سياسي وأكاديمي سوري: عوائق عديدة تقف أمام تطور الاتفاقيات بين قسد ودمشق

رأى السياسي والأكاديمي السوري، الدكتور يحيى العريضي، أن الاتفاقية بين دمشق وقسد لا تعد تسوية مستدامة تؤسس للحل السياسي في سوريا، بل ترتبط بترتيبات أمنية مرحلية، معتبراً أن ما جرى هو إدارة للنزاع ومنع تصاعد وتيرة القتال فقط، مشيراً إلى أن هناك عوائق عديدة  أمام تحولها إلى مسار حل دائم ومنها الخلاف المستمر حول طبيعة وشكل الدولة، بالإضافة إلى التدخلات التركية، والأيديولوجية المغلقة للحكومة المؤقتة.

سياسي وأكاديمي سوري: عوائق عديدة تقف أمام تطور الاتفاقيات بين قسد ودمشق
الأحد 15 آذار, 2026   03:20
مركز الأخبار

تواصل كل من قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا تنفيذ الاتفاقيات المبرمة بين الطرفين حول ملف شمال وشرق سوريا، وكان آخرها اتفاقية 29 كانون الثاني.

وخلال الأيام الماضية تم تحقيق نوع من التقدم في تنفيذ هذه الاتفاقية حيث جرى تعيين عضو القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية سيبان حمو معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، كما تم إعادة نحو 400 عائلة إلى عفرين وجرى فتح المزيد من الطرقات إلى جانب تبادل عدد من الأسرى بين الطرفين، لكن لا تزال هذه الاتفاقية غير مكتملة.

وحول تداعيات هذه التطورات وتأثيرها على البلاد والقضايا السورية العالقة، وكيفية قراءة الواقع السوري في المرحلة الراهنة، أجرت وكالتنا حواراً مطوّلاً مع السياسي والأكاديمي السوري الدكتور يحيى العريضي، وجاء نص الحوار على النحو التالي:

*ما أهمية هذه الاتفاقية كخطوة محتملة على طريق الحل السياسي في سوريا؟

أهمية هذه الاتفاقية مرتبطة بكونها ترتيب أمني مرحلي وليست تسوية مستدامة تؤسس للحل السياسي في سوريا. والبنود الخاصة بها تعكس محاولة لإدارة توازن القوى على الأرض وليس معالجة جذور الأزمة السياسية المرتبطة بطبيعة الدولة السورية مستقبلاً أو شكل العقد الاجتماعي بين مكوناتها.

مجمل بنود هذه الاتفاقية هي بنود احتواء للنزاع المسلح، وبدلاً من الاعتراف بالقوات الكردية كقوات شرعية محلية يمكن التعاون معها، فإن الاتفاقية هدفت لاحتواء تلك القوات ضمن بنية الدولة فيما يبدو أنه محاولة لتفكيكها لاحقاً. لذلك، فإن عدم وضوح هذا الأمر سيؤدي لتكرار النزاع المسلح.

من منظور جيوسياسي، يبدو أن الاتفاق يمنح السلطة الانتقالية فرصة لاستعادة تدريجية للسيطرة السيادية على مناطق كانت خارج نفوذها المباشر منذ سنوات. فدمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، ونشر قوات وزارة الداخلية، يمثلان عملياً خطوة نحو تفكيك البنية السياسية شبه المستقلة التي تشكلت في شمال شرق سوريا خلال الحرب.

في هذا السياق، يمكن فهم الاتفاق كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة مركزية السلطة السياسية والأمنية، وهو ما قد يُفسَّر من قبل بعض الأطراف المحلية بوصفه محاولة لفرض واقع سياسي جديد قائم على الإخضاع التدريجي للمناطق الخارجة عن السيطرة المركزية.

واحدة من أهم نقاط الضعف في الاتفاق أنه لا يستند إلى إطار دستوري أو سياسي شامل. فالتفاهمات المتعلقة بالحقوق المدنية أو التربوية للمجتمع الكردي جاءت بصيغة عامة وغير مرتبطة بعملية دستورية واضحة يمكن أن تضمن تحويل هذه الحقوق إلى التزامات قانونية ملزمة للدولة.

