آلدار خليل: سوريا الجديدة يجب أن تكون ديمقراطية تراعي حقوق جميع مكوناتها

في خضم التحولات الكبرى التي تعصف بسوريا، ومع التغيرات التي طرأت على المشهد بعد إسقاط نظام البعث، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل البلاد وشكل نظامها الجديد. وفي هذا الحوار مع عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، آلدار خليل، نستعرض رؤيته لمستقبل سوريا، ونناقش قضايا الإدارة الذاتية، وخطوات بناء سوريا ديمقراطية تضمن حقوق جميع مكوناتها وشعوبها.

آلدار خليل: سوريا الجديدة يجب أن تكون ديمقراطية تراعي حقوق جميع مكوناتها
الجمعة 13 كانون الأول, 2024   08:56
مركز الأخبار
حسن رمو

في ظل التحولات الكبيرة التي شهدتها سوريا خلال الأعوام الماضية، وبين آمال بناء دولة ديمقراطية عادلة ومخاوف انزلاق البلاد في أتون صراعات جديدة، تحدث عضو هيئة الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، آلدار خليل عن رؤيتهم لمستقبل سوريا. مؤكداً أن الثورة لم تنتهِ بعد سقوط النظام، بل هي في مرحلة بناء النظام الجديد، وشدد على ضرورة الابتعاد عن أخطاء الماضي واحتضان التنوع السوري كقوة حقيقية لتوحيد البلاد.

وفي هذا الحوار المطوّل، سلّط آلدار خليل الضوء على القضايا المحورية التي تواجه البلاد، بما في ذلك النظام الإداري الأمثل، دور الإدارة الذاتية كنموذج لسوريا المستقبل، العلاقات مع الأطراف السورية المختلفة، ومخاطر التدخلات الخارجية، خصوصاً التركية. كما ناقش التحديات التي تواجه سوريا وضرورة الوحدة السورية لتحقيق السلام والاستقرار.

نص الحوار هو كالتالي:

* رحل نظام البعث ويقول البعض أن الثورة انتهت. هل هذا الطرح صحيح؟

رحيل نظام بشار الأسد وحزب البعث يعني بدء صفحة جديدة في تاريخ سوريا، ولكن هذا لا يعني بأن الثورة انتهت، بالعكس، الثورة هي فترة بناء، هي مرحلة إنشاء نظام جديد، بدء مرحلة جديدة، لذلك، بمجرد رحيل النظام هذا لا يعني بأن الثورة قد تحققت بقدر ما هي الخطوة الأولى من تحقيق الثورة.

*سوريا دولة تضم العديد من الشعوب ويجب أن ينال الجميع حقوقهم. في هذه الحالة، كيف يجب أن يكون نظام الإدارة في البلاد، وهل تستطيع الإدارة الذاتية أن تصبح نموذجاً لكل سوريا؟

الشعب السوري عانى الكثير، منذ أكثر من 60 عاماً ونحن نعاني من نظام حزب البعث الذي كان مسلطاً على المجتمع السوري بشكل عام، الحريات كانت غائبة، المكونات لم تكن تستطيع التعبير عن ذاتها والعيش حسب حقيقتها التاريخية وبلغتها وهويتها، عشنا أجواء المنع والحظر، ولذلك لا بد من مرحلة جديدة من الحرية والمساواة والعدالة وأجواء الديمقراطية.

لذلك يجب أن تكون سوريا الجديدة ديمقراطية، تعيش فيها جميع المكونات بحرية، تعبر عن ذاتها وعن تاريخها، وعن حقيقة تكوينها من حيث اللغة والتاريخ والثقافة، ومن الجوانب السياسية، الفنية، الاجتماعية وكل الجوانب الأخرى.

سوريا الجديدة يجب أن تختلف عن سوريا القديمة، سوريا ما بعد النظام يجب أن تكون مختلفة أثناء مرحلة نظام البعث، لذلك، يجب أن تلبي سوريا الجديدة طموحات الشعب السوري، فمثلاً الكرد يجب أن يعيشوا بحرية، وأن تتحقق حقوقهم وأن تعالج القضية الكردية، الدروز، العلويين، السنة، السريان، الآشور، الإيزيديين. جميع الديانات، القوميات، المعتقدات يجب أن تعيش بحرية، وهذا موضوع لا بد أن نتناوله في نقاشاتنا مع جميع القوى ذات التأثير في سوريا.

