كوباني.. التاريخ وأصل التسمية

على سفح هضبة مشتى النور تطل مدينة كوباني على سهل سروج، وتشكل رمزية كبيرة لدى الكردستانيين والأمم المتعاطفة مع القضية الكردية، فهي مهد ثورة 19 تموز، وموطن المقاومة التاريخية ضد داعش، لكنها اليوم تواجه خطراً وجودياً مع تصاعد التهديدات التركية ضدها، لماذا كوباني.. وما تاريخ هذه المدينة؟

كوباني.. التاريخ وأصل التسمية
السبت 10 كانون الأول, 2022   22:50
كوباني

نشأت المدينة الحالية عام 1892، عندما اتصلت أحياء قريتي "كانيا كردا وكانيا مرشد" ببعضهما، ومع مشروع خط سكة حديد بغداد ـ قونيا ـ إسطنبول، بين عامي 1911 و1912، شرعت المدينة في التحول إلى تجمّع سكاني مهم.

لماذا كوباني.. وليست عين العرب

على الرغم من كثرة الروايات عن أصل تسمية كوباني بهذا الاسم؛ إلا أن الآراء تنحصر في روايتين في نهاية المطاف، الرواية الأولى تشير إلى اتحاد العشائر البرازية خلال الحقبة الممتدة من آواخر القرن السابع عشر ميلادي حتى آواخر القرن التاسع عشر؛ في إطار مواجهة الاعتداءات العشائرية المجاورة، لا سيما المليين بقيادة "زور تمر باشا الملّي" وهو أحد الباشوات العثمانيين الكردي الأصل، وأشير إلى اتحاد العشائر البرازية آنذاك بـ "كوم باني" ويعني "التجمع الأعلى" أو "الاتحاد الأعلى"، للتحول مع الزمن إلى كوباني.

أمّا الرواية الثانية، فتتحدث عن الشركة الألمانية التي بَنَت سكة الحديد بين بغداد واسطنبول وصولاً إلى برلين مروراً بمدينة كوباني الحالية، ونسبة إلى الشركة التي كانت تنادى بـ "كامباني" عرفت المنطقة التي وجدت فيها الشركة بـ "كامباني" ومع الزمن تحولت إلى كوباني، وبغض النظر عن التسمية، فقد استفادت الشركة من هضبة مشتى النور في استخدام الحجارة السوداء في عملية بناء السكة الحديدية، وقد بقيت لسنوات في المنطقة.

أمّا تسمية عين العرب، فقط أطلقها الرعاة البدو على المنطقة، نسبة إلى عيون المياه التي كان البدو يقصدونها في كوباني خلال فصل الربيع قبل ما يقارب 200 عام، لتجف عيّون المياه فيما بعد، فالبدو كانوا عابرين، وليسوا من السكان الأصليين للمنطقة، لكن نتيجة سياسة التعريب التي مارسها نظام البعث في سوريا، من خلال تغيير الأسماء الكردية، اعتمدت الدوائر الحكومية الرسمية على اسم عين العرب بدلاً من كوباني.

محلياً، لا يتداول السكان الكرد لفظ عين العرب نهائياً، فاسم كوباني كان ولا يزال منذ عقود، محفوراً في ذاكرة الجميع دون نسيان، ويطلق أهالي كوباني المغتربون في المدن السورية كالعاصمة دمشق وحلب، اسم "ولات" ويعني الوطن على المدينة.

مقاطعة كوباني تاريخياً

أثبتت أغلب الدراسات التاريخية أن المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات تمثل مهدَ الحضارة البشرية ومركزاً مهماً للاستيطان؛ ومقاطعة كوباني هي جزءٌ من هذه المنطقة الممتدة بين النهرين شرقاً وغرباً وجبال طوروس شمالاً حتى الخليج العربي جنوباً.