وبالتالي فإن الاتفاق لا يشكل تسوية سياسية لمسألة الكرد في سوريا، بل مجرد تفاهم إداري وأمني مؤقت. إذ إن أي حل مستدام للقضية الكردية يتطلب: إطاراً دستورياً واضحاً وتعريفاً لطبيعة اللامركزية أو الحكم المحلي وضمانات قانونية للحقوق الثقافية والسياسية. وهي عناصر لا تظهر بوضوح في بنود الاتفاق.

الاتفاق يطرح أيضاً إشكالية تتعلق بمسألة الشرعية السياسية للسلطة الانتقالية. فإبرام تفاهمات أمنية وإدارية مع قوى محلية رئيسة مثل قسد، يمكن أن يُفسَّر على المستوى السياسي بوصفه اعترافاً عملياً بسلطة الحكومة الانتقالية كونها جهة قادرة على تمثيل الدولة السورية والتفاوض باسمها. وهذا الأمر يصب بمصلحة هذه السلطة التي ترتبط بنيوياً بالإرهاب الراديكالي. ولا حل سياسي في سوريا بوجود هذه السلطة قطعاً.

*كيف تقيّمون ما تم تحقيقه حتى الآن منذ توقيع الاتفاقية؟

ما تم تحقيقه هو إدارة النزاع ومنع تصاعد وتيرة القتال فقط. إنها مرحلة اختبار استراتيجي بين طرفين يحاول كل منهما قياس حدود القوة والنية لدى الطرف الأخر. وحتى الآن، هذا الاتفاق لم يُنتج تحولاً بنيوياً في موازين السيطرة العسكرية أو في بنية الإدارة السياسية في المنطقة. فلا تزال قوات قسد تحتفظ ببنيتها العسكرية الأساسية، كما لم نشهد انتقالاً فعلياً لمراكز السلطة أو إعادة تشكيل جذرية للمؤسسات المحلية.

العلاقة بين الطرفين لا تزال محكومة بدرجة عالية من الحذر المتبادل. فكل طرف يدرك أن أي انتقال سريع نحو دمج فعلي للقوى أو المؤسسات قد يحمل مخاطر استراتيجية عليه. لذلك يمكن تفسير البطء في تنفيذ البنود على أنه سياسة اختبار تدريجي للنيات. فالسلطة الانتقالية تحاول اختبار ما إذا كانت قسد مستعدة فعلاً للتخلي عن جزء من استقلالها العسكري والسياسي، بينما تحاول قسد اختبار ما إذا كان الهدف النهائي للسلطة هو الشراكة ضمن الدولة أو إعادة إخضاع المنطقة مركزياً.

عملياً، لا يمكن فهم بطء التنفيذ دون وضعه في سياق أوسع يتعلق بتوازنات القوى الإقليمية. فشمال شرق سوريا يمثل عقدة تداخل بين عدة قوى: الولايات المتحدة، وتركيا، وروسيا، إضافة إلى الفاعلين المحليين. وفي ظل هذا التعقيد، قد يكون الاتفاق بالنسبة للطرفين وسيلة لشراء الوقت إلى أن تتضح معالم التوازنات الإقليمية. فالسلطة الانتقالية تسعى إلى تثبيت موقعها السياسي تدريجياً دون فتح جبهة جديدة قد تستنزفها، بينما تحاول قسد الحفاظ على مكتسباتها بانتظار ما ستؤول إليه السياسات الدولية تجاه المنطقة.

*ما هي البنود التي كان من المفترض تنفيذها ولم تُنفّذ بعد؟

ثلاثة محاور رئيسة كان يفترض أن تشهد تقدماً ملموساً منذ توقيع الاتفاق، لكنها لا تزال تراوح مكانها:

الملف العسكري: وهو أكثر الملفات تعقيداً كونه مرتبط بتعريف احتكار الدولة للقوة العسكرية. فالاتفاق كان يفترض أن يضع إطاراً واضحاً لتنظيم العلاقة بين الجيش السوري وقوات قسد، سواء عبر آليات الدمج التدريجي أو عبر تحديد طبيعة الألوية التي سيتم استيعابها داخل البنية العسكرية الرسمية.

لكن حتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على حدوث إعادة هيكلة فعلية للترتيبات العسكرية. فالحديث عن تعيين شخصيات مرتبطة بقسد في وزارة الدفاع – مثل تعيين " سيبان حمو" – لا يكفي بحد ذاته لتشكيل بنية عسكرية مشتركة أو لتأسيس عقيدة عسكرية موحدة. ما يزال السؤال الأساسي معلقاً: هل ستتحول قوات قسد إلى جزء من الجيش السوري، أم ستبقى قوة شبه مستقلة ضمن صيغة أمنية خاصة؟ هذا السؤال يمس جوهر العلاقة بين المركز والأطراف في الدولة السورية المستقبلية.