نحن لدينا تجربة ولدينا مشروع بدأنا به منذ 2011 وأنشأنا نظام الإدارة الذاتية الديمقراطية في بدايات عام 2014، مرت أكثر من 10 أعوام على تأسيس هذه الإدارة وهي نموذج يمكن عدّها نموذج حل لسوريا. الإدارة الذاتية الديمقراطية ليس لديها أي توجه بالانفصال عن سوريا. بل تشجع الحياة التشاركية، ومبدأها هو مبدأ الأمة الديمقراطية أي أن جميع المكونات تعيش معاً في ظل أجواء العدالة والمساواة.

في الإدارة الذاتية المجتمع هو من يدير نفسه ذاتياً عبر مجالس وكومينات. وفيها الجميع يعبر عن ذاته، كما أن للمرأة الحرية وتعيش حقيقة كينونتها، والشبيبة وكل مكونات المجتمع لهم دور أساسي ضمن الحياة التي يعيشونها، لذلك تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية هي تجربة توحد سوريا.

باللجوء إلى المشاريع الأخرى هناك خطر وتخوف من حدوث انقسام ضمن سوريا، ولكن بالاعتماد على مشروع الإدارة الذاتية نكون قد تفادينا مخاطر الانقسام، كما أننا نقوي بذلك دعائم الوحدة في سوريا.

*الآن هيئة تحرير الشام هي من توجد في دمشق، وشكلت حكومة انتقالية، هل لديكم علاقات معها؟

هيئة تحرير الشام موجودة في دمشق ولكنها ليست لوحدها، القوى الفاعلة والمؤثرة على الأرض في سوريا ليست حركة أو تنظيم واحد فقط. ما يُعاش في سوريا الآن هو تكاتف لجميع القوى، ولكن حالياً من يتصدر المشهد هو هيئة تحرير الشام.

بخصوص العلاقات هناك جهود لتطوير تلك العلاقات، حالياً هي تتم عبر أطراف أخرى وبطرق غير مباشرة، ولكن أتوقع بأنها ستصل إلى مستويات تمكننا من التواصل المباشر وتحقيق مناقشات أو القيام بمناقشات من شأنها أن تساعد في تطوير الحل في سوريا ومعالجة أغلب القضايا العالقة في سوريا.

*كيف يجب على هيئة تحرير الشام أن تتقرب من السوريين، وكذلك من الإدارة الذاتية؟

هناك نقطة أود لفت الانتباه إليها، وهي أنه في الأيام الأولى من سقوط النظام ما زال الجميع منشغلين بموضوع أن النظام رحل وأننا قد انتهينا من المصيبة أو الواقع التراجيدي الذي كنا نعيشه سابقاً، وهذا يخلق جواً من التفاؤل لدى الناس، وهذا شيء طبيعي على اعتبار أننا تخلصنا من نظام ظالم ومستبد مثل نظام البعث، ولكن الأيام المقبلة تحمل في طياتها الكثير من المخاطر والأمور التي لا بد أن ننتبه إليها. الفرح برحيل النظام لا يعني أن كل شيء انتهى أو أنه عولج كل شيء. أمامنا الكثير من القضايا التي تحتاج إلى مناقشات وتناولها بروية وتعمق كي لا نخطئ في وضع العلاج المناسب لهذه القضايا.

كل من يوجد في دمشق وجميع المناطق السورية عليهم أن يدركوا أن المرحلة المقبلة هي مرحلة تاريخية ونحن جميعاً مسؤولون أمام إنجاحها. نحن من جهتنا نسعى لتشجيع هذه الأطراف التي ذكرتموها كي تساهم في عدم تقليد نظام البعث والممارسات السابقة التي كان يقوم بها، بل على العكس أن نثبت للعالم أجمع بأنه لدينا ثقافة مختلفة وتوجه ديمقراطي واثقون من نجاحه، ولدينا إيمان بأننا نحن السوريون يمكننا العيش معاً ضمن أجواء ديمقراطية وفي أجواء من الحرية.

