سياسي سوري: فشل العدالة الانتقالية قد يدفع سوريا نحو "اللبننة" أو "الصوملة"

أكد السياسي السوري علي رحمون أن تحقيق العدالة الانتقالية يمثل الركيزة الأساسية لبناء سوريا الجديدة، مشدداً على أن نجاح "المرحلة الانتقالية" تتطلب مساراً شاملاً يقوم على المساءلة والمحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، إلى جانب إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، محذراً من أن الفشل في تحقيق هذه العدالة قد يقود البلاد إلى مزيد من الانقسام والفوضى.

سياسي سوري: فشل العدالة الانتقالية قد يدفع سوريا نحو "اللبننة" أو "الصوملة"
الأربعاء 8 تموز, 2026   02:30
مركز الأخبار

تُعدّ العدالة الانتقالية الركيزة الأساسية لطيّ صفحة النزاع في سوريا، من خلال تحقيق المساءلة، وإنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، وإصلاح مؤسسات الدولة، بما يرسخ سيادة القانون ويعيد بناء الثقة بين السوريين. وفي هذا الإطار، تُطرح رؤية تؤكد أن نجاح هذا المسار يشكل الضمانة الحقيقية للاستقرار، فيما ينذر الإخفاق فيه بمخاطر تهدد مستقبل البلاد ووحدتها.

وفي هذا الصدد، أكد نائب الرئاسة المشتركة لـمجلس سوريا الديمقراطية، علي رحمون أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا يمثل مرحلة معقدة، لكنها ضرورية جداً بعد سقوط سلطة نظام البعث الإجرامية، للانتقال من عقود القمع والاستبداد إلى بناء مؤسسات دولة تقوم على سيادة القانون وتحقيق الاستقرار.

وأوضح أن الوصول إلى دولة المواطنة يتطلب من الحكومة المؤقتة في سوريا اعتماد مسار يستند إلى أسس واضحة وآليات شاملة، تجمع بين المساءلة الجنائية القانونية والمحاسبة لجميع الأطراف التي شاركت في الجرائم والانتهاكات بحق السوريين، إلى جانب كشف الحقيقة، وإصلاح المؤسسات، وجبر الضرر.

وأشار رحمون إلى أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحقق إلا بالاستناد إلى مجموعة من الركائز الأساسية، وفي مقدمتها المساءلة الجنائية عبر محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة، كجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، بعد تحديد المسؤولين عنها، مع ضمان عدم إفلات أي طرف من العقاب.

وأضاف أن من الضروري كذلك كشف الحقيقة والاعتراف بمعاناة الضحايا، وتوثيق جميع الانتهاكات التي تعرض لها السوريون بشكل رسمي، كون ذلك حقاً أصيلاً للضحايا وعائلاتهم، إلى جانب جبر الضرر من خلال تقديم تعويضات مادية ومعنوية وإعادة الاعتبار للضحايا، فضلاً عن توفير ضمانات عدم التكرار عبر إصلاح جذري للمؤسسات، ولا سيما الأمنية والقضائية، بما يمنع عودة الانتهاكات مستقبلاً.

ورأى رحمون أنه، وانطلاقاً من هذه الركائز، ينبغي العمل على تعزيز الإطار القانوني والمؤسسي، من خلال إقرار المجلس التشريعي قانوناً تأسيسياً شاملاً للعدالة الانتقالية، وليس مجرد مرسوم، يحدد اختصاصات "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية"، ويضمن استقلاليتها وكفاءتها القانونية والقضائية، ويمنحها الصلاحيات اللازمة للتعامل مع جميع الانتهاكات. كما دعا إلى إنشاء وحدات للعدالة الانتقالية داخل كل وزارة، بهدف تعميم مبدأ المساءلة.

وشدد على ضرورة ضمان الشمولية والمشاركة، بحيث تضم الهيئة جميع أطياف المجتمع السوري السياسية والمجتمعية، مع إشراك فاعل للمجتمع المدني والضحايا في التصميم والتنفيذ.

كما دعا إلى الاستفادة من الخبرات الدولية، ولا سيما من خلال التعاون مع "الآلية الدولية المحايدة والمستقلة" التابعة للأمم المتحدة، في مجالات التحقيق وملاحقة مرتكبي الجرائم.

