الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1

لا يمكن قراءة تاريخ الكرد في سوريا من خلال العقود الأخيرة أو اختزاله في القضية الكردية بصيغتها السياسية الراهنة، إذ يمتد حضورهم إلى طبقات تاريخية واجتماعية وسياسية متعاقبة، جعلتهم جزءاً من مسار تشكل البلاد. فمن وجودهم التاريخي في عدد من المدن والمناطق السورية، إلى مشاركتهم في الحياة السياسية والعسكرية والثقافية، وصولاً إلى دورهم في مقاومة الانتداب الفرنسي والإسهام في بناء مؤسسات الدولة السورية الحديثة، ظل الكرد حاضرين في محطات أساسية من تاريخ سوريا، قبل أن تتحول قضيتهم لاحقاً إلى أحد الملفات السياسية والحقوقية البارزة في البلاد.

الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الكرد في سوريا.. من الحضور التاريخي إلى التهميش والتمييز ثم الشراكة في بناء الدولة – 1
الإثنين 31 آب, 2026   02:45
قامشلو
برفين روج

الكرد في سوريا.. حضور تاريخي ودور في بناء الدولة والحركة الوطنية

لا يقتصر حضور الكرد في سوريا على القضية القومية أو المطالب السياسية التي برزت خلال العقود الأخيرة، إذ تشير المصادر والدراسات التاريخية إلى وجود الكرد في مناطق سورية مختلفة منذ عصور تاريخية متعاقبة، فيما تعزز حضورهم في المدن والمناطق السورية خلال العصور الإسلامية، ولا سيما في دمشق وحلب وحماة وحمص، وصولاً إلى مرحلة تأسيس الدولة السورية الحديثة.

ويؤكد الباحثون أن الكرد شاركوا، إلى جانب مختلف المكونات السورية، في الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية، وفي مقاومة الانتداب الفرنسي، بينما تطورت في الوقت نفسه حركة سياسية كردية طالبت بالاعتراف بالهوية والحقوق الثقافية والسياسية للكرد ضمن سوريا.

الوجود الكردي في سوريا.. جذور تاريخية متداخلة

ويعود الحديث عن الجذور القديمة للكرد في سوريا إلى قراءات تاريخية تربطهم بشعوب وممالك قديمة عاشت في ميزوبوتاميا، ومن بينها الهوريون والميتانيون. ويرى عدد من الباحثين في التاريخ الكردي أن هذه الشعوب تشكل جزءاً من الجذور التاريخية للشعب الكردي، مستندين إلى وجودها في مناطق تمتد من جبال زاغروس إلى أعالي الفرات والخابور.

ويشير الباحثون في هذا السياق إلى أعمال المؤرخ والعالم الألماني هورست كلينكل، الذي تناول ظهور الهوريين في المنطقة منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، وما رافق ذلك من نشوء مراكز وممالك سياسية في ميزوبوتاميا ومنها مناطق شمال وشرق سوريا حالياً.

وتظهر أهمية منطقة الجزيرة في هذا السياق من خلال المواقع الأثرية المنتشرة فيها، ومنها تل براك وتل حلف وتل الفخيرية وتل جاغر بازار وتل ليلان، والتي كشفت عن طبقات حضارية تعود إلى عصور قديمة، من بينها الحقبة الهورية والميتانية.

ويقول الباحث في التاريخ والحضارة الكردية فواز عثمان لوكالتنا وكالة أنباء هاوار: "عندما نتحدث عن دور الكرد في بناء سوريا، يجب أولاً أن ننطلق من حقيقة تاريخية، وهي أن الكرد مكون أصيل من مكونات المجتمع السوري، ولم يكونوا في يوم من الأيام خارج التاريخ الوطني السوري".

الكرد في سوريا خلال العصور الوسطى

وإلى جانب القراءات المتعلقة بالعصور القديمة، توجد أدلة ودراسات تاريخية أوضح على الوجود الكردي في سوريا خلال العصور الإسلامية، ولا سيما منذ العهد الأيوبي وما تلاه.

وشهدت دمشق، على سبيل المثال، استقرار الكرد، وأصبح لهم حي معروف باسم حي الأكراد، فيما ارتبط الوجود الكردي أيضاً بمناطق أخرى من البلاد منها حلب. كما تشير الدراسات إلى أن عفرين وجياي كورمينج (جبل الكرد) يعدان من أقدم مناطق الاستقرار الكردي في سوريا، مع وجود موثق للكرد في المنطقة منذ القدم وتوثقه الآثار التي عثرت عليها في المنطقة مثل عين دارا وغيرها من المناطق الأثرية.