وكون أن الأزمة متجذرة وعميقة قد تظهر حتى صدامات، مشكلات، اختلاف في الرؤى لمعالجة هذه القضايا، فهذا التنوع الموجود في سوريا بالرغم من أنه منبع ومصدر قوة لتطوير سوريا، ولكنه في الوقت نفسه يحمل في طياته مخاطر إذا لم يتم تناولها بشكل موضوعي واضح، أو إذا حاولت إحدى الأطراف تقليد النظام البائد. إن النظام المخلوع كان يعتمد على صيغة أو طريقة معينة في التعامل مع الآخرين، لا بد للموجودين حالياً في دمشق أن لا يحاولوا تقليدهم في ذلك، وإن حاولوا تقليدهم، هذا يعني أن سوريا لن تصبح سوريا جديدة بل ستكون نسخة منسوخة من سوريا القديمة التي مرت. لذا لا بد من أن نتمثل الحقيقة أو الثقافة الديمقراطية، فقبول الآخر شيء مهم جداً، لا بد للجميع أن يتقبل الآخر مع التنوع الموجود.

حسب الواقع الموجود خصوصاً مع التدخل التركي في سوريا، أخشى أن يكون لهذا التدخل سلبيات أكثر مما نتوقعها، فهي بتدخلها غيرت مسار الثورة خلال السنوات المنصرمة، احتلت مناطق سورية، أثرت حتى في ثقافة الناشطين الذين كانوا يلعبون دورهم في المراحل الأولى من الثورة، حتى أن الكثير من المجموعات التي كانت في بداية الثورة ذات توجهات ثورية، تحوّل بعضها إلى مرتزقة لدى تركيا، لذلك لا بد للجميع أن يدرك بأن الدور التركي هو سلبي جداً في سوريا ويجب علينا أن نعتمد على قدراتنا وإمكانياتنا الذاتية لمعالجة قضايانا بدلاً من الاعتماد أو التعويل على التأثير والنفوذ التركي في المنطقة.

تركيا هي بالأساس لا تخفي حقيقة أنها تسهم في دعم المشروع الإسرائيلي في المنطقة ولها علاقات خفية مع إسرائيل، هي تعلن في الإعلام موقفاً قد يعتقد البعض أنه مناهض لإسرائيل ولكنها تسهم الآن في دعم المواقف الإسرائيلية تجاه سوريا، ولذلك فإن الدور التركي سلبي. إلى جانب أن هناك العديد من الفصائل والمجموعات الموجودة حالياً على الأرض وأخشى أن تظهر تناقضات وصراعات على السلطة فيما بينها والتي قد تتسبب بتوجيه سوريا نحو حرب أهلية وصراعات داخلية، يجب أن ننأى بأنفسنا عن هذه الصراعات. الصراع على السلطة سلبي جداً، مبدأنا الأساسي هو عدم الانجرار إلى الصراع على السلطة بقدر ما نركز جل اهتماماتنا وتوجهاتنا نحو بناء سوريا ديمقراطية.

*بخصوص دير الزور المدينة، توجهت قوات سوريا الديمقراطية إليها بعد سقوط النظام البعثي ولاحقاً انسحبت، قيل الكثير في هذا السياق، ما هي الحقيقة، لماذا ذهبت ولماذا انسحبت؟

عندما وجدنا أن نظام بشار الأسد ينهار وتبينت بوصلة اتجاه الأحداث، أدركنا أنه سيحدث فراغ في تلك المنطقة؛ لأنه لغاية تلك اللحظة كانت قوات نظام البعث موجودة في الجانب الآخر من دير الزور، لذلك، تناقشت الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية في هذا الأمر، ووجدت أن حدوث فراغ سيستغله داعش ولن يتأخر في الهجوم على دير الزور أو محاولة الاستيلاء عليها.

