الصندوق السيادي بين متطلبات الإفصاح واستمرار حصر وتقييم الأصول

تدور التساؤلات حول الصندوق السيادي، وحجم الأصول والأموال التي يديرها وعوائدها وآليات الرقابة عليها، عقب تقرير وزارة المالية للنصف الأول من 2026، وسط تباين في المواقف بين مطالب بالإفصاح العام وتأكيد الصندوق أن إجراءات الحصر والتقييم لا تزال مستمرة.

الصندوق السيادي بين متطلبات الإفصاح واستمرار حصر وتقييم الأصول
الإثنين 7 يلول, 2026   04:36
مركز الاخبار

أثار إصدار وزارة المالية تقرير الأداء المالي للموازنة العامة للدولة عن النصف الأول من عام 2026 تساؤلات في الأوساط الاقتصادية والأكاديمية السورية.

وتدور حول طبيعة العلاقة بين الموازنة العامة والصندوق السيادي، وحجم الأموال والأصول التي يديرها، ومدى خضوعه للإفصاح والمساءلة العامة، لا سيما أن التقرير المالي لم يتضمن بيانات تفصيلية عن أداء الصندوق أو عوائده.

وتزامنت التساؤلات مع جدل بشأن التباين بين أرقام النمو الاقتصادي التي أعلنها رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، والتي تحدث فيها عن نمو يراوح بين 30 و35 بالمائة، وبين تقديرات وزارة المالية التي تشير إلى ناتج محلي إجمالي يبلغ نحو 33.7 مليار دولار، وتوقع نمو بنسبة 11.3 بالمائة خلال عام 2026، مع إيرادات متوقعة بنحو 8.7 مليارات دولار ونفقات تصل إلى نحو 10.5 مليار دولار.

وبحسب معلومات رصدها مراسلو وكالتنا في دمشق، تصاعدت الأسئلة في الشارع السوري وعلى منصات التواصل الافتراضي وفي الأوساط الاقتصادية، حول شفافية عمل الصندوق السيادي، وكذلك إيرادات شركات الكهرباء والنفط، باعتبار أن هذه الموارد أصول عامة يفترض استخدامها وفق القانون ولتحقيق منفعة عامة يمكن قياسها ومراقبتها.

وتتركز التساؤلات حول غياب أرقام واضحة بشأن نمو الصندوق السيادي وإيراداته وعوائده في تقرير الأداء المالي لوزارة المالية، بالإضافة إلى عدم ورود تفاصيل عن نمو إيرادات الرسوم الجمركية ومنافذ الحدود والنفط والكهرباء.

وقال أستاذ المحاسبة في جامعة خاصة بدمشق، فضّل عدم الكشف عن هويته، لوكالتنا، إن نسبة نمو الصندوق السيادي الذي يدير رأس مال ضخماً ويستثمر أموال القطاع العام غير معروفة، ولم ترد في تقرير الأداء المالي لوزارة المالية.

وأضاف أن التقرير لم يذكر نسبة نمو إيرادات الرسوم الجمركية ومنافذ الحدود ولا النفط والكهرباء، معتبراً أن ذلك يمثل "فجوة كبيرة وعلامات استفهام تبحث عن إجابات حول كيفية تعامل السلطة الانتقالية مع الشعب السوري بشفافية وتقديم هذه الأرقام للباحثين والمهتمين بالشأن العام".

وأُحدث الصندوق السيادي بموجب المرسوم رقم 113 لعام 2025 الصادر في 24 حزيران 2025، كمؤسسة ذات طابع اقتصادي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وترتبط برئاسة الجمهورية.

وينص المرسوم على أن من أهداف الصندوق تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة، والاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية، وتنشيط الاقتصاد الوطني، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية.

كما ينص على اعتماد نظام حوكمة "صارم وشفاف"، وإعداد تقارير ربع سنوية وسنوية، إلى جانب التدقيق المالي عبر أجهزة مستقلة عن الصندوق والرقابة على أعماله.