وفي العهد الأيوبي، كان للكرد حضور عسكري وسياسي بارز، إذ شاركت قوات وأمراء الكرد في الدولة الأيوبية، كما شهدت سوريا موجات استقرار كردية مرتبطة بالتحولات السياسية والعسكرية في المنطقة. وتوثق المصادر التاريخية وجود الكرد في دمشق ومناطق أخرى من سوريا خلال هذه المرحلة وما بعدها.

أما في شمال غرب سوريا، ولا سيما منطقة عفرين وجيايي كورمينج (جبل الكرد)، فقد ارتبط الوجود الكردي تاريخياً بالمناطق الجبلية والقرى الزراعية، واستمر الكرد في الحفاظ على لغتهم وعاداتهم وروابطهم الاجتماعية عبر مراحل تاريخية مختلفة.

من مكون تاريخي إلى قضية سياسية

ومع تشكل الدولة السورية الحديثة عبر اتفاقية سايكس بيكو وما سبقها من معاهدات سرية بين القوى الغربية التي كانت تسيطر على المنطقة، دخل الوجود الكردي مرحلة جديدة، إذ أصبح الكرد جزءاً من التركيبة السكانية والسياسية والاجتماعية للدولة، في وقت بدأت فيه قضايا الهوية واللغة والحقوق الثقافية والسياسية تأخذ مساحة أكبر في العلاقة بين الكرد والسلطات المتعاقبة.

ومع صعود التيارات القومية العربية بعد الوحدة مع مصر، ولاحقاً تطبيق سياسات تمييزية بحق الكرد، تحولت القضية الكردية تدريجياً إلى واحدة من القضايا السياسية والاجتماعية الحساسة في سوريا. وشملت هذه السياسات، في مراحل مختلفة، التضييق على اللغة والثقافة الكرديتين، وصولاً إلى إجراءات أثرت في الوضع القانوني لجزء من السكان الكرد، ولا سيما بعد إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة.

إلا أن هذه التحولات لم تعنِ ابتعاد الكرد عن الحياة الوطنية السورية، إذ استمر حضورهم في مؤسسات الدولة والجيش والإدارة والحياة السياسية والثقافية، بالتوازي مع نشوء حركة سياسية كردية طالبت بالاعتراف بالوجود القومي والحقوق الثقافية والسياسية للكرد داخل سوريا.

ويؤكد فواز عثمان أن: "اختزال الكرد في القضية القومية فقط لا يقدم الصورة التاريخية كاملة. الكرد كانوا أيضاً جزءاً من الحركة الوطنية السورية ومن مؤسسات الدولة والمجتمع، ففي مراحل سياسية مختلفة شارك الكرد في الأحزاب والتيارات الوطنية وفي الجيش والإدارة والثقافة والحياة العامة، وفي الوقت نفسه تطورت لديهم حركة سياسية كردية طالبت بالاعتراف بالوجود القومي الكردي وبالحقوق الثقافية والسياسية ضمن سوريا".

الكرد والحركة الوطنية السورية ومقاومة الانتداب الفرنسي

وبرز الدور الكردي بصورة واضحة خلال مرحلة مقاومة الانتداب الفرنسي، حيث شارك شخصيات وزعماء عشائر وقوى سياسية كردية إلى جانب قوى وشخصيات عربية وسريانية وأرمنية وغيرها في مواجهة الانتداب الفرنسي والدفاع عن استقلال سوريا.

ويشير فواز عثمان إلى أن الكرد كانوا حاضرين في مراحل مهمة من الحركة الوطنية السورية، وأن شخصيات سورية من أصول كردية وصلت إلى مواقع سياسية وعسكرية وثقافية بارزة خلال مرحلة الانتداب وبعد تأسيس الدولة.

كما أورد عثمان مشاركة زعماء عشائر كردية في مؤتمر العشائر الوطنية في تدمر عام 1935، إلى جانب زعماء العشائر العربية وشخصيات اجتماعية من مختلف المناطق، في إطار المواقف الرافضة للانتداب الفرنسي.

وتعكس هذه المشاركة، وفق الباحث، جانباً من الحضور الكردي في الحركة الوطنية السورية، بعيداً عن اختزال تاريخ الكرد في المطالب القومية وحدها.

الكرد والثورة السورية الكبرى

ويربط فواز عثمان الحضور الكردي أيضاً بالثورة السورية الكبرى عام 1925، مشيراً إلى دور شخصيات كردية في مراحلها الأولى، ومن بينها محو شاشو من منطقة عفرين، الذي يقول إنه أطلق الرصاصة الأولى للثورة في الشمال السوري بالتنسيق مع قائد الثورة في المنطقة إبراهيم هنانو.