ففي قرية تل البنات أقصى جنوب المقاطعة بالقرب من بلدة صرين، يقع تلٌ أثري على ضفاف الفرات، ويعتبر التل أقدم نصب حربي في العالم، وأحد أقدم المواقع المأهولة بالسكان وكان موقعاً ضخماً لدفن المقاتلين، حيث يعود تاريخه، بحسب مؤرخين وعلماء آثار عالميين إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وبحسب بعثات أجنبية نقبت في الموقع عام 1988، فإن قرية تل البنات شاهدة على ما قد يكون أول حربٍ أهلية في التاريخ.

في قرى جعدة وتل عبر وتل أحمر على ضفاف الفرات وعلى بعد 20 كم من مدينة كوباني، ظهرت آثار أرجعها المؤرخون والباحثون إلى الألف العاشر قبل الميلاد، وقد عثرت البعثة الفرنسية السورية على آثار تثبت ذلك خلال عمليات التنقيب التي جرت عام 2007، شملت 4 قرى تابعة لكوباني على ضفاف الفرات، حيث ظهرت قرى تحت الأرض إلى جانب لوحات مرسومة وهياكل عظمية للبشر.

بالقرب من مدينة كوباني، تقع بلدة شيران أحد أقدم المدن في سوريا وتعرف باسماء أخرى "حداتو" أو "أرسلان طاش"، حيث يعود تاريخ نشأة البلدة إلى فترة حكم الإمبراطورية الحثية 1600 عام قبل الميلاد، ليحكمها بعد ذلك الميتانيون وبعدها الآشوريون، إذ اكتشف في البلدة سور المدينة القديمة وتماثيل لأسود ضخمة تحمي بوابات المدينة، وأغلب الآثار التي استخرجت خلال الانتداب الفرنسي لسوريا، تم نقلها إلى المتاحف الفرنسية وقبلها إلى اسطنبول خلال الاحتلال العثماني للمنطقة.

وفي أيار عام 2017، أعلنت الإدارة الذاتية في مقاطعة كوباني، استخراج لوحة فسيفسائية تمثّل حرب طروادة التي جرت قبل الميلاد بـ 1200 عام، من على ضفاف نهر الفرات بالقرب من بلدة شيوخ تحتاني، ويعود تاريخ اللوحة إلى حقبة سيطرة الرومانيين على المنطقة بين عام 67 قبل الميلاد؛ حتى 637 ميلادي.

كيف تشكّلت مدينة كوباني؟

هجّرت الدولة العثمانية الآلاف من الأرمن إلى بقاع مختلفة من الأرض، وقتلت أكثر من مليون ونصف المليون من السكان الأرمن في الأناضول وشمال كردستان فيما يعرف بـ "إبادة الأرمن" عام 1915.

حيث هاجرت الكثير من العائلات إلى مناطق مختلفة منها مدينة كوباني الحالية، التي لعبَ فيها الأرمن دوراً أساسياً في بناء المدينة وتوسيعها.

قبل وصول الأرمن إلى كوباني، وقبل وصول الشركة الألمانية العاملة على بناء السكة الحديدية، لم تكن مدينة كوباني سوى قريتين منفصلتين تبعدان على بعضهما مسافة 2 كيلو متراً.

خططت البنية التحتية للمدينة بشكلٍ كبير من قبل السلطات الفرنسية خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، حيث لا تزال بعض المباني وتقسيمات الشوارع في المدينة قائمة وفق الطراز الفرنسي.

حتى عام 1960، وجدت في المدينة 3 كنائس للأرمن، بينما هاجرت الأسر الأرمنية إلى الاتحاد السوفييتي وأرمينيا عقب ذلك، حيث لم يبقَ سوى 4 أسر أرمنية في مدينة كوباني عام 2022.

عشائر كوباني

يقطن مدينة كوباني حالياً، بحسب تقديرات، أكثر من 60 ألف نسمة، وما يقارب 300 ألف نسمة في القرى والبلدات المجاورة.

مرت القبائل والعشائر الكردية في كردستان بمراحل عدة، من تحالفات وانشقاقات وهجرة، وكل ذلك كان له علاقة في تسمية القبيلة أو العشيرة أو الجماعة.

