​​​​​​​مطاردة خليفة داعش لا طائل منها إن لم يتم تحقيق الاستقرار المجتمعي الذي يحرمه من معاودة الانتعاش

قال الكاتب المصري هشام النجار، في مقال له، إنه ليس مهماً التركيز على من هو خليفة داعش الجديد، وملاحقته كما اعتدنا عليه في السياسات الأميركية، ستظل هذه الجهود دون طائل أو أثر فعال، ما لم تتم معالجة أسباب نشأة داعش لإنهائه، وإعادة إعمار سوريا والعراق - الملاذ الذي يتحصن به داعش - على أسس المواطنة والعدالة وسيادة القانون لحرمانه من معاودة الانتعاش.

​​​​​​​مطاردة خليفة داعش لا طائل منها إن لم يتم تحقيق الاستقرار المجتمعي الذي يحرمه من معاودة الانتعاش
الخميس 17 آذار, 2022   06:47
مركز الأخبار

"ما إن يُقتل له زعيم دموي متوحش، إلا ويسارع إلى تنصيب من هو أكثر منه دموية ووحشية، هذا هو واقع حال تنظيم داعش وأسلوب تعامله مع مقتل قادته، منذ أبو مصعب الزرقاوي، السيئ الصيت مروراً بأبو بكر البغدادي، وانتهاءً بتنصيب أبو الحسن الهاشمي القرشي خلفاً لأبو إبراهيم الهاشمي القرشي"، بحسب مقال للكاتب المصري هشام النجار في صحيفة العرب.

وبعد أن أكد تنظيم داعش مقتل خليفته السابق ومبايعة خليفة جديد يُدعى أبو الحسن الهاشمي القرشي ودعوته في كلمة صوتية لمتحدثه الإعلامي الجديد أبو عمر المهاجر عناصر التنظيم لمبايعة الخليفة الجديد ومواصلة العمليات، بات واضحاً حرص داعش على تصدير أكثر قياداته جرأة على سفك الدماء وإظهار أقسى درجات العنف مع من يعتبرهم خصومه وأعداءه، ووضعه على رأس قيادته.

 وحرص داعش على أن تبدو عملية تنصيب خليفة جديد سلسة وسريعة ووصف متحدثه الإعلامي بأن العملية جاءت امتثالاً لوصية أبو إبراهيم الهاشمي، ليظهر كما لو أنه أعد جيلاً قيادياً بديلاً قادراً على تحمل مهام القيادة حتى لا يتعرض وجود وبقاء التنظيم للتهديد.

التحدي الأكبر الذي يواجه خليفة داعش الجديد هو مدى امتلاكه القدرة على وضع بصمته الخاصة على نشاط التنظيم وما ينقذه من مصير توصيفه بالقائد العادي أو الضعيف الذي أتى بعد قادة أقوياء اكتسبوا سمعة كاسحة داخل الحالة الجهادية مثل أبو بكر البغدادي وعبد الله قرداش وقبلهما أحمد فضيل الخلايلة (أبو مصعب الزرقاوي).

واعتادت الإدارات الأميركية المتعاقبة، بالتنسيق مع أجهزتها الأمنية، التركيز على رأس قيادة داعش كهدف أولي بمجرد تنصيبه. وتكرر هذا مع زعماء داعش الثلاثة السابقين الذين جرى تنصيبهم في أعوام 2006 و2010 و2019، وهي السياسة التي من المرجح أن تستمر بعد تنصيب أبو الحسن الهاشمي على الرغم من أنها أثبتت نجاحها المحدود والجزئي. حيث لم تهزم التنظيم بشكل دائم.

وتظل جهود مطاردة وملاحقة قادة داعش بدون طائل أو أثر فعّال في تحقيق النتائج الكبرى المرجوة المتعلقة بإنهاء وجود التنظيم كلياً أو على الأقل إفقاده القدرة على تنفيذ العمليات والتمركز والعثور على ملاذات حاضنة، ما لم تُشفَع بإجراءات شاملة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري لتحقيق الاستقرار المجتمعي الذي يحرم داعش من معاودة الانتعاش.

وفيما اعتادت الولايات المتحدة الاكتفاء بتحقيق ارتباك لحظي في هيكل قيادة داعش عبر التركيز في كل مرة على استهداف رأس القيادة فيه، وهو الذي يحقق أهدافاً سياسية وانتخابية داخلية في واشنطن، سهل على داعش في كل مرة، والذي خرج من إطاره الضيق داخل المنطقة العربية وصار بمثابة تنظيم عالمي، ونقل الشرعية القيادية من زعيم إلى آخر مع حماية القيادة الجديدة لأطول فترة ممكنة وتجهيز قيادة بديلة تؤمن عودته سريعاً للمشهد في حال تمت تصفية قيادته.