الملف السياسي: كان من المفترض أن يشكل الاتفاق مدخلاً لبحث مستقبل الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، بما في ذلك تحديد طبيعة العلاقة بين المؤسسات المحلية والسلطة المركزية. غير أن هذا الملف لا يزال غامضاً إلى حد كبير. فلا يوجد تصور واضح حول: ما إذا كانت الإدارة الذاتية ستستمر بصيغتها الحالية، أو سيتم تحويلها إلى نموذج من الحكم المحلي ضمن إطار اللامركزية الإدارية، أو سيتم تفكيكها وإعادة دمج مؤسساتها بالكامل في مؤسسات الدولة المركزية وبسبب غياب هذا التحديد، بقيت العلاقة السياسية بين الطرفين معلقة في منطقة انتقالية غير محسومة.

الملف الاقتصادي: يمثل هذا الملف أحد أكثر القضايا حساسية من الناحية الجيوسياسية؛ لأن شمال شرق سوريا يحتوي على الجزء الأكبر من موارد النفط والغاز السورية. وكان من المفترض أن يتم التوصل إلى آلية واضحة لإدارة هذه الموارد، سواء من حيث: الجهة التي تتولى إدارتها وآلية توزيع العائدات ودور المؤسسات المركزية مقابل المؤسسات المحلية. غير أن هذا الملف بقي دون تقدم ملموس، لأن مسألة الموارد الطبيعية ليست مجرد قضية اقتصادية، بل تتعلق أيضاً بتوازنات النفوذ والقدرة على تمويل السلطة. لذلك فالاتفاق وضع إطاراً عاماً للتفاهم، لكنه لم يتحول بعد إلى عملية إعادة تشكيل فعلية للنظام السياسي والأمني في شمال شرق سوريا.

*ما أبرز العوائق التي تحول دون تنفيذ الاتفاقية؟

-الخلاف حول طبيعة الدولة السورية:

يُعد هذا العامل الأكثر جوهرية في تعطيل تنفيذ الاتفاق. فالمسألة لا تتعلق فقط بآليات دمج قوات أو إدارة مؤسسات محلية، بل تمس التصورات المتعارضة حول شكل الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب. فمن جهة، تميل السلطة الانتقالية إلى إعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية القوية التي تحتكر السلطة السياسية والعسكرية وتعيد توحيد المؤسسات تحت إدارة مركزية واحدة، وهو النموذج الذي حكم سوريا قبل عام 2011. ومن جهة أخرى، ترى القوى الكردية أن أي تسوية سياسية حقيقية يجب أن تتضمن صيغة من اللامركزية تمنح الإدارات المحلية صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها السياسية والاقتصادية والثقافية.

-العامل الإقليمي ودور تركيا:

يشكل العامل التركي أحد أبرز القيود الجيوسياسية على تنفيذ الاتفاق. فأنقرة تنظر إلى قوات «قسد» بوصفها امتداداً تنظيمياً لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا منظمة تهدد أمنها القومي. لذلك فإن أي ترتيبات سياسية أو عسكرية تمنح «قسد» موقعاً مستقراً داخل بنية الدولة السورية قد تُفسَّر في أنقرة على أنها إضفاء شرعية على كيان أمني معادٍ قرب حدودها. هذا الموقف يجعل تنفيذ الاتفاق مرتبطاً بحسابات إقليمية أوسع تتجاوز الإرادة المباشرة للطرفين المحليين.

-تأثير الوجود العسكري الأمريكي:

يمثل الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا عاملاً حاسماً في تشكيل توازنات القوة. فهذا الوجود يوفر لقوات «قسد» مظلة أمنية وسياسية تحدّ من قدرة أي طرف آخر على فرض تسوية أحادية بالقوة. في المقابل، يفرض هذا الوجود أيضاً قيوداً على السلطة الانتقالية، التي لا تستطيع التحرك عسكرياً أو سياسياً في المنطقة دون أخذ الموقف الأمريكي في الاعتبار. وبالتالي فإن التوازن الذي يخلقه هذا الوجود يجعل الاتفاق يتحرك ضمن هامش ضيق من التفاهمات المرحلية دون أن يتحول إلى تسوية نهائية.

