​​​​​​​اعتبارات سياسية تحول دون محاكمة الدواعش ومرتكبي المجازر بحق الكرد

أثار إجراء محاكمات لمرتزقة داعش وأسرهم في عدد من الدول الأوروبية مؤخراً الجدل في شمال وشرق سوريا لجهة عدم إصدار أحكام تناسب ما اقترفوه؛ إبان فترة نشاطهم مع داعش، فيما صدرت الكثير من الأصوات المشككة بعدالة القضاء الأوروبي الذي حاكم مقاتلين أمميين حاربوا المرتزقة إلى جانب قسد ولم تأخذ العدالة مجراها في المجازر التي ارتكبت بحق الكرد في باريس.

​​​​​​​اعتبارات سياسية تحول دون محاكمة الدواعش ومرتكبي المجازر بحق الكرد
الجمعة 17 آذار, 2023   22:33
مركز الأخبار- جمعة محمد

في مطلع آذار/مارس الجاري، حكمت محكمة الجنايات الخاصة بالسجن 10 سنوات على فرنسية عائدة من سوريا بعد 5 سنوات قضتها بين مرتزقة داعش وجرى اعتقالها عام 2018.

كما حكم القضاء الدنماركي مطلع آذار الجاري بالسجن 4 أعوام على امرأة تدعى "إلمينا علييتش" دخلت سوريا برفقة زوجها المنخرط في صفوف مرتزقة داعش، وبقيت في مدينة الرقة إبان وجود داعش.

واستلمت السلطات الدنماركية عام 2021 ثلاث نساء و14 طفلاً من قوات سوريا الديمقراطية، جرى الحكم على إحداهن قبل عام من الآن بالسجن لـ3 سنوات.

وسبق ذلك إجراء محاكمات عديدة للمنتسبين إلى داعش، لكن محامون مطلعون على الموضوع يقولون بأنها لم تكن إجراءات عادلة من أجل المتضررين من مرتزقة داعش.

إضفاء على المسألة أبعاداً سياسية

قال المحامي السوري، مصطفى شيخ مسلم، وهو أحد المتابعين لهذا الملف بأنه: "إلى الآن لم نر أي حالة محاكمة خضع لها أعضاء تنظيم داعش، انصفت المستهدفين من داعش، الذي استنزف جهود العالم بأجمعه، حتى القضاء عليه الذي لم يتم بشكل كلي اليوم، إذ لا زالت الجهود مستمرة من جانب التحالف الدولي مع القوات الأمنية في شمال وشرق سوريا والعراق للقضاء عليه".

وأضاف شيخ مسلم: "عند عودة هؤلاء نرى بأنهم لا يخضعون لمحاكمات تليق بما اقترفته أيديهم، بل على العكس تماماً ففي كل دولة يتم تطبيق حيّز ما دون المستوى المطلوب، إذ تُعطى المسألة أبعاداً سياسية أكثر مما يكون هناك أبعاد قانونية تليق بما اقترفته أيديهم سواء في كوباني أو شنكال وغيرها من المجازر التي لا تعد ولا تحصى، كل هذه الأفعال الشنيعة، حدثت بأيادي هؤلاء الذين يمرون مرور الكرام بمحاكم دولهم".

من القانوني إنشاء محكمة دولية في شمال وشرق سوريا

وأكد "هذا هو السبب الرئيسي الذي يدفع قسد للمطالبة بإنشاء محاكم دولية هنا على الجغرافية السورية؛ تطبيقاً للمبدأ القانوني الذي يراعي مكان وقوع الجرم تبعاً للعنصر المكاني الجغرافي، وبالتالي من القانوني إنشاء محكمة دولية هنا في شمال وشرق سوريا وإخضاعهم إليها وفق القوانين الدولية المعمول بها في كل دول العالم، تكون قوانين موحدة على الجميع باختلاف جنسياتهم وانتماءاتهم".

ورأى شيخ مسلم "كل دولة إذا حاكمت رعاياها بمفردها من الطبيعي أن نرى فروقات كبيرة بين الأحكام ومتفاوتة لسنوات كثر، فربما يكون الانتساب لداعش معاقب عليه في دستور الولايات المتحدة الأمريكية باعتباره علماني ومدني لكن بنفس الوقت غير معاقب عليه قطعاً في دستور دولة مثل باكستان أو دولة أخرى ذات صبغة دينية".

وأشار إلى أن "من هنا تأتي الضرورة لإيجاد محكمة موحدة يخضع لها جميع أعضاء تنظيم داعش بقوانين وتشريعات وأحكام موحدة".

تناقض صريح.. محاكمة الأمميين الذين قاتلوا داعش لا جدوى منها

وإذا ما جرى الربط فيما بين مسألة المحاكمات التي يخضع لها مرتزقة داعش والمقاتلين الأمميين الذين جاؤوا من بلدان عدة حول العالم ليقاتلوا إلى جانب وحدات حماية الشعب YPG، ووحدات حماية المرأة YPJ، وقوات سوريا الديمقراطية ضد داعش، يمكن رؤية حلقة ناقصة.

ففي ألمانيا تحديداً، لاحقت السلطات مواطنين كانوا قد عادوا من القتال ضد داعش في سوريا؛ ما أثار غضباً على نطاق واسع في شمال وشرق سوريا.

