اغتيال نصر الله يدخل المنطقة في المجهول

تلقى حزب الله ضربة معنوية هائلة بعد اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، حيث دخلت المنطقة في المجهول، ولاسيما بعد أسبوعين من الضربات الجوية الإسرائيلية المكثفة والعمليات السرية التي استهدفت قيادات الحزب وعناصره وترسانته ومخازنه، رافقه اليوم توغل إسرائيل بري في جنوب لبنان.

اغتيال نصر الله يدخل المنطقة في المجهول
الثلاثاء 1 تشرين الأول, 2024   10:26
بيروت
رانيا عبيد

دخل الشرق الأوسط مرحلة مفصلية بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وهي مرحلة ممزوجة بالغموض والضبابية والمجهول. فليس من السهل في أقل من أسبوعين ما تلقاه الحزب من ضربات اسرائيلية شملت تدمير منظومة الاتصال فتدمير مواقع عسكرية ومخازن أسلحة، إلى سلسلة اغتيالات لقيادات الحزب البارزة، وصولاً إلى الضربة الكبيرة باغتيال نصر الله، والتوغل في جنوب لبنان. 

فعلى الرغم من بناء حزب الله بقيادة نصر الله على مدار ثلاثين عاماً، قدرات عسكرية هائلة وتعزيز نفوذه السياسي المحلي ومكانته ونمو ترسانته من الصواريخ والقذائف والطائرات بدون طيار والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع ومكافحة التجسس والقوات الخاصة في المنطقة، إلا أن إسرائيل استفادت من تجاربها السابقة واستخدمت قدراتها الاستخباراتية المتطورة وخططت لتنفيذ عمليات عسكرية دقيقة، استهدفت كوادر الحزب وقدراته ومخازنه وقيادته، وهي كما تقول ستواصل عملياتها العسكرية حتى القضاء عليه، بالتزامن مع سعيها للقضاء على ما تبقى من كوادر حماس والحوثيين وكل التابعين لإيران والتي تشكل تهديداً لها ولأمنها.

إلى ذلك، تتجه الأنظار إلى كيفية الرد من إيران ومحاورها في المنطقة على ضربات اسرائيل الأخيرة التي خرقت الخطوط الحمر، ولاسيما بعد اغتيال نصر الله الذي كان يعدّ العمود الفقري لمحورها في المنطقة.

هل يستعيد حزب الله هيبته بعد نصر الله؟

العميد المتقاعد أندريه بو معشر ذكر لوكالتنا أن التحدي الأول اليوم هو كيف سيعيد حزب الله تنظيم نفسه في ظل الضربات الكبيرة التي طالته والتي لحقت بقيادته ومنظومته، وأضاف أنه من المؤكد أن الحزب سيستمر بنهجه، والمرحلة المقبلة ستكون مرحلة إعادة تقييم وإعادة قراءة للمشهد الجيوسياسي، فالحزب يمتلك قدرات عسكرية كبيرة على الرغم من تضرر البعض منها لكن هنالك قدرات لم تستخدم بعد.

ويرى بو معشر أن إعادة تنظيم الحزب يحتاج إلى وقت لناحية إعادة تعيين القادة في كل الوحدات، من الأمين العام الذي سيخلف نصر الله إلى العناصر القتالية على الأرض، كما إعادة تفعيل منظومة القيادة لناحيه الاتصالات.

وأوضح بو معشر أن على الحزب الآن التدقيق في حجم الخرق الأمني الذي سمح بكشف نظامه الداخلي أمنيا وسمح بأحداث هذه الهجمات ونجاحها.

معضلة إيران مصالحها الشخصية

هذا، وتنظر إيران إلى الصراع مع اسرائيل من باب مصالحها الوطنية العليا، فهي حسب بو معشر لا تريد المواجهة الشاملة مع إسرائيل، واعلنت صراحة عن ذلك مرات عدة، وبالتالي لا تريد الذهاب إلى تعريض برنامجها النووي إلى الخطر، وتهتم لأن تبقى اللاعب الإقليمي في المنطقة من خلال محاورها في المنطقة.

ونوه بو معشر أنه من المؤكد أن اغتيال نصر الله أثّر بشكل مباشر على قدرة إيران في التأثير على مجريات الوضع الإقليمي، إنما ستبقى إيران من خلال الدعم المادي والعسكري قادرة على التأثير على مجريات الوضع الإقليمي للحلفاء كحماس وحزب الله والحوثيين، بالإضافة إلى الأمر الذي يتعلق بنظرة الرئيس الايراني الجديد المنتخب مسعود بزشكيان في ظل توجيهات المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.

