العم طاهر.. قصة مقاومة شعبية في الشيخ مقصود

شهدت حياة العم طاهر جحا محطات عديدة، تظهر وجهه المقاوم، ولعل أبرزها حي الشيخ مقصود الشاهد على مقاومته. وزاد إصراره على المقاومة بعد استشهاد القيادي في وحدات حماية الشعب بحلب، "باكور" ويقول "لم أبكِ على جنازة أبي، مثلما بكيت على استشهاد باكور".

العم طاهر.. قصة مقاومة شعبية في الشيخ مقصود
العم طاهر.. قصة مقاومة شعبية في الشيخ مقصود
العم طاهر.. قصة مقاومة شعبية في الشيخ مقصود
العم طاهر.. قصة مقاومة شعبية في الشيخ مقصود
السبت 12 مايو, 2018   05:13

محمد عبدو - أحمد رشيد / حلب

العم طاهر جحا، والمكنى بأبي يوسف أب لأربعة صبيان، وهو من المكون العربي ذو أصول إدلبية على حد قوله، يمكث في حي الشيخ مقصود منذ عقود من الزمن.

سكن العم طاهر في حي الشيخ مقصود منذ ما يقارب 40 عاماً واشترى منزلاً من عرق جبينه ليكون بمثابة مأوى له ولعائلته من خلال عمله في مجال الطبخ والحلويات. إلى جانب ذلك سافر إلى العديد من الدول كفرنسا، إيطاليا، اليونان، سويسرا، إسبانيا، البرتغال، ودول الخليج العربي ولبنان.

خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان ما بين الأعوام 1974– 1976، وبينما كان طاهر في لبنان يعمل، اعتقل من قبل الكتائب اللبنانية آنذاك وتعرض للضرب، فقط لأنه سوري، وعلى حد وصفه "بأنه نجا بأعجوبة".

عاد العم طاهر إلى سوريا، لتسوقه السلطات السورية إلى الخدمة الإلزامية بعد أن كان متخلفاً، وعليه ذهب مرة أخرى إلى لبنان بصفة عسكري سوري وشهد الحرب الأهلية التي اندلعت هناك.

تجاربه في الحروب جعلته يبقى في منزله ويقاوم فيه

يقع منزل العم طاهر في أقصى شرق حي الشيخ مقصود ويفصل بيته عن أقرب نقطة بحي بستان الباشا، الذي كان يخضع لسيطرة المرتزقة، حوالي الـ 100 متر.

وإبان الهجمات على حي الشيخ مقصود تمكن المرتزقة من التوغل والوصول إلى شارعه لينزح جميع جيرانه وأقربائه ويبقى هو وحيداً في المنزل ويشهد على عمليات السرقة المتكررة، وتدمير الممتلكات العامة والخاصة لأسباب غير واقعية.

وتابع طاهر في حديثه "لم يراعوا كبر سني وعملوا على ترهيبي أنا وأسرتي لإخراجنا من منزلنا لسرقته وأخذ ممتلكاتنا، وعندما رفضنا الخروج، تعرضت للضرب على يدهم، كما أهانوا شيخاً مسناً لسرقة بيته. أسبوع مضى كالجحيم علينا، وكأنه 7 سنوات بسبب ممارستهم".

كنتُ شاهداً على أحداث عديدة في حياتي والتي جعلتني ابتعد عن العائلة، لكن مع اندلاع الحرب في سوريا وبالتحديد في المدينة لم أترك منزلي لأن  بناءه وتكوين العائلة كان من شقاء عمري، لذلك رفضتُ الابتعاد مرة أخرى.

باكور المتواضع أحب الشعب وعمل على حمايته

واستكمل العم طاهر حديثه "بقي المرتزقة متمركزون في شارعنا لمدة أسبوع، لتبدأ عملية  تحرير منطقتنا من قبل وحدات حماية الشعب، حينها جاء الرفيق القيادي باكور ورفاقه وأنقذونا من ذلك الظلام".

ووصف العم طاهر يوم عودة وحدات حماية الشعب وتحريرهم بيوم الخلاص وقال "كأنما انتهت قصة حزينة بالفرح بطلها الشهيد باكور".