-طبيعة السلطة الانتقالية:

تشكل هذه المسألة أبرز العوائق، فهذه السلطة لا يمكن أن تفي بوعودها ولا يمكن التعويل عليها لصناعة مستقبل سوريا السياسي عبر الحوار أو التفاهم. يظهر هذا الأمر بوضوح من خلال استقراء مسار الأحداث منذ توليها السلطة وحتى الوقت الراهن، فجملة الاتفاقات التي جرى عقدها مع المكون الكردي مرتبطة بضغط دولي ضمن توازنات جيوسياسية، ولا يمكن الاحتكام لسلطة إرهابية تهدف لبناء نظام أيديولوجي مركزي قائم على الاقصاء والتطرف.

*إلى ماذا قد يؤدي استمرار التأخير في تنفيذ بنود الاتفاقية؟

إن استمرار التعثر في تنفيذ بنود الاتفاق يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، يرتبط معظمها بطبيعة البيئة السياسية المحيطة بالاتفاق سيحوله لمجرد مظلة سياسية لإدارة التوتر بين الطرفين، دون أن يؤدي إلى معالجة القضايا الجوهرية المتعلقة بالسلطة والإدارة والموارد. كما أن غياب الشفافية في بعض مراحل التفاوض، ولا سيما من قبل سلطة الجولاني التي تواجه إشكالية خطابية بين متطلبات البراغماتية السياسية وخطابها الأيديولوجي أمام جمهورها، يزيد من حالة الغموض وعدم الثقة حول مستقبل الاتفاق.

السيناريو الآخر يتمثل في أن يؤدي استمرار التعثر إلى إعادة فتح المجال أمام التصعيد العسكري أو التدخلات الإقليمية، خصوصاً إذا طرأت تغييرات على التوازنات الدولية في المنطقة. ففي بيئة إقليمية شديدة السيولة مثل الشرق الأوسط، يمكن لأي تغير في مواقف القوى الكبرى أو الإقليمية أن يعيد خلط الأوراق بسرعة، ما قد يدفع الأطراف المحلية إلى إعادة استخدام القوة العسكرية لتحسين مواقعها التفاوضية.

*كلمة أخيرة تود أن تقولها حول هذه الاتفاقيات

الاتفاقات التي عُقدت بين "قسد" وسلطة الجولاني لا يمكن قراءتها فقط كترتيبات ميدانية أو تفاهمات أمنية مؤقتة، بل إنها تحمل في جوهرها أثراً سياسياً أعمق يتمثل في منح الجولاني قدراً من الشرعية السياسية عبر التعامل معه بوصفه سلطة قادرة على تمثيل الدولة والتفاوض باسمها. وهذه الشرعية، حتى وإن كانت ضمنية أو غير معلنة، تسهم في تثبيت موقعه داخل المشهد السوري في لحظة انتقالية شديدة الحساسية.

غير أن التعويل على الجولاني كضامن لمصالح المكوّن الكردي، أو كشريك في بناء مستقبل سياسي مستقر لسوريا، يبقى رهاناً محفوفاً بالمخاطر. فالتجارب التاريخية في المنطقة تظهر أن الأنظمة أو القوى ذات الخلفية الأيديولوجية المغلقة غالباً ما تنظر إلى التفاهمات المرحلية بوصفها أدوات ظرفية لإعادة ترتيب موازين القوة، وليس كالتزامات استراتيجية طويلة الأمد.

من هنا، فإن حماية المصالح الكردية، وكذلك حماية مستقبل سوريا كدولة متعددة المكونات، لا يمكن أن تقوم على تفاهمات ثنائية ضيقة، بل تحتاج إلى إطار وطني أوسع يقوم على تحالف سياسي بين القوى السورية المدنية والعسكرية التي تتقاطع في رفض إعادة إنتاج أنماط الحكم الإقصائي.

إن الطريق الأكثر واقعية يتمثل في بناء جبهة سياسية وطنية تعمل على إعادة صياغة مشروع سياسي سوري جامع، يقوم على التعددية والشراكة، ويعيد تعريف الشرعية السياسية على أساس التمثيل الوطني الواسع، لا على أساس موازين القوة العسكرية أو الأمر الواقع. وفي مثل هذا الإطار فقط يمكن تقويض أي شرعية مفروضة بالقوة، وفتح المجال أمام مسار سياسي يعكس فعلاً مصالح السوريين بمختلف مكوناتهم.

(أم)

ANHA