غزة تدخل عامها الـ14 تحت الحصار.. هذا ما فعله بسكانها

يبدو المشهد اليومي المعاش في قطاع غزة خلال هذه المرحلة، أقرب إلى برميل بارود يحبس بداخله أكثر من 2 مليون شخص، ما يزيد عن نصفهم معدومي الدخل المادي والرعاية المعيشية والصحية، وينذر بالانفجار نحو المجهول في أي لحظة، هذه الحالة بالضبط، أقرب توصيف لما صنعه الحصار الإسرائيلي الشديد للقطاع وهو يدخل عامه الـ14، وما زالت غزة ترزح تحت وطأته.

غزة تدخل عامها الـ14 تحت الحصار.. هذا ما فعله بسكانها
السبت 26 كانون الثاني, 2019   11:43

غزة / عمر موسى

على مدار 13 عامًا، أثر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، والذي بدأ فعليًا في يناير/كانون الثاني من العام 2006 عقب الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي فازت فيها حركة حماس، وتسلمت غالبية مقاعد التشريعي/البرلمان الفلسطيني، علــى نحو 2 مليون فلسطيني وتسبب بأزمات إنسانية متكررة نتيجة لتقييد حركة السكان ونقـص الأدوية والمعدات الطبية وقلة الوقود، إضافة إلى القيود المفروضة على دخول مواد البناء الأساسية، والتي تحول دون إعادة بناء كل ما دمرته ومازالت تدمره الحرب، سواء إصـلاح آلاف المنازل والمدارس والمستشفيات المدمرة جزئياً وكلياً، أو ترميم محطة توليـد الطاقة التي تضررت خلال الهجمات الإسرائيلية علــى القطاع.

أدى الحصـار الإسرائيلي، إلى إغلاق شبه تام لجميع منافـذ القطاع، حيـث تفـرض السـلطات الإسـرائيلية قيـودًا مشـددة علـى حركـة الأفـراد والبضائـع مـن وإلى القطـاع، وتسـمح بدخـول كميـات محـدودة مـن المنتجـات الغذائيـة والوقـود والسـلع اليوميـة، كذلك منع الحصار الكثير من المرضى من الخروج للعلاج في الخارج أو حتى السماح بإدخال العلاج المناسب إلى مستشفيات القطاع، وحالت القيود الإسرائيلية أيضاً، دون سفر المئات من الطلبة للالتحاق بجامعاتٍ أو برامج تعليمية أو برامج ثقافية في الخارج.

منذ انسحاب إسرائيل من قطاع غزة في عام 2005، وهي  تسـيطر علـى الجـزء الأكبـر والأهـم مـن شـؤون القطاع بمـا فيـه حركـة الأفـراد، وتسـجيل السـكان، وشـبكات التواصـل، والحـدود البريـة والبحريـة والجويـة، بالإضافـة إلـى عـدة جوانـب أخـرى تشـمل الحياة اليوميـة والبنيـة التحتيـة.

وهي إذ تعتبر فعلياً المسؤول عن منافذ القطاع الكاملة، ترفض أن تلتزم بتحمل مسـؤولية حمايـة شـؤون السـكان المدنيـين فـي القطـاع، وهي بذلك تنتهـك القانـون الدولـي الإنسـاني، وتفرض شكلاً غير مسبوق من أشكال العقاب الجماعي.

وتأثر الاقتصاد الغزي  بإجراءات الحصار، ودخل في حالة من الركود وتلاشي مقومات بقائه، منذ بداية فرض الحصار والذي شمل إغلاق جميع معابر القطاع الاقتصادية بشكل تام.

وتسبب الحصار فـي شـل الاقتصـاد بالكامـل، خاصـة فـي الفتـرات التـي تقـوم فيهـا إسـرائيل بشـن الهجمـات العسـكرية علـى القطـاع. وينـال القطـاع الخـاص النصيـب الأكبـر مـن الخسـائر عـادةً نتيجـة للقيـود التـي تفرضهـا السـلطات الإسـرائيلية علـى حركـة رجـال الأعمـال والتجـار، نتيجة لعدم وجود تعويض من أي جهة رسمية أو دولية، وكذلك لمنعهم حتى من إعادة إدخال المعدات والمواد اللازمة لإعادة إحياء أعمالهم، وهو ما يؤثر على شريحة العمال وعائلاتهم التي تعيلها هذه الشـركات والمنشـآت الخاصـة.

تدمير الكهرباء ومهن المواطنين "الزراعة والصيد"

فرضـت إسـرائيل منطقـة عازلـة داخل أراضـي قطاع غـزة مقتطعـة نحـو 30% من الأراضـي الزراعيـة لـ "دوافع أمنيـة" على حد تعبيرها، وهو ما دفـع المزارعين إلـى تجنـب تلك المناطـق، حيث يبقى الاسـتثمار فيها شـبه مسـتحيل فـي ظل منع إسـرائيل وصولهـم إليهـا بعدة طـرق كاسـتخدام الرصـاص الحـي والاعتقـال وتجريف الأراضي وتدمير الممتلكات.