وفي المقابل، حذر رحمون من مخاطر تغول السلطة التنفيذية وتسييس العدالة، مؤكداً أن الاقتصار على محاكمة طرف واحد دون غيره يفقد العملية مصداقيتها، كما أن المماطلة في تنفيذ العدالة ستزيد من القلق الشعبي، وقد تدفع نحو الثأر والانتقام الفردي بعيداً عن سلطة القانون.

وأكد أن مستقبل سوريا يتوقف إلى حد كبير على نجاحها في هذا المسار المعقد والصعب، معتبراً أن بناء الثقة في البلاد اليوم بات يشبه ترميم نسيج ممزق ومهترئ، إذ إن انعدام الثقة ليس مجرد شعور، بل نتيجة تراكمية لعقود من القمع والقتل والنزوح والانقسام.

وأوضح أن استعادة الثقة تتطلب من السلطة التنفيذية إدراك أن الثقة تُبنى بالأفعال الملموسة لا بالتصريحات، وأن إعادة الثقة بين المواطنين تستوجب توفير مساحة للاعتراف المتبادل، بما يستدعي إطلاق حوار جاد وحقيقي بين جميع السوريين.

وفي هذا السياق، دعا أولاً إلى بناء الثقة الأفقية بين المواطنين وبين مختلف المكونات السورية، من خلال تفعيل العدالة المجتمعية أو المصالحات المحلية، وعدم انتظار انتهاء المحاكمات الكبرى.

واقترح دعم لجان مصالحة في الأحياء والبلدات ذات التنوع الطائفي والعرقي، بحيث تتولى توثيق الانتهاكات المحلية البسيطة، وتنظيم جلسات اعتذار علنية بين الجيران، وتعويض المتضررين مادياً ومعنوياً ضمن النطاق المحلي، بما يسهم في احتواء مشاعر الانتقام قبل انفجارها.

كما شدد على ضرورة وقف جميع أشكال الخطاب التحريضي وخطاب الكراهية والطائفية ضد أي مكون سوري، والعمل على إطلاق مبادرات اقتصادية محلية مشتركة تجمع بين العائلات النازحة والمقيمة في مشاريع زراعية أو حرفية، بما يعزز المصالح المشتركة ويكسر حواجز الخوف.

أما على مستوى بناء الثقة العمودية (مع السلطة التنفيذية)، فأكد رحمون أهمية إصدار عفو شامل واستثنائي عن المعتقلين السياسيين، وإعادة الحقوق المدنية إليهم، وإطلاق سراح كل من أوقف أو حوكم على خلفية سياسية أو بسبب الرأي، مع إعادة الاعتبار الوظيفي لمن فصلوا تعسفاً، وإلغاء الملاحقات القضائية بحق الناشطين على خلفية آرائهم السابقة، شريطة عدم تورطهم في جرائم دم.

ودعا كذلك إلى فتح ملف المختفين قسراً والمفقودين بوصفه أولوية وطنية قصوى، من خلال إنشاء هيئة مستقلة تعمل بشفافية كاملة، وتتعاون مع المنظمات الدولية لكشف مصير المفقودين وأسمائهم، مع تقديم تعويضات عاجلة لأسرهم، مؤكداً أن هذه القضية تمس معظم البيوت السورية، وأن معالجتها تمثل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة.

كما طالب بإعادة هيكلة جهاز الشرطة والأمن الداخلي، عبر الفصل الكامل بين مهام الأمن ومهام الاستخبارات، ووضع نظام قانوني للمراجعة المجتمعية للشرطة، مع ضمان عدم التعرض.

وأشار رحمون إلى أهمية الحلقة الوسيطة التي تربط بين الثقة الأفقية والثقة العمودية، موضحاً أنه لا يمكن الفصل بينهما، إذ يعتمدان على المشاركة في صنع القرار المحلي. ولذلك دعا إلى تمكين المواطنين من تشكيل "مجالس حي" تتمتع بصلاحيات تخطيطية ورقابية على أداء الدوائر الحكومية كل منطقة كهيئة رقابة شعبية، بما يسمح للمواطنين، على اختلاف انتماءاتهم، بالعمل معاً في معالجة مشكلاتهم ومراقبة أداء السلطات، الأمر الذي يعزز الثقة المتبادلة بينهم، وكذلك ثقتهم بالدولة.

