توم باراك وسياسته في سوريا

من هو توم باراك الذي أوكل إليه دونالد ترامب مهام واسعة في أهم ملفات الشرق الأوسط؟ وخلال عام من اختياره مبعوثاً أمريكياً خاصاً إلى سوريا، ما أبرز الأحداث التي شهدتها البلاد، وكيف انعكست سياساته على الأرض؟

توم باراك وسياسته في سوريا
الثلاثاء 2 حزيران, 2026   10:27
مركز الأخبار
دوغان جيهان

في وقت تتزايد فيه التوقعات بانتهاء مهمة توم باراك كمبعوث أمريكي خاص إلى سوريا، كشفت التصريحات الصادرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية عن بدء مرحلة جديدة في سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط. فبعد أن أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو انتهاء مهمة باراك في سوريا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكليفه بمهام جديدة لا تشمل سوريا فقط، بل العراق أيضاً، بصفة مبعوث رئاسي خاص.

ويشير هذا القرار إلى حجم الثقة التي تمنحها إدارة ترامب لباراك، الذي بات يُنظر إليه كأحد أكثر ممثلي واشنطن تأثيراً في المنطقة. وباراك، الذي يشغل أيضاً منصب السفير الأمريكي لدى تركيا، أصبح من أبرز الشخصيات الأمريكية الفاعلة في ملفات تركيا وسوريا والعراق.

لكن التصريحات المتباينة الصادرة من واشنطن خلال يوم واحد أثارت تساؤلات حول آليات صنع القرار داخل إدارة ترامب، أكثر مما سلطت الضوء على شخصية باراك نفسها. فبعد إعلان روبيو انتهاء مهمته في سوريا، جاء إعلان ترامب عن منحه صلاحيات جديدة ليطرح تساؤلات حول التنسيق الداخلي وآلية إدارة السياسة الخارجية.

من جهة أخرى، يُعرف باراك في ملفات سوريا والعراق بأنه شخصية قريبة من الرؤية التركية، وهو ما يثير انتقادات لدى الأوساط السياسية الكردية، وبعض القوى المناهضة لإيران، ودوائر أمنية إسرائيلية. ويرى مراقبون أن دوره لا يقوم على إحداث تغييرات جذرية في موازين القوى، بل على إعادة ترتيب العلاقات بين الأطراف المختلفة بما يخدم المصالح الأمريكية.

من هو توم باراك ولماذا يتمتع بهذا النفوذ؟

ينحدر توماس جوزيف باراك من عائلة لبنانية مهاجرة، ويُعد من أبرز رجال الأعمال في الولايات المتحدة، حيث بنى ثروة بمليارات الدولارات من خلال استثمارات واسعة في قطاع العقارات.

كما أنه صديق وشريك سياسي للرئيس دونالد ترامب منذ أكثر من أربعة عقود، ولعب دوراً مهماً في حملة ترامب الانتخابية عام 2016، ويُعرف بأنه من أكثر الشخصيات التي تحظى بثقة الرئيس الأمريكي.

ولا يأتي نفوذ باراك من خبرة دبلوماسية تقليدية، بل من علاقاته الشخصية المباشرة مع ترامب وشبكة علاقاته الواسعة مع قادة ومسؤولي المنطقة، وهو ما دفع إدارة ترامب إلى الاعتماد عليه كلاعب رئيسي في ملفات الشرق الأوسط.

استراتيجية باراك في سوريا

استندت سياسة باراك في سوريا إلى ثلاثة أهداف رئيسة: "إخراج دمشق من عزلتها الدولية، تخفيف العقوبات الأمريكية، تسريع عملية التطبيع الإقليمي".

وخلال فترة عمله، كان من أبرز الداعمين للحكومة المؤقتة في سوريا على الساحة الدولية، وسعى إلى تشجيع الدول الغربية على إعادة بناء علاقاتها مع دمشق.

إلا أن هذا التوجه، بحسب منتقديه، ترافق مع تجاهل الانتهاكات الحقوقية والهجمات التي تعرضت لها بعض المكونات السورية، إذ اعتبروا أن واشنطن ركزت على دعم الحكومة المؤقتة بغض النظر عن التطورات الميدانية.

الهجمات على العلويين وموقف باراك

من أكثر الملفات إثارة للجدل خلال فترة باراك الأحداث التي شهدها الساحل السوري ضد العلويين.

فمنذ آذار 2025، شهدت محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وريف حمص هجمات واسعة، قتل خلالها أكثر من 1600 شخصاً على ما رصدته وكالتنا. كما أشارت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية إلى وجود أدلة على عمليات قتل ميدانية.

ورأى المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، منتقداً أن واشنطن لم تمارس ضغوطاً كافية على دمشق، واتهام الولايات المتحدة بـ "التغاضي عن المجازر مقابل الاستقرار السياسي".

أحداث السويداء والهجمات على الدروز

شهدت محافظة السويداء أيضاً أزمة كبيرة خلال فترة باراك، حيث قُتل في تموز أكثر من 1700 شخص وأصيب أكثر من 200 آخرين على ما رصدته وكالتنا، خلال اشتباكات اندلعت بين القوات الحكومية وأيضاً فصائل مسلحة محلية عرفت مؤخراً باسم "الحرس الوطني".