وأكد طاهر بأن مقاتلي وحدات حماية الشعب لبوا جميع متطلباته من أكل وشرب إلى مياه وكهرباء وأظهروا المعنى الحقيقي للحرية من خلال ترك المجال للنقاش وإبداء الرأي إلى جانب الأخلاق الحميدة، قائلاً "أخلاقهم أبهرتني".

وفي تطرق لصفات المناضل باكور قال العم طاهر بأنه كان متواضعاً جداً مع الأهالي، وتابع "مع أنه لم يكن يعرف التحدث باللغة العربية، إلا أنني كنت أفهمه من ابتسامته، كان صاحب قضية نادى بها وأصر على الوصول إلى أهدافه، أحب الشعب والشعب أحبه واستشهد دفاعاً عنهم"، وأضاف "لم أبكِ على جنازة أبي مثلما بكيت على شهادة باكور".

علمني الإنسانية من خلال مساعدة الآخرين

عمل العم طاهر على إنقاذ الجرحى الذين كانوا يتعرضون لإصابات نتيجة هجمات المرتزقة المتكررة على الحي وخاصة الجرحى الذين يصابون بسلاح القناص، فكان يقوم بسحبهم بواسطة أداة صنعها بنفسه وهي عبارة عن سيخ حديد طويل معقوف من طرفه، ليتمكن من إخراج الجرحى وهو في الشارع الفرعي، وبهذه الطريقة أنقذ حياة العشرات من الأشخاص.

تعرفه على المناضل باكور جعله يتعرف على الإنسانية والحياة، وأردف العم طاهر بهذا الصدد "بعد استشهاد باكور دفاعاً عن أهالي الحي، قطعتُ على نفسي وعداً بمساعدة أي شخص محتاج وفاء لجميل المناضل باكور".

قناصو المرتزقة والحصار جعلاه يعيش على الاكتفاء بالأرض

بعد مرور فترة ليست بطويلة زادت عمليات قنص المرتزقة لأهالي حي الشيخ مقصود، كما أغلق المرتزقة جميع الطرق المؤدية من السوق إلى منزله، وبعد تعلمه مبدأ الاكتفاء بالذات وخلق الإرادة من المناضل باكور، طبق ذلك عملياً، حيث زرع في قطعة أرض أنواع الخضار، ومنها استطاع تأمين الخضروات التي سدت حاجته اليومية، وإلى جانب ذلك زرع نباتات الزينة.

وقال العم طاهر بأن الشهيد باكور تكلف بجميع مصاريف سقايتها بالماء كخطوة للمساعدة والتشجيع على الاستمرار.

المرض نال منه لحزنه على عفرين وقتل أبنائها

مع بداية هجمات جيش الاحتلال التركي ومرتزقته على عفرين، أصيب العم طاهر بمرض نقص التروية (جلطة دماغية) نتيجة حزنه الشديد بعدما شاهد مقطعاً مصوراً على إحدى القنوات التلفزيونية يظهر امرأة مع أبنائها مشردين بالبرية وحالتهم يرثى لها.

ووصف ذلك المشهد بالقول "لقد عشتُ مع أبناء الشعب الكردي سنوات عديدة، والشهيد باكور خير مثال لأبناء الشعب الكردي، فعندما أرى شعباً مسالماً يتعرض للظلم لا بد أن أحزن، فأثناء رؤيتي للأطفال والنساء مهجرين وبعضهم الآخر مستشهد، إما بالقذائف أو بالطيران شعرت بالاشمئزاز من الإنسانية وغفيت لأفتح عيني في المستشفى من شدة حزني على أبناء عفرين".

وأنهى العم طاهر حديثه بمناشدة كافة أبناء الشعب السوري للتوحد ضد الاحتلال التركي لرده وإعادة أراضي الأجداد والحضارات.

والجدير بالذكر أن الشهيد باكور ترعرع ضمن عائلة وطنية من السليمانية في باشور "جنوب كردستان"، وشقيق لشهيدين استشهدا ضمن صفوف حركة حرية كردستان. وانضم إلى صفوف الحركة وشارك في ثورة روج آفا واستشهد بحي المقاومة الشيخ مقصود.

(س و)

ANHA