وقال شيخ مسلم: "حتى هذه النقطة لها أبعاد سياسية أكثر ما تكون ذات أبعاد قانونية، لأن هؤلاء الشبان الذين جاؤوا من كل أرجاء العالم تلبية لنداء النفير العام الذي أطلقته وحدات حماية الشعب في معارك عدة ولا سيما معارك كوباني، جاؤوا من منطلق إنساني؛ هدفهم حماية هذه المناطق، ولم يأتوا لكسب المال أو لمنفعة شخصية، لكن عندما يعودون إلى بلدانهم يواجهون محاكمات لم تكن بالحسبان قط، باعتبار أن القادم من دولة ما يأتي بناء على تشريعات تخضع لها البلاد المنخرطة أصلاً في التحالف الدولي الذي يعمل جنباً إلى جنب مع هذه القوات الفاعلة على الأرض.

يعني ثمة هنالك حلقة ناقصة هنا وهي الرؤى السياسية التي تخضع رعاياها لمحاكمات صورية لا جدوى منها، سوى إرضاء داعمي داعش بالدرجة الأولى وفي مقدمتهم تركيا، التي لطالما صرحت مراراً وتكراراً بأنها تقف ضد كل مساعدة تقدم لمناطق شمال وشرق سوريا سواء كانت تحت البند الإنساني أو العسكري".

وأضاف: "من هذا المنطلق يمكننا القول بأن هذه المحاكمات أغلبها سياسية وليست قانونية، لأن في ذلك تناقض صريح وواضح يخضع له البلد ذاته الذي ينخرط بشكل مباشر في تحالف دولي يعمل جنباً إلى جنب مع هذه القوات الفاعلة على الأرض وفي الوقت ذاته يحاكم مواطنيه وحملة جنسياته على المشاركة والانخراط مع هذه القوات على أرض الواقع وحملهم للسلاح".

مجازر باريس.. مرتكبو المجازر بحق الكرد لا يخضعون للقضاء

وحين الجمع فيما بين الموضوعين الآنفين، وقضية اغتيال نشطاء وسياسيين كرد في العاصمة الفرنسية، باريس، يمكن رؤية تناقض كبير يشوب مجرى العدالة التي يرى الكثيرون بأنها لا تنصف الكرد.

عام 2013 ولدى اغتيال الناشطات الكرديات الثلاث "ساكينة جانسيز، فيدان دوغان، ليلى شايلماز"، لم ترتقِ إجراءات القضاء الفرنسي إلى مستوى الكشف عن الملابسات الكاملة للجريمة وتعرية المرتكبين الحقيقيين لها، في وقت وُجهت فيه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى الاستخبارات التركية بالضلوع في ارتكاب هذه المجزرة.

وقد ساهم "التستر" الفرنسي، كما أسماه كثيرون، بتكرار المجازر بحق الكرد عندما قام شخص بمهاجمة مركز ثقافي كردي وسط العاصمة باريس في كانون الأول/ديسمبر عام 2022، وتسبب الهجوم باستشهاد 3 أشخاص.

لكن القضاء الفرنسي رفض وصف الحادثة على أنه هجوم إرهابي، وزعم أنه كان بدوافع عنصرية، ولم يتم الغوص في الخلفيات وكامل التفاصيل، إذ أعاد الشارع الكردي توجيه أصابع الاتهام للاستخبارات التركية.

فالسلطات الفرنسية قررت رفع قرار احتجاز منفذ الهجوم ونقله إلى مصحة نفسية تابعة للشرطة، وذلك ما يمثل تحريفاً لمسار القضية التي رآها مراقبون بأنها مدروسة بعناية لتستهدف الكرد وتقف خلفها تركيا.

أكد شيخ مسلم أن في المجزرتين: " طُمست الجريمة بحجج ومبررات واهية، وصُبغت بصبغ قانونية، للأسف إذا ما أردنا تكييف أي مسألة من الناحية القانونية يمكننا تطبيق قاعدة قانونية عليها، لأن القانون الدولي فضفاض ويحمل في طياته الكثير من المفاهيم غير المعلومة بغية إمكانية تطبيقه على أي حالة إذا ما طلب ذلك".

وأضاف: "القضاء الفرنسي يعرف بين الأجهزة القضائية على مستوى العالم بأنه أحد أكثر الأجهزة عدالة ونزاهة، إن كنا منصفين في وصفه، لكن هاتين القضيتين تشككان بهذه النظرية إلى حد كبير، لم نرَ نتائج تشفي الغليل وتسلط الضوء على الجناة ودوافعهم ومآربهم من هذه الأفعال، التي راح ضحيتها أبرياء ومدنيين عزّل لم يكن بحسبانهم أنهم سيتعرضون لهجوم إرهابي".

وأكد شيخ مسلم "هذه المعطيات تفيد بعدم حيادية القضاء الفرنسي في التعامل مع هذه القضايا التي تمثل شعوب وليس أشخاصاً بعينهم، إنما هي قضايا سياسية بين شعب مضطهد على مر التاريخ وجهة استخباراتية تسعى بكل ما أوتيت من قوة لتصفيته ولضربه أينما وجد".

ورأى "كان يجب تعرية الجناة ليبقى الشعب المستهدف على دراية بما يحاك ضده ويحتاط من هجمات مماثلة داخل فرنسا أو كل الاتحاد الأوروبي، إذ هذه الحادثة هي الثانية من نوعها والجناة هم أنفسهم والضحايا هم أنفسهم".

وأشار شيخ مسلم إلى ضرورة "تشكيل قوة ضغط أو كما يعرف بـ لوبي خاص بالكرد؛ بهدف مخاطبة صنّاع القرار ودوائر الأمن داخل الدول التي تحتوي الكرد، بهذا الشكل يمكننا على الأقل ضمان عدم تعرض الكرد لجرائم تمر مرور الكرام كما حدث في المجزرتين بباريس".

(د)

ANHA