سيناريو الأزمة الكوبية يتجدد في سوريا ..  

إن الأزمة القائمة بين روسيا وحلفائها من جهة وأمريكا وحلفائها من جهة أخرى على خلفية ما يجري الآن في سوريا يشبه إلى حد كبير الأزمة الكوبية التي نشأت بين البلدين خلال الحرب الباردة، ولكن هل ستنتهي كما انتهت السابقة باتفاق الطرفين؟.

سيناريو الأزمة الكوبية يتجدد في سوريا ..  
17 نيسان 2018   02:15

مركز الأخبار / يحيى الحبيب

"الصواريخ قادمة.. إنها لطيفة وجديدة وذكية وعلى روسيا أن تستعد لها"، هكذا غرّد ترامب على تويتر ليعلن عن هجوم قريب على سوريا, فيما رد بوتين بأنه يأمل أن يسود المنطق السليم العالم، وأن تتغلب لغة العقل في تسوية الخلافات الدولية.

وكثرت التصريحات الأمريكية والغربية المهددة للنظام السوري وروسيا وإيران، فيما تباينت ردود الفعل الروسية التي طغى عليها التوتر حيث تهدد تارة على لسان سفيرها في لبنان وتبحث عن التهدئة تارة عن طريق بوتين ولافروف.

ولكن الولايات المتحدة وجهت مع فرنسا وبريطانيا ضربات لمواقع النظام السوري فيما يترقب العالم مسار الأحداث الآن، فهل تكتفي الولايات المتحدة وحلفاؤها بهذا الكم من الضربات أم أن الاستهداف كان سياسياً أكثر من كونه عسكرياً ويهدف إلى إعادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى زعامة العالم؟.

وطوال السنوات الـ 7 مما سمي بالربيع العربي وما سبقها بدأت التحليلات تروج بأن القطبية الأحادية للولايات المتحدة انتهت وبأن هناك قطباً جديداً يتشكل بزعامة روسيا حتى ذهبت الدول الحليفة لواشنطن بالقلق من التحالف معها وزاد ذلك خلال فترة حكم أوباما. أما بعد وصول ترامب إلى سيادة البيت الأبيض بفترة قصيرة قام بتغيير كافة المسؤولين وتعيين من يسمون بالصقور بدلاً عنهم.

وبالنظر إلى كل هذه التطورات على الساحة السورية والعالم من صراع بين الولايات المتحدة وروسيا نرى بأن ما يجري الآن بينهما يشبه بشكل كبير أيام الحرب الباردة والأزمة الكوبية على وجه الخصوص.

وصاحبت فترة الحرب الباردة عدة أزمات دولية مثل أزمة حصار برلين 1948–1949 والحرب الكورية 1950–1953 وأزمة برلين عام 1961 وحرب فيتنام 1956–1975 والغزو السوفييتي لأفغانستان، ولكن تبقى أزمة الصواريخ الكوبية 1962 أهمها لأن العالم شعر حينها أنه على حافة الانجراف إلى حرب عالمية ثالثة. ومن بين الأزمات بين البلدين أيضاً أزمة حدثت خلال تدريبات قوات الناتو 1983. ولكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي 1991 باتت أمريكا القوة العظمى في عالم أحادي القطب.

ما هي أزمة الصواريخ الكوبية ؟

أزمة الصواريخ الكوبية هي توتر سياسي وعسكري حدث في عام 1962 عندما بدأ الاتحاد السوفييتي بتثبيت صواريخ نووية في كوبا. ورفضت الولايات المتحدة السماح بهذا، وبعد ثلاثة عشر يوماً من التوتر والعديد من المفاوضات السرية، وافق الاتحاد السوفييتي على إزالة الصواريخ.

ولعل هذا الحدث هو الأقرب الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على شفا حرب نووية خلال (الحرب الباردة).

ومع وصول الرئيس فيدل كاسترو إلى الحكم في كوبا (جزيرة تقع في البحر الكاريبي مقابل سواحل الولايات المتحدة الأمريكية) اتخذ سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة الأمريكية.

فحاولت الأخيرة تغيير النظام بشتى السبل، لكنها لم تنجح، الأمر الذي جعل الرئيس الكوبي؛ وخشية أن تقدم الولايات المتحدة الأمريكية على غزو بلاده عسكرياً، يطلب مساعدة الاتحاد السوفيتي الذي قام ببناء قواعد عسكرية في كوبا.

كانت عبارة عن صواريخ بالستية مجهزة برؤوس نووية، الأمر الذي أثار غضب الولايات المتحدة الأمريكية فهددت بضرب هذه القواعد.. وهكذا ولدت أزمة الصواريخ الكوبية.

كيف بدأت الأزمة؟

في 14 أكتوبر 1962 طائرة التجسس الأمريكية U-2 كانت تُحلق فوق كوبا و قامت بالتقاط صور لـ صواريخ سوفييتية بعيدة المدى في كوبا. وكانت هذه الأزمة لم يسبق لها مثيل. فهذه الصواريخ قد تصل إلى أي نقطة في الولايات المتحدة ولها رؤوس نووية قد تسبب الدمار الشامل.

دعا الرئيس كنيدي إلى اجتماعٍ مع مستشاريه الأمنيين الرئيسيين. وفكَّروا في عدد من الخيارات، سواء الدبلوماسية أو هجوم واسع النطاق وغزو كوبا. وصوتت هيئة الأركان المشتركة على عملية الغزو. لأنهم شعروا أن هذا كان الخيار الوحيد القابل للتطبيق.

