عيشة شان اتسمت أغانيها بالحنان والصوت الرخيم

عيشة شان تلك المرأة الجبارة التي تحدت الأعراف والعادات والقوانين التي تكبل كينونة المرأة وكيانها، اتسمت أغانيها بالحنان والصوت الرخيم، لم تدرس في أكاديمية فنية ولا في معهد موسيقي، إلا أنها كانت تتقن الأداء والأسلوب الفني الخاص بها، تعرضت للطعن بالسكين من قبل أحد القوميين الأتراك بسبب غنائها باللغة الكردية.

عيشة شان اتسمت أغانيها بالحنان والصوت الرخيم
الثلاثاء 18 كانون الأول, 2018   04:48

سلافا عبد الرحمن

تمر علينا اليوم 18 كانون الأول الذكرى السنوية لرحيل الفنانة الكردية عيشة شان، التي خلّفت إرثاً غنائياً غنياً ساهم في تطوير التراث الغنائي الكردي وحفظه من الاندثار.

نشأتها

ولدت عيشة شان علي في مدينة آمد في باكور "شمال كردستان"، عام 1938 وهي بالأصل من مدينة أرزروم، من عائلة مكونة من 6 أشخاص 3 فتيات وشاب ووالديها، وهي الأخت الكبرى في العائلة، والدها محمد أوصمان علي شان، ووالدتها أليف خان، فقدت عيشة شان والدها أثناء خدمته الاحتياطية في الحرب العالمية الثانية بعد صراعه مع المرض وهي في سن صغيرة، وأثناء اندلاع الحرب بين العثمانيين والروس هاجر أجدادها من مدينتهم، وخلال تلك الحرب فقدت عيشة شان عدداً من أفراد عائلتها.

درست حتى المرحلة الابتدائية وعاشت طفولة تعيسة في حي (عربداشه) داخل أسوار مدينة ديار بكر، كانت الأخت الكبرى لثلاث بنات وابن وحيد، لعائلة فقيرة.

تأثرت عيشة شان بوالدها، وبدأت بالغناء في حجر النساء وفي الموالد حيث كانت تقرأ القرآن والقصائد الدينية، وبنت عليها أساسها الفني وكونت موهبتها.  اكتشفت موهبتها منذ الصغر  عندما كان المغنون يجتمعون في منزل والدها حيث كانوا يحيون ليالي السمر والغناء بوجود والدها الذي كان يحفظ العديد من الأغاني الفلكلورية والتراثية.

بعد أن شعرت بوجود هذه الموهبة وهذا الإحساس المرهف تجاه الغناء، تعززت ثقتها بنفسها وصوتها، حاولت الغناء في الأماكن العامة ولكن العائلة المحافظة والمتمسكة بالتقاليد وقفت حجر عثرة أمام رغبتها، ولكن بإصرارها الشديد سجلت أول أسطوانة لها بشكل سري عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها واشتهرت بها، ولكي تحفظ العائلة قيمتها ومكانتها بين المجتمع تم تزويجها إلى رجل متزوج وله أولاد وهو في عمر والدها، ولكنها واجهت ظروفاً صعبة، وفرت مع ابنتها الصغيرة ياسمين إلى ديار بكر مجدداً.

بعد عودتها إلى ديار بكر، واجهت نظرات المجتمع وحديث الناس السلبي عنها، حتى تزوجت من رجل اسمه جركس، واشترطت عليه ألا يمنعها من الغناء فوافق، ولكنه وبسبب عادة الثأر قتل بعد فترة قصيرة من الزواج، حيث اضطرت عيشة شان في نهاية الخمسينيات بعد معاناة كبيرة إلى السفر إلى مدينة عنتاب، وبدأت بالعمل في مكتب لبيع بطاقات النقل الداخلي، إلى جانب غنائها في إذاعة عنتاب المحلية الحكومية.

تعرفت عيشة شان على عدة فنانين في عنتاب، واحترفت الغناء من هناك حيث وجدت الكثير من الآلات الموسيقية الحديثة وغنت باللغة التركية في البداية واشتهرت من هنا, فيما بعد غنت باللغة الكردية أيضاً، الأمر الذي أثر عليها سلباً من جهة الحكومة التركية لأن اللغة الكردية كانت ممنوعة. وبعد قرابة عامين من العمل في الإذاعة ووفاة ابنتها الصغيرة، الذي أثر سلباً على حياتها، تركت العمل في عام 1961في عنتاب لتتوجه فيما بعد إلى إسطنبول.

بناء على طلب بعض الأصدقاء توجهت إلى العراق وإلى مدينة الموصل تحديداً، وتواصلت مع الفنانين الكرد المشهورين آنذاك محمد عارف جزيري وعيسى برواري، ومن ثم توجهت إلى بغداد، وهناك سجلت حلقات فنية في إذاعة بغداد، وشاركت في الغناء مع فنانين كبار أمثال تحسين طه، محمد عارف جزيري، رسول كردي، كولبهار وعيسى برواري في إحياء حفلات فنية في بغداد، هولير، الموصل ودهوك.

وبعد عودتها إلى تركيا وبسبب غنائها باللغة الكردية تعرضت للطعن بالسكين من قبل أحد القومويين الأتراك، حيث تركت على إثرها اسطنبول، وبعد أن تعافت غادرت إلى ألمانيا عام 1972لإحياء بعض الحفلات و غنت في العديد من الدول الأوربية، إلا أن عيشة شان لم تبق لمدة أطول في ألمانيا بل عادت إلى اسطنبول.

و تعرضت لضغوطات شديدة من قبل السلطات التركية، حيث اضطرت إلى التواري عن الأنظار لفترة من الزمن بناء على طلب بعض السياسيين الكرد آنذاك، وعانت في تلك الفترة من العوز ودخلت في ظروف نفسية صعبة، إلى أن قامت بتسجيل ثلاثة كاسيتات جديدة باللغة الكردية في تلك الأعوام وبعد أن سمح باللغة الكردية في زمن الرئيس تورغوت اوزال عام 1990  ومنها "Werin Werin Pêşmerge   "و Diyarbekir" " و "Newroz".

حققت عيشة شان خلال فترةِ عمرها القصير نجاحاً كبيراً وشهرة واسعة حتى صارت بحق وجدارة سيدة الغناءِ الكردي وما زالت, فلم تستطع حتى الآن أيّة مطربة كردية أن تفعل ما فعلته هي.

 ولكن يبدو أن روحها المفعمة بالحب الصادق والولع الشديدِ بالعشقِ والعشاقِ وقلبها المغلف بصدق المشاعرِ والأحاسيسِ الرقيقةِ  عجزا عن مقاومة الظروفِ التي كانت أقوى وأكثر شراسة، ما سمح للمرض أن يتسللَ إليهما بشراسة وعنف ويعلن نهايتها المبكرة جداً ورحيل جسدها الطري في 18/12/1996م، ولم توارَ الثرى بشكل يليق بمقامها الفني الرفيع بسبب  ممارسات تركيا بحق الشعب الكردي ومنعهم،  واقتصرت مراسم الدفن على بعض الناس، ولكن الموت لم يتمكن من التسلل إلى حنجرتها الذهبية التي ما زالت تصدح بأعذبِ الأنغام والألحان.

(ك)

ANHA