وتكبد المزارعون خلال العقد الماضي خسائر فادحة أثرت بشكل أساسي على مصادر رزقهم وتوفير احتياجاتهم الأساسية، حسبما نقلت منظمات حقوق الإنسان شهاداتهم، وتمثلت خسائرهم في تدمير البيوت البلاستيكية وتجريف الأراضي وقلع الأشجار ونفوق المواشي. ومن جانب آخر، دأبت إسرائيل سنويًا وبتصاعد ملحوظ على استخدام طائرات الرش الزراعية التي تقوم برش المبيدات الكيميائية والمواد السامة لإبادة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية قرب الشريط الحدودي شرق قطاع غزة، ما يجعل المنتجات الزراعية التي تتعرض لعملية الرش غير صالحة؛ بسبب تعرضها للمواد الكيميائية والسامة، إلى جانب الأضرار التي تلحق بالثروة الحيوانية التي يتواجد أكثر من 70% منها على الشريط الحدودي.

أما من جهة القطاع البحري، فإن اتفاقيـة أوسـلو التـي وقـعت عليهـا كل مـن منظمـة التحرير الفلسـطينية وإســرائيل عــام 1994 تقضي بالســماح للفلسطينيين بالإبحار حتى مسافة 20 ميل بحـري (نحـو 37 كيلـو متـراً) مقابـل شـواطئ قطـاع غـزة، إلا أن ذلك حبر على ورق فقط، إذ أن إسرائيل تمنع دائماً الفلسطينيين مـن الوصول لتلك المسـافة، فيما تتراوح المساحة المسموح للصيادين بالإبحار خلالها حاليًا من 3-6 أميال بحرية في أفضل الأحوال، وعادة يتم قتل أو اعتقال من يتجاوز المساحة.

إلى ذلك، تشكل أزمـة الكهرباء أيضاً أحد المشاكل الرئيسية التي يعاني منها قطاع غزة، وهي نتجت عن عدة عوامل أولاً  الحاجة المستمرة للوقود الذي يسمح له بالدخول مرة، ويمنع في أحيان كثيرة بحسب ما تراه إسرائيل.

وأدت أيضاً مشكلة الكهرباء، إلى وقف أو إعاقة تقديم الخدمات الأساسية لسكان القطاع كالمياه والصرف الصحي والتعليـم والصحة، وكذلك تعاني مستشفيات القطاع من انقطاع التيار الكهربائي، إلى جانب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية كبديل عن محطة توليد الكهرباء التي تتوقف عن العمل بشكل متفاوت.

حروب شرسة.. قضت على آمال الفلسطينيين

وشنت إسرائيل، منــذ العام 2008 ثــلاث حروب عسكرية علــى قطاع غزة، ألقت خلالها أكثر من 24,000 طن من المتفجرات، دون مراعاة السكان المدنيين وتحييدهــم عــن النزاع على مدى فترات الهجمات، متسببة بوقوع نحو 3,745 ضحية، وجرح 17,441 آخرين، وتسببت الحروب الثلاث فـي شـل الاقتصاد تمامـاً وتدمير البنية التحتية للقطاع.

ومن ناحية أخرى، تشير مؤسسات حقوق الإنسان والمنظمات الأهلية، إلى أن إسرائيل تعمدت خــلال هجومها الأخير علــى قطاع غـزة صيف 2014 إلى تدمير الكثير مــن الأعيان المدنية والمنشآت الصناعية وشبكات الاتصال والكهرباء وقطع الطرق من خلال تدمير الجسور، وتجريف الآلاف من الدونمات الزراعية، وهي في الوقت ذاته تمنع دخول مواد البناء والمواد الأخرى اللازمة لإعادة بناء ما تم تدميره. ولم تكتفِ إسرائيل بعدم أخذ التدابير اللازمة لتجنيب السكان المدنيين آثار النزاع، بل قامت في عدد من الحالات باستهداف مواقع ذات كثافة سكانية عالية متسببة بوقوع أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، ودمار غير مسـبوق للبنيـة التحتية أدى إلى تردي الأوضاع الاقتصادية فـي ظـل بقاء نحو ما يزيد عن نصف سـكان القطاع عاطلين عـن العمل، بحسب ما ذكره المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.

ولا تتوقف إسرائيل عند حدود الحروب القوية، بل تنتهج سياسة المعارك بين الحروب، إذ لا تتوقف الهجمات الإسرائيلية الجوية، والبرية، خلال الأوقات الحالية، وهو ما أدى إلى جلب مزيد من القتل والدمار والتخريب، دون قدرة على إعادة الإعمار أو تعويض ما خربته الهجمات.

(ح)

ANHA