وأشارت تقارير دولية منها تقرير منظمة العفو الدولية، الذي صدر بتاريخ الثاني من أيلول العام الفائت، إلى وقوع انتهاكات أقدمت عليها القوات الحكومية بحق المدنيين، وانتهكت حقوق الانسان، وأكدت إعدامات خارج نطاق القضاء تستوجب المساءلة والتحقيق المستقل.

ورغم الجهود الدبلوماسية التي بذلها باراك لمنع مواجهة مباشرة بين سوريا وإسرائيل على خلفية ذلك، وجه رئيس الطائفة الروحية للمسلمين الموحدين، حكمت الهجري، انتقادات للمجتمع الدولي بسبب ما عدّه تقاعساً عن حماية المدنيين ووقف الانتهاكات في السويداء، وطالب بضمانات دولية وحماية دولية للمدنيين خلال الأزمة.

الملف الكردي

كان الملف الكردي من أكثر القضايا التي تعرّض باراك بسببها للانتقادات.

فعلى الرغم من الاتفاقيات الموقعة بين الإدارة الذاتية ودمشق في 10 آذار، وتلك بين مجلس الشيخ مقصود والأشرفية والسلطات في حلب 1 نيسان، شهدت مناطق عدة، وخاصة الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، توترات وحصارات وهجمات متكررة.

كما توسعت المواجهات لتشمل مناطق في دير الزور والرقة والطبقة ودير حافر وتشرين وكوباني ومحيطها، منذ بداية العام الجاري في كانون الثاني.

وترى أوساط سياسية كردية من بينها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، أن باراك دعم باستمرار دمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، لكنه لم يقدم ضمانات كافية لأمن الكرد أو لمكانتهم السياسية المستقبلية.

وأدت تلك التطورات إلى نزوح آلاف الأشخاص وفقدان آخرين، إذ هجر أكثر من 160 ألف شخص من الشيخ مقصود والأشرفية وحدها، فيما لا يزال أكثر من 200 مقاتل من قسد اسير لدى الحكومة المؤقتة، ووجود مئات المفقودين المدنيين مصيرهم مجهولاً.

المقاتلون الأجانب والجدل الأمني

أثارت مشاركة شخصيات سبق أن ارتبطت بتنظيمات مثل القاعدة وجبهة النصرة ومرتزقة داعش ضمن هياكل الحكومة المؤقتة جدلاً واسعاً.

ومنح بعض العناصر الأجانب المتهمين بانتهاكات حقوقية مواقع داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية، من بينهم أبو محمد التركستاني (قيادي أيغوري ميداني)، أبو أسامة الأوزبكي، عبد الله منصور، أبو رضوان التركستاني.

ويرى منتقدون أن واشنطن لم تتخذ موقفاً حازماً من هذه القضية، مما زاد الجدل حول التناقض بين خطاب "مكافحة الإرهاب" والواقع على الأرض.

عودة داعش

خلال فترة عمل باراك، رصدت وكالتنا تصاعداً في نشاط مرتزقة داعش داخل سوريا، وكذلك تحول السجون الخاصة باحتجاز المرتزقة إلى زنازين خاوية بعد سيطرة الحكومة المؤقتة عليها من بينها الشدادي، وكذلك المخيمات التي كانت تحتجز فيها أسر داعش - مخيم الهول مثالاً.

وأسهم ذلك لإعادة تشكيل خلايا جديدة وشن هجمات ضد القوات الأمنية والمدنيين في عدد من المناطق، من بينها التي استهدفت القوات الامريكية في تدمر، والذي أدى لمقتل جنديين ومترجم.

الأزمة الاقتصادية

رغم سياسة التطبيع التي دعمها باراك، لم يتحقق التحسن الاقتصادي المأمول في سوريا.

فاستمرت معدلات البطالة والفقر المرتفعة، وتواصلت أزمات الكهرباء والمياه والمحروقات، فيما بقي ملايين السوريين يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

كما يرى معارضون أن السلطات الجديدة تتجه نحو بناء نظام ذي طابع ديني ومركزي أكثر من توجهها نحو التعددية السياسية.

إرث مثير للجدل

تنتهي مهمة توم باراك في مرحلة شهدت حصول دمشق على قدر أكبر من الشرعية الدولية، وتخفيفاً للعقوبات الأمريكية، وتسارعاً في مسار التطبيع الإقليمي.

لكن الفترة نفسها شهدت أيضاً أحداث الساحل السوري، وأزمة السويداء، والتوترات في المناطق الكردية، والجدل حول العناصر الأجانب، وعودة نشاط داعش، واستمرار الأزمة الاقتصادية.

وبينما يراه مؤيدوه دبلوماسياً أعاد سوريا إلى الساحة الدولية، يعدّه منتقدوه ممثلاً للسياسة الأمريكية التي فضلت المصالح الإقليمية على قضايا حقوق الإنسان والمطالب الديمقراطية.

أما تكليفه بملف العراق إلى جانب سوريا، فيشير إلى أن نفوذه في الشرق الأوسط لم يتراجع، بل ازداد اتساعاً. ومع ذلك، يبقى الإرث الذي تركه في سوريا موضوعاً للنقاش والجدل في السنوات المقبلة.

(أم)

ANHA