ومن المتوقع أن يبني أبوالحسن الهاشمي على ما أرساه أبو إبراهيم الهاشمي وكأن التنظيم لم يفقد شيئاً، متلاعبا بالأسماء والألقاب، فإذا كنتم قتلتم أبا إبراهيم، جئناكم بأبي الحسن، أما المعالجة الشاملة والمعتبرة لكارثة داعش المستمرة فتتعلق بإنجاز سياسات تنهي المظالم السنية وتلبي مطالب عائلات وشباب السنة وتحقق المصالحة الوطنية وتعيد إعمار سوريا والعراق على أسس المواطنة والعدالة وسيادة القانون.

ومن الآن، لن يفيد التركيز على مراقبة وملاحقة خليفة داعش الجديد الذي لم تُنشر صور له ولم تُعرف بعد ملامح وجهه ما لم تعالج أسباب نشأة داعش من انهيار المؤسسات في قلب العالم العربي والإسلامي وشيوع العنف الطائفي والظواهر الميليشياوية، فضلاً عن التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية في شؤون دول المنطقة.

وتدفع مقدرة داعش على الاستمرار والبقاء رغم ضعفه وهشاشته وعدم سيطرته على مساحات كبيرة وتشتت عناصره إلى ضرورة الوقوف على ماهية التنظيم وطبيعته الحالية التي تمنحه تلك القدرة على مواصلة شن الهجمات وهو يعاني من نزيف في هيكله القيادي ويقتصر وجوده على الجبال والصحاري والمخابئ الريفية.

وبات مركز القائد داخل داعش هو أقوى وأضعف مكوناته في الوقت ذاته؛ حيث صار خليفة بلا خلافة وتكرر استهدافه بالقتل بعد إحراز نجاحات متفاوتة، بحسب التحديات التي يواجهها على اختلاف المراحل منذ خسارة خلافته في العراق وسوريا في عامي 2017 و2019 على التوالي.

ولم تكن سمات القيادة هي العامل الأقوى في استمرارية التنظيم، ليس فقط في صحاري وجبال سوريا والعراق؛ بل أيضاً في أفغانستان وليبيا وأجزاء عديدة من أفريقيا مع إبقاء ما يقدر بعشرة آلاف عنصر مقاتل نشط ومؤدلج على قيد الولاء والمبايعة، وجميعهم على استعداد للتضحية بأنفسهم من أجل قضية التنظيم.

ويكمن السر في تطوير داعش لنفسه باستمرار دون الاعتماد بشكل كلي على قيادته المركزية؛ حيث صار في فروعه المستقلة البعيدة وحتى في معقله الأول بسوريا والعراق بمثابة تشكيلات بيروقراطية مستقلة ومتطورة أكسبها مجندوها الأجانب العديد من المهارات والمعارف، مكنتها من الاستفادة من كل نشاط محيط بها بداية من القبائل والمكونات المحلية مروراً بعصابات التهريب والجريمة المنظمة وانتهاءً بالسوق السوداء والإتجار في الممنوعات وغسيل الأموال.

وجدد داعش صفوفه بعناصر أصغر سناً من النازحين وذوي المظالم ومن المنتسبين لعائلات تربطها علاقات بالتنظيم، حيث ما زال عشرات الآلاف من السنة النازحين داخلياً يُعاملون بتهميش وازدراء، وهو ما مكنه من الحفاظ على قدراته العملياتية دون الاعتماد بشكل كبير على القيادة، حيث تمتع الجيل الجديد في مختلف الأفرع بالاستقلالية العملياتية.

وأياً كان اسم قائد داعش الجديد، سورياً كان أو عراقياً أو تركمانياً، أو من الجيل الجديد أو من جيل المؤسسين، فإن التنظيم بمن حضر من قادته معتمداً على قوالب تراثية مجتزأة وجاهزة ورواية مهدوية تبشر بقرب نهاية العالم وبخوض حروب آخر الزمان وشبكة مصالح شريرة تحقق الربح السريع لعاطلين ومهمشين يعانون من القهر والظلم الطائفي.

وتنصيب أبو الحسن الهاشمي بعد مقتل أبو إبراهيم الهاشمي على الرغم من دويه وصداه الإعلامي أقل أحداث داعش أهمية، حيث وردت للأذهان فور سماع نبأ تسمية خليفة جديد تساؤلات بشأن سيناريوهات استهدافه ومتى وأين ستقتله وحدة كوماندوز أميركية، بينما الأكثر أهمية هو تطوير سياسات ذكية لتجفيف منابع التنظيم والحد من قدرته على الاستقطاب من داخل صفوف جيل شغوف بمحنة العرب السنة بالمنطقة.

(ل د)