ومع ذلك، كان كينيدي يشعر بالقلق من أن هذا العمل يمكنه أن يبدأ الحرب العالمية الثالثة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ولذلك اختار إقامة حصار بحري على كوبا.

حصار كوبا

أعلن كنيدي خطته في 22 أكتوبر 1962. وأظهر للعالم قواعد الصواريخ، وقال إن الولايات المتحدة سوف تقوم بـ وضع كوبا تحت "الحجر". وهذا يعني أنه غير مسموح بـ دخول أي أسلحة هجومية إلى كوبا. وقال أيضاً إن أي هجوم على الولايات المتحدة من كوبا سيُعتبر عملاً من أعمال الحرب من الاتحاد السوفييتي.

وخلال الأيام القليلة التالية أصبحت الأزمة أكثر كثافة. وقال الاتحاد السوفياتي إنه لن يتراجع. وبحلول يوم 24، فكَّر كينيدي في قيام الولايات المتحدة بغزو كوبا.

المفاوضات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي

و على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي قال بشكل علني إنه لن يتراجع، ولكنه كان يتفاوض سراً مع الولايات المتحدة. وفي نهاية المطاف توصل الجانبان إلى اتفاق.

الاتحاد السوفييتي سيقوم بإزالة الصواريخ من كوبا طالما وافقت الولايات المتحدة على عدم غزو كوبا. وفي سرية، وافقت الولايات المتحدة أيضاً على إزالة صواريخها النووية من تركيا وإيطاليا. وبذلك تكون الأزمة قد انتهت.

نتائج أزمة الصواريخ الكوبية

كانت هذه الأزمة هي أعظم لحظة على الرئيس كنيدي. فـ بعد عملية (غزو خليج الخنازير الفاشلة) و ( سور برلين)، أصبحت قيادته للولايات المتحدة وقدرته على ذلك موضع شك وتساؤل. وكان الإحساس العام هناك أن العالم يمكن أن يشعر بالثقة بزعيم الولايات المتحدة مرة أخرى.

حقائق مثيرة للاهتمام عن أزمة الصواريخ الكوبية

زعيم الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت، (نيكيتا خروتشوف)، اعتقد أن كينيدي كان ضعيفاً بسبب قراراته في عملية (غزو خليج الخنازير) وكذلك (جدار برلين). واعتقد أن كينيدي سوف يتراجع ويسمح في النهاية بوجود الصواريخ.

بعد الأزمة، تم إنشاء خط ساخن بين العاصمة واشنطن وموسكو بين الرئيس الأمريكي وزعيم الاتحاد السوفياتي.

الزعيم الكوبي، فيدل كاسترو، لم يكن سعيداً لأنه تم تركه خارج المفاوضات بين كينيدي وخروتشوف.

كتب خروتشوف رسالة شخصية للرئيس كينيدي يطلب التوصل إلى اتفاق من أجل تجنب الحرب.

ما يجري على الأرض السورية يشبه أزمة الصواريخ الكوبية

ومنذ تسلم فلاديمير بوتين السلطة في روسيا عام 2012، لملم رموز الدولة السوفياتية السابقة التي تعطلت في عهد بوريس نيكولايفيتش يلتسن الذي تولى الحكم في جمهورية روسيا الاتحادية لمدة ثماني سنوات بين الأعوام 1991 و1999.

ويسعى فلاديمير بوتين شيئاً فشيئاً لإعادة بناء المجد والقوة التي يرى أن الاتحاد السوفييتي كان يحظى بهما. إذ كان الاتحاد السوفييتي طرفاً رئيسياً في الشرق الأوسط ولكن اليوم فإن الشيء الوحيد الموروث من تلك السنوات هو مرافق مستأجرة لرسو السفن في طرطوس على الساحل الشمالي لسوريا، بعد أن تم إخلاء القواعد السوفيتية في الاسكندرية ومرسى مطروح بمصر في أواخر السبعينات، لذلك بقيت طرطوس موطئ القدم الوحيد لروسيا على البحر المتوسط.

وفي بداية ما سمي الربيع العربي والتدخل الغربي في ليبيا وإسقاط نظام القذافي الذي كانت تربطه علاقات قوية مع روسيا والذي أقلقها كثيراً وشعرت بالضعف وذلك عندما كان ديميتري مدفيديف رئيساً لروسيا، بدأ بوتين بعد وصوله إلى الرئاسة مجدداً بتحشيد قواته على الساحل السوري لدعم نظام بشار الأسد وتوسيع وجود روسيا في الشرق الأوسط والتنافس مع الولايات المتحدة إلى درجة أنه تحالف مع تركيا حليفة أمريكا الاستراتيجية وتجاوز كل الخلافات معها بهدف جرها من الحضن الأميركي.

وينظر الرئيس الروسي إلى الولايات المتحدة على أنها خصم دائم وعنيد تملك قوة عسكرية لابد من كبحها في أي فرصة. وبعد انتخابه في الولاية الأخيرة أدلى بوتين بتصريحات أشار فيها إلى أنه كان سيمنع انهيار الاتحاد السوفيتي لو أتيحت له فرصة تغيير تاريخ روسيا الحديث.

وتدرك روسيا وأمريكا جيداً أن تصعيدهما للأوضاع سيؤدي إلى تصادم بينهما، لذلك يسعى كل من الطرفين لتقديم التنازلات إلى الطرف الآخر والوصول إلى صيغة تفاهم مشتركة لإعادة العلاقات إلى مجراها، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي التنازلات التي ستقدمها روسيا لأمريكا بعد هذه الضربة في سوريا؟

(ح)