أما البرازية فكان لهم شأن مغاير، كونهم حافظوا على اسمهم التاريخي، ولم يتعرضوا لتغيرات تجعلهم يضمحلون اسماً وترابطاً ضمن المجتمع الكردي، الذي تعرض للكثير من التغيرات الديموغرافية، على الرغم من محاولات الحكومة العثمانية مراراً، على تشتيت اتحاد العشائر البرازية.

يسكن مقاطعة كوباني اتحاد العشائر البرازية وهي عشائر "كيتكان، وشيخان، وشدادن، وميران، وبيجان، وعليدينان، ومعفان، وزرواران، وعاصيان، وديدان، ودنان، وأوخيان، وقره كيجيان".

ويسكن قسم آخر تابع لهذه العشائر في شمال كردستان، حيث قسمت الحدود التي رسمت حدود الدولة التركية الحالية تلك العشائر إلى قسمين في شمال كردستان وروج آفا.

كوباني وحركة التحرر الكردستانية

استقبلت قرية علبلور بالقرب من مدينة كوباني في الثاني من تموز عام 1979، القائد عبد الله أوجلان، عندما عبر إلى روج آفا، ومكث في القرية ما يقارب 3 أشهر.

احتضنت كوباني العشرات من كوادر الحركة في بداية انطلاقتها، وانضم الشبان والشابات إلى صفوف الحركة رويداً رويداً، فكان أولهم الشاب الشهيد قره عمر كوباني من قرية كابلك والشهيدة الأولى من روج آفا في صفوف الحركة الشهيدة دجلة  "عينو محو" من قرية كور علي.

أطلق القائد عبد الله أوجلان نداء إلى الكردستانيين والأحرار حول العالم وأعلن النفير العام، لمنع سقوط مدينة كوباني بيد داعش خلال معارك توسع الأخيرة عام 2014، امتزج نداء القائد ومقاومة المدينة وشكلا رمزاً لدى الكرد والأمم المتعاطفة مع المقاومة التاريخية في كوباني.

انتفاضة 2004

انتفض عشرات الآلاف من الكرد في مدن روج آفا والعاصمة دمشق ومدينة حلب، في انتفاضة قامشلو 2004، ثارت مدينة كوباني كغيرها من المدن الكردية في روج آفا ضد نظام البعث في سوريا وأخرجت قوى الأمن من المدينة، وأرسلت الحكومة التعزيزات العسكرية لمداهمة المدينة، واعتقلت مئات الشبان وزجت بهم في السجون لسنوات، حيث إن بعضهم لا يزال مجهول المصير عقب 18 عاماً.

كوباني.. مهد الثورة

بعد نحو عام ونصف من بدء الأزمة السورية، شهدت مدينة كوباني بداية انطلاق ثورة عمت مناطق شمال وشرق سوريا. في 19 تموز، حرر أبناء المنطقة كوباني من حكومة دمشق، ثم تبعتها مدن عفرين والجزيرة، وشكلوا في هذه المناطق إدارة ذاتية، وبنوا المؤسسات والقوات التي تدافع عنهم.

كان ذلك في وقت بدأت فيه الأمور تزداد تعقيداً على الساحة السورية، فالانتفاضات الشعبية تحولت إلى صراع مسلح، ثم بدأت التدخلات الخارجية تؤثر في مسار الأحداث، حتى تحولت الأمور إلى أزمة كانت تزداد تعقيداً مع مرور كل يوم.

في المقابل، كان للثورة في المقاطعات الثلاث (كوباني وعفرين والجزيرة) تأثيرها العملي، فقد تخلص الشعب من حكم استبدادي، وبدأ بإدارة شؤونه على أسس العدل والحرية والمساواة والديمقراطية، مستندين على مشروع الأمة الديمقراطية.

