الجامعات الخاصة في سوريا.. أقساط بملايين الليرات وأسئلة عن جودة التعليم والعائد من الشهادة

تدخل الجامعات الخاصة السورية في منافسة مع أرقى الجامعات العالمية من حيث الأقساط الدراسية، إذ تصل كلفة الدراسة في بعض الاختصاصات إلى عشرات ملايين الليرات، ما يضع التعليم العالي أمام معادلة اقتصادية صعبة، في ظل محدودية الدخل وفرص العمل أمام الخريجين، وسط مطالب بضبط الأقساط وربطها بالقدرة الشرائية وجودة التعليم والخدمات.

الجامعات الخاصة في سوريا.. أقساط بملايين الليرات وأسئلة عن جودة التعليم والعائد من الشهادة
الأربعاء 2 يلول, 2026   03:20
دمشق

لم تعد كلفة الدراسة في الجامعات الخاصة السورية تقتصر على القسط الجامعي، بل بات الطالب يحسب معها أجور النقل والطباعة والطعام والخدمات الجامعية، إضافة إلى كلفة السكن بالنسبة للطلاب القادمين من محافظات أخرى، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية لغالبية الأسر السورية.

وتظهر الرسوم المعلنة للعام الدراسي 2026–2027 تفاوتاً كبيراً بين الجامعات والاختصاصات، فقد أعلنت جامعة "إيبلا" الخاصة في 25 آب الجاري أن سعر الساعة المعتمدة للطلاب السوريين يبلغ 20 ألف ليرة في الصيدلة، و15 ألفاً في الهندسة المعمارية، و13,500 ليرة في هندسة المعلوماتية والاتصالات، فيما يبلغ للطلاب العرب والأجانب 300 دولار للصيدلة، و200 دولار للعمارة، و175 دولاراً للمعلوماتية والاتصالات.

وبحسب احتساب الأقساط السنوية المتداولة بناءً على الرسوم المعلنة في جامعة إيبلا، تصل كلفة السنة الدراسية في الصيدلة إلى نحو 72 مليون ليرة سورية قديمة، وفي هندسة العمارة إلى 54 مليوناً، وفي هندسة المعلوماتية إلى نحو 48 مليون ليرة، فيما تبلغ كلفة العلوم الإدارية واللغة الإنكليزية والترجمة نحو 30 مليون ليرة سنوياً.

وبذلك، فإن طالب الصيدلة الذي لا يرسب ولا تتغير الرسوم خلال سنوات الدراسة قد يدفع نحو 360 مليون ليرة خلال خمس سنوات، فيما تقترب كلفة دراسة العمارة من 270 مليون ليرة خلال خمس سنوات، والمعلوماتية من نحو 240 مليوناً وفق هذه الحسابات.

ولا تقتصر المستويات المرتفعة على جامعة واحدة؛ فقد أعلنت جامعة أخرى للعام ذاته أن سعر ساعة طب الأسنان للطلاب السوريين يبلغ 16,300 ليرة، وهندسة المعلومات 13 ألف ليرة، فيما يبلغ للطلاب العرب والأجانب 200 دولار لطب الأسنان و150 دولاراً لهندسة المعلومات.

كما حددت جامعة غيرها سعر ساعة الصيدلة للسوريين بـ 11 ألف ليرة، والعمارة والمعلوماتية بـ 8 آلاف ليرة.

وتأتي هذه الأرقام في ظل استمرار وجود الجامعات السورية الخاصة في مراتب متأخرة نسبياً في بعض التصنيفات الدولية، إذ أظهر تصنيف "ساينتفيك إندكس 2026" جامعة" في المرتبة 21242 عالمياً، فيما أظهرت تصنيفات أخرى مراتب تتجاوز 20 ألفاً للجامعة نفسها، ما يفتح باب المقارنة بين كلفة الدراسة ومستوى التصنيف والبحث العلمي والمخرجات التعليمية.

كلفة الشهادة وسوق العمل

وتقول مراسلتنا في دمشق إن ارتفاع كلفة التعليم الخاص يثير تساؤلات متزايدة حول العلاقة بين المبلغ الذي تدفعه الأسرة للحصول على الشهادة الجامعية، وبين فرص العمل والدخل الذي يمكن أن يحصل عليه الخريج بعد التخرج.