إن قسد لم يكن لديها مشروع أو مخطط سابق بخصوص دير الزور، لأنها كانت موجودة في الجانب الشرقي لنهر الفرات، ولكن عندما تبين بأنه سيحدث فراغ، اتخذت التدابير كي لا يتوسع داعش في المنطقة وأن لا يسيطر على دير الزور كون هذه المدينة عاشت المعاناة سابقاً، ففي السابق عندما قدم داعش إلى دير الزور ارتكب المجازر فيها.

بالفعل كانت خشية قوات سوريا الديمقراطية أن يتعرض أهالينا في دير الزور للمجازر والفظائع، لذلك كانت المبادرة بأن يتم سد الطريق أمام ذلك الفراغ، وكانت قسد موجودة هناك إلى أن اقتربت القوات التابعة لهيئة تحرير الشام، وبقدومها تم التواصل بين الطرفين وأخبرتهم قسد بأنه ليس لديها أي نية بالبقاء في المنطقة بقدر ما هي تريد ضمان بأن لا يستغل داعش تلك الفرصة، وعندما أكدت هيئة تحرير الشام أنها هي التي ستكون موجودة في المنطقة، عادت قوات سوريا الديمقراطية إلى مناطقها السابقة. لم يحدث أي اشتباكات أو مواقف عدوانية بين الطرفين، سوى أنهم اتفقوا فيما بينهم بأن لا يتركوا أي مجال لداعش كي لا يستغل الفرصة ويقوم بالاستيلاء على دير الزور.

*ماذا جرى في الشهباء ولماذا تم الانسحاب؟ وما هي الأوضاع في الشيخ مقصود والأشرفية؟

كما تعلمون؛ أهلنا الموجودون في الشهباء أغلبهم كانوا من أهلنا النازحين والمهجرين قسراً من عفرين عام 2018، عندما قام الاحتلال التركي باحتلال مدينتهم، لذلك عندما نزحوا لم يريدوا الابتعاد عنها وقرروا البقاء بقربها بغية تطوير المقاومة ودعم قوات تحرير عفرين على أمل العودة إلى ديارهم. وإلى جانبهم كان هناك السكان الأصليين من قرى الشهباء أيضاً في تلك المنطقة، ولكن مع تطور هذه الأحداث وهجوم بعض المجموعات على تل رفعت وخروج قوات النظام من حلب، هذه الأمور غيّرت المعادلة.

في البداية حاولت قوات سوريا الديمقراطية فتح ممر آمن للوصول إلى الشهباء من أجل ضمان عدم تعرض أهالينا هناك لمجازر، ولكن عندما انهارت القوات الموجودة في حلب وانسحبت روسيا والقوى العسكرية من تلك المنطقة وتغيرت موازين القوى العسكرية، آنذاك لم تتمكن قسد من فتح الممر الآمن إلى الشهباء وهذا طبعاً أثار مخاوف أخرى تتعلق بأنه في حال عدم وجود ممر آمن بين الشهباء ومناطق شرق الفرات فأن هذا يعني بأن المجازر والفظائع سترتكب بحق أهالينا في الشهباء، ولذلك تم اتخاذ قرار إنقاذ أهلنا الموجودين هناك من احتمالات تعرضهم للمجازر، ويوماً بعد يوم نتيقن بأن ذلك القرار كان صائباً كون التجارب التي نلاحظها في الساحل السوري تشير إلى أن تلك المجموعات لديها روح انتقامية تجاه من يختلف معها في الرأي، ولذلك تم انقاذ ما تيسير من أهلنا هناك حسب الإمكانيات المتوفرة وحسب الاتفاقيات التي تمت عن طريق القوى الدولية.

وحيث أن هؤلاء كانوا لاجئين هناك فقد كان وضعهم مختلفاً عن وضع الشيخ مقصود والأشرفية، أهلنا الموجودون في هذين الحيين ليسوا لاجئين ونازحين بل يسكنون هناك منذ عشرات السنين وبعضهم منذ بدايات تشكل محافظة حلب، لذلك تاريخياً تلك المنطقة منطقتهم. في الشيخ مقصود والأشرفية الكل باقٍ في منزله ويحافظون على وجودهم، ولكن وضع الشهباء يختلف.