وقال أستاذ المحاسبة إن الصندوق، على الرغم من كونه مؤسسة اقتصادية مملوكة للدولة، "يبقى غامضاً بالرغم من تقاطع علاقاته معها بشكل كبير".

وأضاف أن الصندوق "يدير رأس مال ضخم ويستثمر أموال القطاع العام"، في حين تقتصر الشفافية، بحسب قوله، على رفع التقارير إلى رئيس الجمهورية والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، ما يترك البيانات الموجهة للجمهور محدودة.

وتابع أن ذلك يطرح أسئلة حول "حق الشعب السوري في الاطلاع على موارد بلده ومن يديرها وكم تحقق عوائدها وأين تُصرف، وهل هناك عدالة في توزيعها على المحافظات".

وبحسب المعلومات المنشورة عبر الموقع الإلكتروني للصندوق، يضم حالياً 36 قطاعاً تخصصياً، بالإضافة إلى 11 شركة تعمل خارج هذه القطاعات، ويعمل ضمنها أكثر من 40 ألف موظف وعامل، فيما يبلغ عدد العاملين في الإدارة المركزية 270 موظفاً.

كما أعلن مسؤولو الصندوق خلال المنتدى السوري - الإماراتي الأول في أيار 2026 وجود 36 قطاعاً تخصصياً و11 شركة مركزية وأكثر من 40 ألف موظف وعامل، بالإضافة إلى محفظة عقارية تتجاوز 70 مليون متر مربع موزعة على 47 موقعاً، ومشاريع مخطط لها بقيمة إجمالية تقارب 100 مليار دولار.

من جهته، قال مدقق الحسابات "م. ج" لوكالتنا إن البيانات المالية للشركات المساهمة تتضمن عادة تفاصيل دقيقة حول الإيرادات والمصاريف، ولا يتم اعتمادها من دون المصادقة عليها من نسبة كبيرة من المساهمين.

وأضاف أن ذلك ينطبق حتى على شركة مساهمة قد لا يتجاوز رأس مالها مليار ليرة قديمة، متسائلاً: "فما بالك بصندوق يدير هذا الحجم الهائل من الأموال والقطاعات والأصول التي يديرها، ونحن لا نعلم إلا اليسير عنها كونه لا يوجد شفافية".

وطرح مدقق الحسابات تساؤلات حول آلية اتخاذ القرارات داخل الصندوق، وكيفية انتقال الأصول إليه، ومصير الأصول المصادرة والمستردة، والجهة التي تدقق عمل الصندوق عند تصرفه بأموال وممتلكات عامة واسعة.

وأشار إلى أن الصندوق السيادي لن يبني المصداقية إلا إذا أصبحت المساءلة العامة جزءاً من بنيته المؤسسية، معتبراً أن إعلان مسؤولي الصندوق أن آلية الحوكمة لديه "مستوحاة" من مبادئ "سانتياغو" لا يعني بالضرورة ترجمة تلك المبادئ إلى قواعد وممارسات مؤسسية فعلية.

وفي المقابل، قال نائب المدير العام للصندوق السيادي محمد عبد الله الفار، إن الشفافية جزء من الإطار القانوني الناظم لعمل المؤسسة، مشيراً إلى أن المرسوم رقم 113 لعام 2025 نص على نظام حوكمة صارم وشفاف، يتضمن تقارير ربع سنوية وسنوية وتدقيقاً مالياً عبر جهات مستقلة ورقابة على أعمال الصندوق.

وأوضح الفار أن الشفافية لا تقاس بحجم المعلومات المنشورة فقط، وإنما بدقة المعلومات وتوقيت الإفصاح عنها، محذراً من نشر بيانات غير مكتملة أو أرقام لا تعكس الواقع الفعلي.

وقال إن الصندوق يتعامل مع أصول ومشروعات تحمل آثار سنوات من الإهمال وغياب التطوير والتحديث، وإن عملية نقل الأصول إلى الصندوق لا تزال مستمرة بالتوازي مع أعمال لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، ما يعني أن حصر الأصول وتقييمها لم يكتمل بعد.

