الانتقالية أدوات الماضي، في إشارة إلى أسلوب الحكم البعثي من تهديد ووعيد وفرض حصار وقصف، يعكس عجزاً عن التعاطي مع المتغيرات الجديدة في سوريا، ويكشف رفضاً ضمنياً لأي تسوية تعترف بالإدارة الذاتية كشريك أساسي في مستقبل البلاد.

وأكد أن بناء سوريا الجديدة لا يتم عبر إخضاع المناطق الآمنة بالقوة، بل عبر الاعتراف بالتعددية السياسية والقومية، واحترام نموذج الإدارة الذاتية الذي أثبت قدرته على حفظ الأمن والاستقرار وتثبيت التعددية حيث فشلت السلطات المركزية منذ حكم البعث حتى اليوم.

ونوه إلى أن الهجمات الأخيرة تهدف عملياً إلى نسف أي حديث عن تقدم في المفاوضات بين دمشق والإدارة الذاتية، وتشكل ضربة مباشرة لمسارها وتقوض اتفاقية 10 آذار، وتضعف عامل الثقة الضروري لإنجاحها، كما تكشف غياب القرار السياسي وهيمنة التيار العسكري ـ الأمني الرافض لأي حل ديمقراطي حقيقي، واستمرار الذهنية البعثية رغم سقوطها.

وأضاف أن على الحكومة الانتقالية في دمشق أن تدرك أنها أمام اختبار حقيقي في الالتزام بالحل السياسي ووقف الاعتداءات، مؤكداً أن النار لا تقود إلى الدولة، وأن الوحدة الوطنية لا تُفرض بالقوة، ولا مستقبل لسوريا من دون الاعتراف بالإدارة الذاتية وحقوق جميع المكونات.

وحول نية الحكومة الانتقالية في بناء سوريا جديدة، رأى مراد أن الهجمات الأخيرة تبرز تناقضاً صارخاً بين الخطاب السياسي المعلن والوقائع على الأرض، التي تعكس استمرار العقلية الإقصائية ذاتها التي أنكرت حقوق الكرد وبقية المكونات لعقود.

وحذر من أن استمرار هذه التصرفات العدائية يرسل رسائل مقلقة، ويؤكد أن مسار إعادة بناء الدولة لم يتحرر بعد من إرث البعث وصراعات السلطة، وعدم الاستفادة من دروس الماضي، ما قد يعيد إنتاج الأزمات على حساب السوريين.

وفي ختام حديثه، أكد السياسي وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي جان مراد أن استمرار هذا النهج يعمّق فقدان الثقة بين المواطنين والحكومة الانتقالية، ويزيد الشرخ بين المجتمعات السورية.

(ح)

ANHA