نحن ندرك كمّ المعاناة التي عاشها وما زال يعاني منها أهلنا النازحون من عفرين وهم بذلك يسطرون ملاحم من المقاومة، ما زالوا يتابعون مقاومتهم التي بدأت منذ تأسيس الإدارة الذاتية وثورة وروج آفا مروراً بمقاومة عفرين وصولاً حتى هذه اللحظة التي لم يتراجعوا قيد أنملة في إصرارهم على تطوير المشروع الديمقراطي.

*بعد تحرير منبج من مرتزقة داعش، انسحبت قوات سوريا من المدينة ولكن تركيا استخدمت ذلك ذريعة لشن الهجمات عليها، ما هي أهدافها وما هي الأوضاع الآن في منبج؟

كما تعلمون بعد تحرير مدينة منبج من داعش، قبل 8 سنوات، تم إعلان انسحاب قوات سوريا الديمقراطية بجميع قواتها من وحدات حماية الشعب والمرأة، من منبج، ولم يكن لها أي وجود لأنه تم تشكيل مجلس منبج العسكري من أهالي منبج. في الأساس لم تكن قسد موجودة هناك، فقط مجلس منبج العسكري والإدارة المدنية المشكلة من أهالي المدينة كانوا موجودين فيها، وعندما خُلع نظام بشار وتغيرت الظروف، حاولت تركيا استغلال هذه الفرصة من خلال مهاجمة مناطق الشهباء وتل رفعت وبعدها توجهت نحو منبج. آنذاك حاول مجلس منبج العسكري والقوى المحلية الموجودة هناك منعهم من احتلال المدينة كون أهالي منبج هم من يديرها، ولا يوجد فيها قوات غريبة.

ما كنا نتمناه، حسب الوضع الجديد، هو مناقشة الوضع بشكل عام وليس منطقةً منطقة. فمثلاً، كيف سيكون النظام الإداري في سوريا، ومن الناحية السياسية، كيف ستؤول الأمور فيها؟ عندها كان يمكن الاتفاق دون الحاجة لمهاجمة منبج. الاتفاق الذي سيتم في دمشق هو الذي سيحدد صيغة الإدارة في منبج، ولكن في هذه المرحلة الانتقالية، حيث لا وجود للنظام أو أي قوة أخرى، كان بالإمكان الإبقاء على منبج كما هي حتى يتم الاتفاق على شكل واضح بين القوى الفاعلة في سوريا، ويتم تعميم ذلك الاتفاق على جميع المناطق وليس منبج فقط.

لكن، باعتبار أن الطرف الآخر لم يكن هيئة تحرير الشام بل كان الطرف التركي، وما زال، فإن هناك مجموعات مرتزقة مرتبطة بتركيا تهاجم منبج وأهلها، وهم بالطبع يضغطون في هذا الاتجاه. لذلك، نحن لسنا مؤيدين ولا نشجع على القتال وظهور الصراعات والحروب في المنطقة. فبعد خلع النظام، لماذا نبدأ مرحلة جديدة من الحروب إذا كان بإمكاننا أن نتفق على صيغة حل وإدارة؟ لذلك، فضلنا قدر الإمكان تجنب حالة الحرب والصراعات، وعلى هذا الأساس تواصلت الإدارة الذاتية الديمقراطية ومجلس منبج العسكري مع الجهات المؤثرة، وأخبروها بضرورة عدم نشوب حروب أو صراعات في المنطقة، ونحن بمنأى عنها.