وأكد رحمون أن الطريق إلى بر الأمان يبدأ بالإقرار بالأخطاء والاعتراف بها قبل المطالبة بالصفح، معتبراً أن إصدار السلطة وثيقة رسمية تعترف فيها بالأخطاء والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها السلطة السابقة بحق السوريين، وكذلك بما ارتكبته الأطراف الأخرى، مع البدء بتعويض الضحايا قبل محاكمة الجلادين والمجرمين، مما سيشكل ثغرة في جدار الخوف تسمح باستعادة الثقة تدريجياً، بينما ستؤدي المماطلة أو الإنكار إلى إبقاء السوريين في دائرة انتظار سقوط الآخر.

وحذر رحمون من أن إخفاق السلطة الانتقالية في تحقيق العدالة الانتقالية لن يعني مجرد فرصة ضائعة، بل سيدفع البلاد إلى نفق طويل من الأزمات، تتحول فيه آثار الحرب من دمار مادي إلى أزمة بنيوية تهدد وجود الدولة نفسها.

وأوضح أن النتائج المباشرة لهذا الإخفاق ستتمثل في تكريس ثقافة الانتقام والثأر الأهلي، نتيجة غياب المحاكمات وتعويض الضحايا، بما يدفع العائلات والعشائر إلى أخذ حقوقها بأيديها، وانتشار عمليات التصفية خارج إطار القضاء، إلى جانب تنامي نفوذ العصابات المنظمة الساعية إلى السيطرة على مختلف مفاصل الحياة.

وأضاف أن الإخفاق سيؤدي أيضاً إلى انهيار النسيج الاجتماعي بصورة نهائية، وهجرة الكفاءات من أطباء ومهندسين وأكاديميين، وتحول المدن إلى أحياء مغلقة طائفياً، مع فقدان جيل كامل لمفهوم الوطن الجامع.

كما لفت إلى أن غياب العدالة الانتقالية سيعطل جهود إعادة الإعمار، لأن الجهات الدولية المانحة، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، تربط تمويلها بوجود آليات مساءلة حقيقية، الأمر الذي يعني استمرار العقوبات الاقتصادية وغياب الاستثمارات، وبقاء المدن مدمرة وارتفاع معدلات الفقر.

ورسم رحمون ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل سوريا في حال غياب العدالة الانتقالية، أولها سيناريو "اللبننة"، حيث تبقى سلطة مركزية ضعيفة غير قادرة على فرض سيادتها خارج العاصمة، مع تقاسم القوى الخارجية، مثل روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، لمناطق النفوذ، واستمرار الأزمات والانفجارات المتقطعة.

أما السيناريو الثاني فهو "الصوملة"، والذي يتمثل في انهيار مؤسسات الدولة الرسمية، بما فيها الجيش والمصرف المركزي، وتحولها إلى مؤسسات شكلية، مع سيطرة الفصائل المسلحة على الأرض.

في حين يتمثل السيناريو الثالث في إعادة إنتاج الاستبداد، عبر صعود طرف عسكري يفرض الأمن بالقوة والقمع، بحجة أن الاستقرار يسبق العدالة، إلا أن هذا الاستقرار سيكون هشاً وقائماً على الخوف، وسينتهي إلى موجات متجددة من الانتفاضات، مع استمرار عزلة سوريا الدولية.

وعلى المستوى الإقليمي والدولي، رأى رحمون أن فشل العدالة الانتقالية سيؤدي إلى استمرار تدفق اللاجئين نحو تركيا وأوروبا، بما يغذي صعود اليمين المتطرف، ويحول قضية اللجوء إلى ورقة ضغط سياسية، فضلاً عن توفير بيئة خصبة لعودة التطرف عبر بقايا داعش وهيئات النصرة، واستغلالها لحالة الفوضى والإحباط في عمليات التجنيد، إضافة إلى تحويل البادية السورية إلى قاعدة انطلاق لتهديد الاستقرار بالمنطقة·

وختم السياسي السوري ونائب الرئاسة المشتركة لمجلس سوريا الديمقراطية، علي رحمون بالتأكيد على أنه، في حال الإخفاق، لن يكون هناك "بر أمان" يمكن الوصول إليه، بل ستتحول سوريا إلى حالة مستعصية إدارياً وإنسانياً، تُدار بالأزمات واليأس، وتترك الأجيال المقبلة أمام صراع مفتوح بلا نهاية، مؤكداً أن العدالة الانتقالية ليست ترفاً أخلاقياً، وإنما الآلية الوحيدة القادرة على نزع فتيل الانفجار الداخلي، وأن السوريين سيبقون أسرى ماضيهم، وعاجزين عن بناء مستقبلهم، إذا لم تتحقق عدالة انتقالية شاملة وحقيقية.

(أم)

ANHA