كما يشير إلى دور الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، في الحركة الوطنية ومقاومة الانتداب، وإلى ارتباطه بقيادات الثورة في السويداء، ومن بينها سلطان باشا الأطرش.

حضور كردي في مؤسسات الدولة السورية

ولم يقتصر حضور الشخصيات الكردية في سوريا على النشاط السياسي الكردي، بل شمل مؤسسات الدولة ومختلف مجالات الحياة العامة. فتولى محمد علي العابد رئاسة الجمهورية السورية بين عامي 1932 و1936، فيما شغل عبد الرحمن الشهبندر وزارة الخارجية في حكومة هاشم الأتاسي عام 1920، ثم أسس حزب الشعب وكان من أبرز وجوه الحركة الوطنية.

وفي المؤسسة العسكرية، برز أسم يوسف العظمة، وزير الحربية والقائد العسكري الوطني السوري، المنحدر من أسرة كردية دمشقية، والذي يُعد من أبرز رموز المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي. فقد قاد معركة ميسلون عام 1920، ورفض الاستسلام رغم إدراكه التفوق العسكري للقوات الفرنسية. واستشهد في المعركة، ليصبح رمزاً للشجاعة والتضحية والدفاع عن استقلال سوريا.

كما برز حسني الزعيم الذي تولى رئاسة أركان الجيش ثم رئاسة الدولة عام 1949، إلى جانب توفيق نظام الدين الذي تولى رئاسة أركان الجيش، وفوزي سلو الذي شغل مناصب عسكرية وحكومية وصولاً إلى رئاسة الدولة، وأديب الشيشكلي الذي تولى رئاسة الجمهورية بين عامي 1953 و1954.

وفي المجال الثقافي والتعليمي، برز محمد كرد علي وزيراً للمعارف ورئيساً للمجمع العلمي العربي، بينما أصبح خالد بكداش أول نائب شيوعي منتخب في البرلمان السوري عام 1954، وتولى قيادة الحزب الشيوعي السوري لعقود.

وفي المجال الديني، تولى الشيخ أحمد كفتارو منصب مفتي الجمهورية منذ عام 1964 حتى وفاته عام 2004. ومحمد سعيد رمضان البوطي عالم وفقيه سوري من أصول كردية، الذي شغل منصب أستاذ ورئيس قسم العقائد والأديان في كلية الشريعة بجامعة دمشق. عُرف بإنتاجه العلمي الغزير.

كما برز حسين بيك إيبش في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بدمشق.

وتظهر هذه الأسماء، على اختلاف توجهاتها ومواقعها، أن حضور الكرد في تاريخ سوريا لم يكن محصوراً في النشاط القومي الكردي، بل امتد إلى مؤسسات الدولة والجيش والتعليم والثقافة والدين والاقتصاد والحياة السياسية العامة.

دور الشباب والحركة الثقافية والسياسية

كما كان للشبيبة الكردية دور في الحياة السياسية والثقافية السورية، ومن بينهم خالد بكداش، الذي ينحدر من عشيرة كيكان، وكان طالباً في مكتب عنبر قبل أن يصبح أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوري، إضافة إلى علي بوظو ذي الأصول الزازا الكردية، والذي أسس اتحاد الطلبة وفوج كردستان الكشفي عام 1936 في دمشق، وشغل لاحقاً مناصب وزارية.

ويعكس هذا الحضور، انخراط الكرد في التيارات السياسية والفكرية التي شهدتها سوريا خلال القرن العشرين، إلى جانب تطور حركتهم السياسية الخاصة التي ركزت على الاعتراف بالهوية واللغة والثقافة الكردية.

علاقة الكرد بسوريا.. من المشاركة الوطنية إلى المطالبة بالحقوق

ويرى فواز عثمان أن العلاقة بين الكرد وسوريا لا ينبغي أن تُقرأ وفق ثنائية "أقلية ودولة"، وإنما بوصفها علاقة مكون تاريخي بالمكان والدولة والمجتمع، شارك في بناء سوريا الحديثة، وفي الوقت ذاته يطالب بحقوقه القومية والثقافية والسياسية.

ويقول: "العلاقة بين الكرد وسوريا ليست علاقة أقلية بدولة، وإنما علاقة مكون أصيل بوطنه، ساهم في بنائه، ومن حقه أن يكون شريكاً كاملاً في مستقبله".

غداً: الكرد في سوريا.. من سياسات الإنكار والتمييز إلى لحظة الثورة

(ح)

ANHA