بصراحة لا نريد أن تتكرر تجربة العراق، فكما تعلمون أنه في عام 2003 بعد سقوط نظام صدام، مرت عدة أشهر بسلام وكان الكل مبتهج ويقول إن العراق الجديد قد تحقق، إلا أنه بعد فترة  من الوقت ولأنهم لم يتناقشوا فيما بينهم بشكل واضح وصريح ولم يتعمقوا في حقائق الأمور حتى أنهم لم يحاولوا لمس القضايا الأساسية، ظهرت فيما بعد صراعات دامية ما زالت أثارها تُعاش حتى اليوم، كل هذه السنين والعراق لم يستقر، لا نريد لتجربة الرمادي والفلوجة والأحداث التي حصلت في العراق من أن تتكرر في سوريا، ما نريده هو نحن السوريون أن نتفق فيما بيننا وأن يتم إدارة المناطق حسب ما نتفق عليه، لذلك بمجرد الهجوم على منبج أو منطقة أخرى هذا لا يعالج الأمور بل يعقدها أكثر، في هذا السياق، نحن نحمل المسؤولية لتركيا مباشرة لأنها هي من تقوم بدفع تلك المجموعات لتهاجم منبج.

*تتواصل الهجمات على قره قوزاق وسد تشرين المهدد بالانهيار بفعل القصف التركي. ماذا يجري وما هو المخطط التركي؟ وماذا عن قبر سليمان شاه؟

سد تشرين هو ثروة وطنية، لا يمكن القبول بأن تسيطر مجموعة أو فصيل معين على السد لأنه سد يهم كل السوريين، وهو ملك لعموم السوريين. قوات سوريا الديمقراطية ولغاية اليوم تحمي ذلك السد، كانت تحميه من داعش وخطره، بوصفه أنه لم يكن هناك تأثير للنظام وكان هناك دولة فاشلة، لذلك كانت قسد والإدارة الذاتية تتحملان مسؤولية الحفاظ على هذه الثروة الوطنية وتشغيل السد كي تستفيد المناطق المجاورة من التيار الكهربائي، بالإضافة إلى مواضيع الزراعة والمياه والري.

ولكن في هذا الواقع الجديد، أفضل شيء هو أن يكون هذا السد تابعاً للإدارة التي ستدير الأمور في عموم سوريا. وحيث إن السد ثروة وطنية يجب أن لا يبقى بأيدي طرف معين، لذلك قسد قامت بمهمتها التاريخية خلال كل هذه السنوات وليس لديها أي نوايا بخصوص موضوع السد. نحن جميعاً كأحزاب وكإدارة وأطراف موجودة على الساحة نؤيد أن يكون هذا السد تابعاً للإدارة التي ستتكفل المسؤوليات الحكومية والإدارية في سوريا الجديدة ولا نقبل أن يقوم فصيل معين بالتحكم بالسد.

إلا أن تركيا تريد أن يكون لها دور مؤثر في سوريا الجديدة، وتشجع الفصائل المرتبطة بها على الاستيلاء على ما تتمكن منه، كي تفاوض عليه في المستقبل القريب. تركيا هدفها هو استغلال هذا الظرف لتقوية نفوذها في سوريا كي يكون تأثيرها أقوى مما هو عليه الآن على القرار السوري الداخلي، فمثلاً إذا سيطر فصيل تابع لتركيا على السد، حينها ستساوم تركيا على هذا الوضع مع الحكومة التي ستتشكل مستقبلاً في دمشق، والشيء نفسه لجسر قره قوزاق المهم والاستراتيجي لربط مناطق شرق الفرات بغربها، إلى جانب موضوع آخر إلى أنه يحاذي قبر سليمان شاه.

نحن ملتزمون بالمعاهدات الدولية التي وقعت في بداية القرن الماضي عند تشكيل سوريا كجمهورية، حينها اتفق سوريا وتركيا والدول ذات النفوذ في المنطقة كفرنسا وبريطانيا، على أن تلك البقعة من القبر كجغرافية محددة كانت تابعة لتركيا باعتبار أن قبر سليمان شاه تم نقله إليه من المناطق التي غمرت بالمياه، هذا الاتفاق تحول اتفاقية دولية موثقة في الأمم المتحدة بأن هذا المكان ترعاه تركيا. نحن أيضاً نلتزم بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولا ندعي شيئاً آخر يناقض هذا الأمر، ولكن أن تستغل تركيا وتلك الفصائل موضوع هذه المعاهدة لتوسع من دائرة ومساحة هذا القبر، هذا ما لا يتم قبوله، فهم تحت مسمى العودة إلى مكان القبر يحاولون التوسع والسيطرة على الجسر الذي يربط بين شرقي الفرات وغربه، وهذا طبعاً أمر خطير جداً.