وبحسب الفار، يحتاج كل أصل إلى تقييم مالي وقانوني وتشغيلي قبل تحديد المسار الأنسب له، سواء عبر التطوير أو إعادة الهيكلة أو الشراكة أو التخارج، كما أن كشف بعض المعلومات قبل اكتمالها قد يؤثر في القيمة الاستثمارية للأصول أو في موقف الصندوق أثناء التفاوض.

وكان الصندوق قد أطلق موقعه الإلكتروني الرسمي في حزيران 2026، وقال الفار حينها إن الموقع سيكون منصة للتعريف بأعمال الصندوق ورؤيته وتوجهاته ومشاريعه وتعزيز التواصل مع الشركاء والمهتمين.

وقال رئيس مجلس إدارة الصندوق ووزير السياحة مازن الصالحاني خلال المنتدى الاستثماري السوري -الإماراتي الأول إن الصندوق لا يستهدف تحقيق أرباح آنية، وإنما تأسيس مشاريع استراتيجية ومستدامة تخدم الأجيال القادمة وتعزز التنمية طويلة الأمد.

وأكد الصالحاني أن عمل الصندوق يتطلب الالتزام بأعلى المعايير العالمية في الحوكمة والشفافية وإدارة السياسات الاستثمارية.

كما رأى الاقتصادي كرم شعار في تحليل منشور أن الموقع الإلكتروني للصندوق يمثل خطوة أولية في توفير المعلومات، لكنه أشار إلى استمرار محدودية البيانات المتعلقة بهيكل اتخاذ القرار ومحفظة الأصول وآليات التفاوض على الاستثمارات وإقرارها، داعياً إلى ترجمة الحديث عن مبادئ سانتياغو إلى قواعد وممارسات مؤسسية قابلة للقياس.

ويأتي الجدل حول شفافية الصندوق بالتزامن مع إعلانه عن استثمارات ومشاريع كبيرة، بينها اتفاقية مع مجموعة أرادَ الإماراتية بقيمة تقارب 7 مليارات دولار لتطوير مشروع "دمشق الجديدة" على مساحة تبلغ 4 ملايين متر مربع، ويضم وحدات سكنية ومرافق للضيافة والتعليم والرعاية الصحية والترفيه.

وفي 31 آب 2026، أصدرت وزارة المالية تقرير الأداء المالي للموازنة العامة للدولة عن النصف الأول من العام، وقال وزير المالية محمد يسر برنية إن الإيرادات العامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق عام بلغ نحو 3.7 مليارات دولار، بعجز مالي يقارب مليار دولار.

وبحسب التقرير، بلغت الإيرادات المحققة نحو 31 بالمئة من الإيرادات السنوية المقدرة، فيما بلغ تنفيذ إجمالي النفقات المعتمدة نحو 35 بالمائة، وارتفعت الإيرادات العامة بنحو 111 بالمائة مقارنة بالنصف الأول من عام 2025، مقابل ارتفاع الإنفاق العام بنحو 331 بالمائة.

وأشارت وزارة المالية إلى أن إيرادات النفط والغاز بدأت بالتوريد إلى الوزارة منذ أيار الماضي، مع توقع ارتفاع الإيرادات النفطية خلال النصف الثاني من العام، إلى جانب تحسّن التحصيل الضريبي والجمركي وبعض الإيرادات الاستثنائية.

وقالت الوزارة إن التقرير يأتي في إطار تعزيز الإفصاح المالي وإتاحة المعلومات للمواطنين وأصحاب العلاقة، ونشر نتائج تنفيذ الموازنة بصورة دورية.

وفي ظل ذلك، تتركز تساؤلات أكاديميين وخبراء اقتصاد ومدققي حسابات حول حجم الأصول والموارد التي يديرها الصندوق السيادي، وقيمة عوائدها، وآليات الرقابة عليها، ومدى إدراجها ضمن منظومة الإفصاح المالي العام، ودور مجلس الشعب في الاطلاع على بياناتها ومساءلة الجهات المسؤولة عنها.

(أم)