ويقول الصيدلاني عارف حسام من دمشق إن الاستثمار في صيدلية يتطلب، وفق تقديره، دفع نحو 360 مليون ليرة للحصول على شهادة الصيدلة في جامعة خاصة، إلى جانب مبلغ مماثل تقريباً لتأمين الأدوية وإيجار المحل، في وقت قد لا تتجاوز فيه المبيعات اليومية للصيدلية نحو 200 ألف ليرة، بهامش ربح يقارب 40 ألف ليرة، بينما لا تصل مبيعات أفضل الصيدليات وأقدمها، بحسب قوله، إلى مليون ليرة يومياً.

ويربط حسام صعوبة استرداد هذه الكلفة بزيادة أعداد خريجي الصيدلة، وغياب فرص التوظيف الحكومي، وتراجع العمل في الصيدليات مع كثافة انتشارها، إضافة إلى ضعف القدرة الشرائية لدى أصحاب الدخل المحدود، الذين يشكلون الشريحة الأكبر من المجتمع السوري.

من جهته، يقدّر أستاذ في كلية العمارة بإحدى الجامعات الخاصة (فضّل عدم الكشف عن اسمه) أن القسط السنوي لهندسة العمارة يصل إلى 54 مليون ليرة، فيما يبلغ في هندسة المعلوماتية نحو 50 مليون ليرة وفق الرسوم التي يتابعها، معتبراً أن التخرج من بعض الاختصاصات الخاصة قد يتطلب نحو ربع مليار ليرة سورية قديمة، مقابل وظيفة لا يتجاوز راتبها، بحسب تقديره، مليوناً ونصف المليون ليرة شهرياً.

ويضيف الأستاذ أن المهندس قد يحتاج إلى نحو 11 عاماً من العمل بعد التخرج لاسترداد ما دفعه على أقساط الجامعة، إذا احتُسب الأمر على أساس الراتب وحده ودون إدخال نفقات المعيشة أو البطالة أو تغير قيمة العملة في الحساب.

ويشير كذلك إلى أن ارتفاع أقساط الجامعات الخاصة لم يواكبه، بحسب إفادته، ارتفاع مماثل في أجور الأساتذة والموظفين، لافتاً إلى أن الجامعات تتنافس على استقطاب الطلاب العرب والأجانب الذين يدفعون بالدولار، بينما تُدفع أجور جزء من العاملين بالليرة السورية.

الطالب يدفع خارج القسط أيضاً

ولا تتوقف كلفة الدراسة عند الرسوم الجامعية، إذ أصبحت أجور النقل والخدمات داخل الحرم الجامعي جزءاً من حساب الطالب، وفق إفادتهم، حيث يقول طلبة إن أجور النقل إلى بعض الجامعات الخاصة مرتفعة إلى درجة تجعله يشعر، في الفترة الأولى، وكأنه "يسافر إلى دولة ثانية" وليس ذاهباً إلى الجامعة ويعود منها يومياً.

مضيفين أن أسعار الخدمات الجامعية الأخرى، من الكافتيريات والطباعة والمطاعم والوجبات السريعة، مرتفعة جداً، ما يدفع بعض الطلاب إلى تقليل إنفاقهم على الطعام خلال أيام الدوام، مشيرين إلى أن الجامعات الخاصة تنافس الجامعات العالمية في الأسعار من دون أن تأخذ بعين الاعتبار دخل الموظف السوري، الذي يقدره بنحو 100 دولار شهريا.

ماذا تقول الجامعات؟

ويرد أحد المسؤولين في جامعة خاصة، بحسب إفادته لمراسلة وكالة أنباء هاوار، بأن ارتفاع الأقساط يعود إلى عوامل اقتصادية، بينها التضخم وارتفاع التكاليف، إضافة إلى حصة وزارة التعليم العالي من الأقساط، وتكاليف الكهرباء وأجور الأساتذة، ومتطلبات تحسين البنية التحتية والعمل على رفع تصنيف الجامعات.

ويشير المسؤول إلى أن الجامعات الخاصة ملزمة بتوفير المخابر والأدوات التعليمية الحديثة، إلى جانب خدمات السكن والنقل والمكاتب والخدمات اللوجستية، وأن كلفة هذه الخدمات تدخل ضمن الأقساط الجامعية، وهو ما يفسر، بحسب قوله، الفروقات بين جامعة وأخرى.