أود أن ألفت الانتباه إلى موضوع هو أنه عندما تم نقل رفات سليمان شاه، أسهمت قوات سوريا الديمقراطية بنقله إلى قرية آشمه على الحدود، حالياً أيضاً قسد أعربت عن موقفها والإدارة الذاتية تبدي موقفها بأنها مستعدة لإعادة الرفات إلى المكان الذي يريدونه ولكن حسب الاتفاقية الدولية التي تم إبرامها آنذاك.

*تعيش في شمال وشرق سوريا الكثير من الشعوب والثقافات والأديان، ولكن الكل خائف في هذه المرحلة شأنهم شأن بقية السوريين بعد انتشار مقاطع القتل في بقية المناطق السورية. ماذا تقولون لهم؟

بصراحة هذا الشيء مؤسف جداً، نحن في مرحلة نتحدث عن رحيل النظام وسوريا جديدة ولكن في الوقت نفسه نشهد فظائع وجرائم لا يمكن توقعها أو تصورها. جرائم ترتكب بحق المدنيين والأبرياء. الأقليات والمكونات الموجودة في سوريا يجب ألا تحاسب حسب الهوية أو الانتماء الطائفي أو المذهبي. لقد ظهرت مقاطع لا يستطيع الإنسان النظر إليها.

إن بعض المناطق كالساحل السوري يوجد فيها غالبية من المكون العلوي، العلويين لم يكن كلهم في السلطة، كل علوي لا يعني نظام بشار فلماذا يتم استهدافهم؟ لماذا تم حرق رفات حافظ الأسد؟ لماذا يتم استهداف منازل المدنيين وأماكن العبادة؟ هناك أمور معنوية ليست لها أي علاقة بالسياسة وأمور الإدارة والحكم، هناك أمور إنسانية كان يجب احترامها، فاحترام القبور لها أصولها، وحرمة البيوت وحتى المعتقد والديانة والقومية، كلها أمور يجب أن لا نشاهدها في الثورة السورية.

الثورة السورية يجب أن تظهر بمظهر حضاري وديمقراطي، حتى أننا سمعنا بانتهاكات طالت المكون الدرزي، حتى أن البعض منهم وصل إلى درجة يتمنى فيها الانفصال عن سوريا بغية التخلص من هذه الجرائم والممارسات التي تمارس بحقه. حتى نحن الكرد معرضين لذلك، وكذلك السريان الآشور. لدينا كرد في حماة ودمشق ومناطق أخرى، يجب أن لا يُحاسب الإنسان على هويته أو على انتمائه الديني أو الطائفي أو المذهبي، الثورة يجب أن ترمز للتسامح والعفو والتعاضد والتكاتف معاً لبناء سوريا الجديدة، بشار كان علوياً ولكنه لم يكن يمثل جميع العلويين، ولم يكن جميع العلويين شركاء له في الحكم، فالكثير من القياديين في الثورة كانوا من العلويين مثل عبد العزيز الخير وغيره من الشخصيات التي استشهدت في سياق الثورة. لماذا يتم محاسبة كل علوي. حتى لو كانوا مخطئين علينا أن نعتمد القانون والعدل وأن نحاسب الإنسان بحسب ممارساته وفق الأصول القانونية والحقوقية، لماذا نتصرف هكذا تصرفات، هذا يؤثر على سمعة الثورة السورية، وسمعة سوريا المستقبل، والجهات الفاعلة في سوريا سيتم النظر إليها وكأنها مشابهة لنظام البعث وطبعاً هذا أمر غير مشجع، ونحن ندعو جميع الاطراف إلى عدم الاستمرار في هذه الممارسات المشينة.

