التسرب المدرسي يتفاقم في سوريا بسبب الظروف المعيشية وعمالة الأطفال

يتفاقم التسرب المدرسي في سوريا، مدفوعاً بعوامل اقتصادية واجتماعية ونقص المدارس في بعض المناطق، فيما تشكل عمالة الأطفال أحد أبرز أسبابه، وتظهر حماة وريفها نموذجاً لحجم المشكلة، مع توجه أطفال إلى سوق العمل لمساعدة أسرهم على تأمين احتياجاتهم المعيشية.

التسرب المدرسي يتفاقم في سوريا بسبب الظروف المعيشية وعمالة الأطفال
السبت 26 يلول, 2026   05:00
حماة

لا تبدو ظاهرة التسرب المدرسي في سوريا مرتبطة بمحافظة أو منطقة بعينها، بل تمتد إلى مختلف المحافظات، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية وضغوط معيشية تدفع بعض الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس وإرسالهم إلى سوق العمل، لا سيما في مرحلة التعليم الأساسي.

وتظهر حماة وريفها مثالاً على هذه الظاهرة، حيث برزت مؤشرات على اتساع أعداد الأطفال المنقطعين عن التعليم بالتزامن مع بدء العام الدراسي، خلال عمل جمعيات أهلية على توزيع القرطاسية واللوازم المدرسية على الطلاب المحتاجين.

وبحسب مرشد اجتماعي في إحدى الجمعيات المحلية بحماة، طلبت الجهات المشرفة على توزيع المساعدات من الأهالي، تقديم وثائق تثبت استمرار أبنائهم في الدراسة، إلا أن عدداً من الأسر لم يتمكن أو لم يرغب في تقديم تلك الوثائق، ما كشف، وفق المصدر، عن وجود أعداد ملحوظة من الأطفال خارج المدارس.

ويربط المصدر ذلك بجملة من العوامل، بينها الظروف الاقتصادية الصعبة، والتنقل والتهجير المتكرر للأسر، إضافة إلى حاجة بعض العائلات إلى دخل إضافي، ما يدفعها إلى إدخال أطفالها في أعمال لا تتناسب مع أعمارهم على حساب استمرارهم في التعليم.

وفي حماة، يقول المدرس كمال سبسبي إن عدداً من الأطفال يتجهون إلى العمل في المنطقة الصناعية لمساعدة أسرهم، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المواد الأساسية والمحروقات، مشيراً إلى أن الظاهرة تتفاقم مع غياب إجراءات كافية للحد منها.

ويرى المعلم مفيد جندي أن الحد من التسرب يتطلب إجراءات قانونية واضحة لحماية الأطفال من سوق العمل، إلى جانب معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس، وتنفيذ حملات توعية حول أهمية التعليم ومخاطر عمالة الأطفال، بالتعاون بين المؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية.

ولا تقتصر المؤشرات على حماة، إذ تظهر بيانات دولية أن أزمة التعليم في سوريا ما تزال واسعة، فقد أفادت اليونيسف في تقريرها السنوي المنشور في تموز 2026 بأن نحو 2.45 مليون طفل كانوا خارج المدرسة خلال عام 2025، فيما كان أكثر من مليون طفل آخرين معرضين لخطر التسرب، مع استمرار عدم صلاحية آلاف المدارس للعمل.

وتربط اليونيسف بين بقاء الأطفال خارج المدرسة وارتفاع مخاطر عمالة الأطفال، والزواج المبكر، وغيرها من أشكال الاستغلال، في وقت تؤثر فيه معدلات الفقر المرتفعة والظروف المعيشية الصعبة في قدرة الأسر على إبقاء أبنائها في التعليم.

وكان وزير التربية والتعليم السوري محمد عبد الرحمن تركو قد قال، في تصريحات سابقة، إن نحو 2.5 مليون طفل كانوا خارج المنظومة التعليمية، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من التسرب مرتبط بالعوامل الاقتصادية، وفي مقدمتها عمالة الأطفال، وأن تحسن الوضع الاقتصادي من شأنه أن ينعكس على معدلات التسرب.

وفي أحدث عرض رسمي لواقع التعليم أمام البرلمان في 14 أيلول الجاري، قدّر تركو عدد المتسربين بنحو مليوني طالب، عازياً الظاهرة إلى أسباب اقتصادية واجتماعية، إضافة إلى عدم توفر المدارس في بعض المناطق. وقال إن الوزارة تعمل بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية والفريق الحكومي على معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للتسرب.

وتتضمن الإجراءات التي عرضها الوزير لمعالجة الفاقد التعليمي وإعادة الأطفال إلى المدارس واعتماد برامج تعليمية مرنة، من بينها منهاج الفئة "ب" المخصص للطلاب المنقطعين أو المتأخرين دراسياً، والذي يتيح استكمال عامين دراسيين خلال عام واحد، بهدف مساعدة الطلاب على العودة إلى التعليم النظامي. كما تعتمد الوزارة القبول الشرطي لبعض الطلاب العائدين، وإجراء اختبارات تحديد المستوى عند غياب الوثائق الدراسية.

ويأتي ذلك في وقت تتوقع فيه وزارة التربية وصول عدد الطلاب في المدارس السورية خلال العام الدراسي الحالي إلى نحو 6 ملايين طالب، مقارنة بنحو 5.3 ملايين في العام السابق، وهو ارتفاع قال الوزير إنه يرتبط، من بين عوامل أخرى، بعودة اللاجئين والنازحين وطلاب كانوا خارج المدارس.

وتشير المعطيات إلى أن معالجة التسرب لا ترتبط بإعادة فتح المدارس أو زيادة قدرتها الاستيعابية فقط، وإنما تتطلب معالجة العوامل التي تدفع الأطفال إلى تركها، وفي مقدمتها الفقر وعمالة الأطفال، إلى جانب تأهيل المدارس المتضررة، وتوفير بيئة تعليمية قادرة على استيعاب الطلاب المنقطعين والعائدين.

ويبقى واقع نحو 20 بالمئة من الأطفال المتسربين من المدارس وفق جمعيات حقوقية في حماة وريفها، مثالاً على مشكلة أوسع تواجهها الأسر السورية، حيث يتحول العمل بالنسبة لبعض الأطفال من خيار مؤقت إلى بديل عن المدرسة، فيما تتزايد الحاجة إلى إجراءات اقتصادية واجتماعية وتعليمية متكاملة تضمن عودتهم إلى مقاعد الدراسة واستمرارهم فيها.

(أم)

ANHA