والسؤال هل هنالك تبدلات استراتيجية في الموقف الإيراني ستفضي إلى تغييرات جوهرية في المقاربة الاستراتيجية لمواجهة اسرائيل؟ الجواب حسب بو معشر رهن الأيام القادمة، بالإضافة إلى معرفة مدى استجابة الولايات المتحدة مع العرض الذي قدمته إيران لإمكانية وجود حلول دبلوماسية وكل ذلك رهن التطورات.

إسرائيل لن تتوقف عن مواصلة عملياتها حتى تحقيق أهدافها

بالنسبة لإسرائيل، فهي لن تتوقف عن تنفيذ أهدافها السياسية بكل الوسائل العسكرية مهما كلفها الأمر، وحسب بو معشر لا يمكن أن يقف أحد أمام نتنياهو حتى الدول الكبيرة التي لم تستطع حتى الآن الضغط عليه للتوقف عن أعماله العسكرية أو الدفع نحو الحلول الدبلوماسية ولا سيما الولايات المتحدة.

ويضيف بو معشر أن هنالك سلسلة أهداف لإسرائيل قريبة وبعيدة الأمد يسعى نتنياهو لتحقيقها، وقال: "وقد رأينا كيف يسعى لتدمير قدرات حماس وحزب الله وصولاً إلى تدمير كل قوى الممانعة والمحاور التابعة لإيران، وبالتالي فإن إيران تدرك تماماً التهديد الإسرائيلي التي تتعرض له. أما على مستوى حزب الله فعليه أن يثبت قدرته على احتواء الهجوم والتحضير لهجمات معاكسة لردع اسرائيل عن الاستمرار باستخدام الآلة العسكرية والدفع نحو الحل الدبلوماسي الذي يطالب به لبنان والدول الكبرى التي تسعى لتحقيقه".

الولايات المتحدة في حالة من التناقض السياسي

الولايات المتحدة لا تريد أن تتجه المنطقة إلى حرب شاملة كي لا ينعكس ذلك على حركة الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي وأمن الشرق الأوسط ككل، وحتى كي لا تعرّض مصالحها الوطنية في المنطقة للخطر حسب بو معشر، لكن في الوقت عينه الولايات المتحدة تقف إلى جانب إسرائيل وتدافع عن مصالحها في المنطقة وتدعمها في الحق بالدفاع عن نفسها، وهي تضع كل قدراتها العسكرية والاستخباراتية بتصرف إسرائيل ولا تمانع  بالقضاء على حزب الله واضعاف قدراته وتدمير ترسانته العسكرية، وهي من خلال مواقفها رحبت بالعمليات الاسرائيلية على حزب الله.

ولفت أن أمريكا ترى  بان هذا امتداد لموقف أمريكا من نصر الله شخصياً ومن الضحايا الذين سقطوا في تفجير السفارة الأمريكية عام 1983، حيث تعتبر الإدارة الأميركية أنه بمقتل نصرالله "تحققت العدالة"، لذلك فموقفها غير مستغرب تجاه اغتيال نصر الله، أما الجهود الدبلوماسية فيرى بو معشر  أنها غير كافية للدفع باتجاه الحل الدبلوماسي.

 بو معشر نوه: "أنه قد يكون من اللحظات التاريخية أن يكون هنالك تماهي في الموقف الإيراني السعودي من قضية الصراع العربي الاسرائيلي، مع طرح المملكة العربية السعودية لإرساء مبادرات تحالف دولي لإقامة دولة فلسطين من مندرج حل الدولتين".

ويرى أنه يجب أن يكون هنالك تكامل ما بين الطرحين وهما التقارب الإيراني الأمريكي معطوفاً على مبادرة السعودية، قد يوفر المناخ والإطار الصحيح للدفع باتجاه إقرار الحل الشامل والعادل، لوقف شلال الدم والمجازر التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني أو اللبناني أو كل شعوب المنطقة.

على مستوى الحكومة اللبنانية فعليها الدفع نحو الدبلوماسية، فهذا الوقت المناسب لوقف إطلاق النار الكامل والفوري في لبنان، ووضع حد للتصعيد المستمر ولاسيما مع مقتل وجرح الآلاف من المدنيين، بالإضافة إلى تدمير البيوت والقرى وموجة النزوح الهائلة لأهالي الجنوب والبقاع وضاحية بيروت الى المناطق اكثر أمناً، وبالتالي على المجتمع الدولي أن يتحرك على وجه السرعة لضمان تجنب الغزو البري الإسرائيلي للبنان.
وعلى الحكومة أن تتحرك على الفور لاستعادة سيادتها من خلال ضمان تنفيذ  القرار 1701، وانتخاب رئيس قادر على استعادة الوحدة اللبنانية، وإعادة تأكيد دور القوات المسلحة اللبنانية باعتبارها الحامي الوحيد للأراضي اللبنانية.

(أ ب)