*الثروات الوطنية سبق وأن تحدثتم عنها، في ظل الدعوة لبناء سوريا الجديدة، كيف تتقربون من هذا الموضوع؟

نحن في الإدارة الذاتية الديمقراطية ومناطق شمال وشرق سوريا، نقول منذ بداية الثورة وحتى اليوم، إننا جزء من سوريا، وإن كان شكل الإدارة والمؤسسات التي أقمناها موجود في الجغرافية المحدودة حالياً باسم شمال وشرق سوريا، لكن ليس لأننا جزء منفصل عن سوريا، بل نتيجة وجود النظام والاحتلال والمؤثرات الأخرى مثل داعش وغيرها، نحن تمكنا من تطوير هذا النمط من الإدارة أو النموذج في هذه المنطقة، ولكن توجد في المنطقة ثروات وطنية مثل البترول، المياه، السدود، الزراعة، وكل هذه تعتبر ثروات وطنية وباعتبار أن النظام لم يكن متجاوباً وكان معروفاً عنه تقرباته، لم نتمكن من مشاركة هذه الأمور مع دمشق باعتبار أن النظام الحاكم في سوريا لم يكن يقبل  أحداً.

ولكن في هذه المرحلة القادمة يمكن لنا أن نتعاون جميعاً في تحديد كيفية وآلية استغلال واستثمار وتطوير هذه المؤسسات والثروات الوطنية وكيفية وضعها في خدمة عموم الشعب السوري، طبعاً بعد الاتفاق والتحاور حول كيفية ونمط العلاقة بين دمشق ومناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، فمثلاً الميزانية العامة للبلاد كيف ستكون وكيف ستوزع، واسم سوريا كيف سيكون، وكذلك نمط الإدارة. نحن منفتحون على جميع الحلول التي يمكن أن تسهم في تطوير الحل الديمقراطي في سوريا بالإضافة إلى الحياة التشاركية وتوزيع الثروات الوطنية بشكل عادل.

*هناك من يحاول إثارة النعرات الطائفية من أجل ضرب استقرار مناطق شمال وشرق سوريا، ما هي رسالتكم لشعوب شمال وشرق سوريا خصوصاً وللشعوب السورية عموماً؟

أقول بأن زمن الدولة القومية قد ولّى، وهذه الصراعات التي نعيشها منذ 2010 وحتى الصراعات الموجودة في الشرق الأوسط منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى تشير وتؤكد بأن نموذج الدولة القومية هو نموذج خلق الصراعات والاقتتال الداخلي، ومناهضة الديمقراطية، لذلك يجب اعتماد مبدأ الأمة الديمقراطية، علينا قبول الآخر، قبول مبدأ الحياة التشاركية، وأن الوطن لنا جميعاً، يجب أن لا نقلد الحكام الآخرين، في مرحلة ما يحكمنا حزب يسمى البعث، وفي مرحلة يحكم سوريا حزب آخر بمسمى آخر باسم مكون أو مذهب أو طائفة أخرى، يجب أن تكون سوريا لكل السوريين، يجب أن نعتمد على مبدأ الحوار والمناقشة، آخذ الرأي الآخر بعين الاعتبار، قد نختلف في بعض الأمور، قد تتعارض أفكارنا وآرائنا في بعض المسائل ولكن في النتيجة نحن كلنا سوريون، إن لجوء بعض المجموعات إلى الدول المجاورة للحصول على الدعم منها وفتح المجال أمام تدخلها لن يسهم في الحل بل سيسهم في تعقيد الأمور أكثر.

اللحظات التي نعيشها تاريخية سيتقرر مصير سوريا المستقبل من خلال ما سنقوم به في هذه الأيام، لذلك أدعو الجميع إلى سماع رأي الآخر وإيلاء الأولوية والأهمية للآراء الديمقراطية التي تدعو للمساواة والعدالة والحرية، وأن ننبذ أسلوب القمع والاستبداد والتحكم والسيطرة والهيمنة، فهذه الأمور عانينا منها كثيراً، الثورة التي قامت والمعاناة التي عاشها الشعب السوري كل هذه السنوات كانت ضد هذه الأمور والممارسات، ولذلك علينا جميعاً أن نقف ضد هذه الممارسات وأن لا نفتح المجال لأحد بأن يستغل هذه الظروف كي يحاول ممارسة الاستبداد بحق الآخر.