وزارة التعليم العالي: الجودة "خط أحمر"

من جهتها، تؤكد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن الجامعات الخاصة تخضع لإشرافها ورقابتها، وأن جودة التعليم تمثل أولوية.

ففي أيلول 2025، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي اجتماعاً مع رؤساء الجامعات الخاصة، وناقش معهم ملفات الرسوم، وسياسة الاستيعاب، ونسبة الطلاب إلى الأساتذة، وأجور الكوادر، ونقل الطلاب، وآلية تسعير المواد الدراسية، قائلاً: "إن معيار الجودة يمثل أولوية في عمل الجامعات الخاصة".

وأعلنت الوزارة في 2 تشرين الأول 2025 الأقساط الجديدة لجميع الجامعات الخاصة للطلاب المستجدين للعام الدراسي 2025–2026، وحددت قرارات مجلس التعليم العالي الحد الأعلى لرسم الساعة المعتمدة والأقساط في الجامعات التي تعتمد النظام السنوي، مع استمرار الطلاب المسجلين في 2024–2025 وما قبل بتسديد الرسوم التي سجلوا على أساسها.

كما أصدرت الوزارة قراراً بتوحيد الرسوم السنوية للطلاب المنقولين من جامعات غير سورية إلى الجامعات السورية الخاصة، بحيث تطبق عليهم الرسوم نفسها المقررة للطلاب المستجدين وفق قرار مجلس التعليم العالي رقم 359.

وفي المقابل، ألغت الوزارة اعتباراً من العام الدراسي 2025–2026 منح الجامعات الخاصة، مبررة القرار بتوجيه الدعم المتاح نحو الجامعات الحكومية وتعزيز العدالة وتكافؤ الفرص، مع تأكيدها أن الجامعات الخاصة ستبقى خاضعة لإشراف الوزارة ورقابتها فيما يتعلق بجودة التعليم.

توسع في التعليم الخاص مقابل تشديد على المعايير

وخلال 2026، واصل مجلس التعليم العالي اتخاذ قرارات تتعلق بتوسيع البرامج الأكاديمية في الجامعات الخاصة، ففي آذار أقر إحداث وافتتاح برامج دراسات عليا في بعض الجامعات الخاصة اليت قالت عنها "المستوفية للضوابط والمعايير،" ولا سيما في اختصاصي طب الأسنان والصيدلة، وربط القرار بالارتقاء بجودة المخرجات العلمية واحتياجات سوق العمل.

وشدد الحلبي حينها على أن "جودة التعليم ستبقى خطاً أحمر"، وأن أي كلية أو برنامج جديد، ولا سيما في الاختصاصات الطبية، لن يُفتتح قبل استيفاء المعايير والضوابط المعتمدة، مع تحقيق التوازن بين احتياجات التنمية ومتطلبات سوق العمل والحفاظ على مكانة الشهادات السورية.

وفي حزيران 2026، دخل ملف الحوكمة المالية للجامعات الخاصة أيضاً إلى دائرة التدقيق، بعدما أعلنت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع أن إجراءاتها في عدد من الجامعات والمؤسسات الصحية الخاصة تتعلق بملفات تحقيق وتدقيق مالي مرتبطة بأصول وملكيات يُشتبه بارتباطها بكسب غير مشروع، مؤكدة في الوقت نفسه أن الإجراءات لا تستهدف المؤسسات التعليمية بحد ذاتها ولا تمس حقوق الطلاب أو الشهادات الصادرة عنها، وأن استمرار العملية التعليمية يمثل أولوية.

وفي إحدى القضايا، وُضعت اليد على شركة "ذرى القابضة"، التي تمتلك حصة في شركة "النبراس" المالكة لجامعة القلمون الخاصة، قبل أن تؤكد الجهات المعنية استمرار العملية التعليمية والإدارية في الجامعة بصورة طبيعية وحماية حقوق الطلاب والعاملين.

بين الاستثمار والتعليم

ويرى المحاسب والخبير المالي أحمد حديد أن الاستثمار في الجامعات الخاصة يعد من الاستثمارات ذات العائد السريع، وأن متابعة نسب الرسوم الدراسية تظهر أن تحقيق أكبر نسبة ممكنة من الإيرادات يمثل مصلحة مباشرة للجامعات وتعزيزاً لخزائنها.

(أم)

ANHA