الحرب ضد داعش.. تاريخ مفصلي

بعد فترة وجيزة من إشعالها شرارة الثورة، حوصرت مقاطعة كوباني من جهاتها الأربعة، تركيا شمالاً، والمجموعات المرتزقة شرقاً وغرباً وجنوباً، وباتت تشن الهجمات تباعاً، فيما دافعت وحدات حماية الشعب والمرأة عن كوباني، حتى أيلول عام 2014، عندما بدأ داعش بحشد قواته وشن هجوماً انطلاقاً من جميع الجبهات نحو مدينة كوباني، متسلحاً بترسانة الأسلحة التي استحوذ عليها من قواعد الجيشين العراقي والسوري اللذين فرّا من مساحات واسعة في الرقة ودير الزور والموصل.

أطلق داعش هجومه في 15 أيلول، وبعد نحو 3 أسابيع، كان قد وصل إلى مشارف المدينة التي شهدت على مدار 134 يوماً حرب شوارع مباشرة، استماتت فيها وحدات حماية الشعب والمرأة دفاعاً عن كوباني، وألحقت بداعش خسائر لم يسبق أن عاشها.

كان لهذه المقاومة صداها العالمي، حيث خرج ملايين المتظاهرين حول العالم في 93 بلداً مثل الأرجنتين، واليابان، وأفغانستان، ومصر، والمغرب وتركيا إلى جانب أغلب الدول الأوروبية، في احتجاجاتٍ عارمة؛ دعت الحكومات إلى التحرك في ظل دفاع عشرات المقاتلين والمقاتلات عن آخر أحياء مدينة كوباني.

وأُعلن عن اليوم العالمي للتضامن مع كوباني في الأول من تشرين الثاني؛ حيث اجتاحت المظاهرات الطرق الرئيسة في كبرى المدن حول العالم والمطارات، وأمام السفارات التركية تنديداً بالدعم التركي المباشر لداعش.

في المقابل، كانت شوارع المدينة الصغيرة تعيش أعنف المواجهات، ففي مواجهة السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية، كان الشبان الكرد يخوضون معركة الوجود بأسلحتهم الفردية وبإرادة قوية، وحرروا كوباني منزلاً منزلاً وشارعاً شارعاً، حتى أعلنوا عن النصر الكبير.

إذ جرى دحر مرتزقة داعش من آخر شوارع مدينة كوباني في 26 كانون الثاني عام 2015، ثم انطلقت منها معارك تحرير شمال وشرق سوريا من داعش.

وشكلت معركة كوباني والتعاون الذي جرى فيما بين الوحدات وعدد من فصائل الجيش الحر والتحالف الدولي أرضية لتشكيل قوات سوريا الديمقراطية التي مضت بخطى ثابتة لتحرير المنطقة، وصولاً إلى آخر معقل لداعش في الباغوز آذار عام 2019.

لقد كان الانتصار في كوباني بداية لانهيار المخطط التركي في سوريا، ففي حين كانت المعارك على أشدها في شوارع المدينة، خرج أردوغان وقال في كلمة "سقطت كوباني، وها هي تسقط"، كانت الخطة التركية تستند إلى انتشار داعش على طول الحدود التركية السورية، لكن بعد هزيمة داعش، تعمل تركيا بنفسها على تطبيق هذا المشروع، وتسعى جاهدة لاحتلال المناطق التي تحررت من داعش وتعمل على نشر مرتزقة داعش السابقين وأصحاب الفكر المتشدد والمتطرف في المناطق التي تحتلها.

وبسبب كل ما ذكر، تحتل كوباني مكانة كبيرة في قلوب الكردستانيين والعالم، فهي أولى المدن التي زارها القائد عبد الله أوجلان عندما عبر إلى روج آفا، وهي المدينة التي انطلقت منها ثورة روج آفا، والمدينة التي هزمت لأول مرة مرتزقة داعش هزيمة ساحقة، وقد تحولت بفضل كل ذلك إلى رمز للكرد وللإنسانية.

ولأنها ذات قيمة كبيرة وترمز للكرد، ولأنها أفشلت ذات يوم المخطط التركي، يسعى أردوغان اليوم إلى الانتقام، والمضي في سياسة الاحتلال وإحياء العثمانية الجديدة التي تقف كوباني حجرة عثرة أمامها.

(ز س- ج م/د)

ANHA