دراسة في قامشلو: نساء يعبّرن عن مخاوف متزايدة على حقوقهن وآليات حمايتهن

أظهرت دراسة ميدانية أجراها مركز روج آفا لأبحاث حماية حقوق المرأة والطفل في مدينة قامشلو ومحيطها خلال عام 2026، أن النساء المشمولات بالبحث يرين أن الأزمة الاقتصادية والتحولات السياسية والقانونية الأخيرة، إلى جانب الحرب والهجرة والفقر، عوامل متشابكة تؤثر في واقع المرأة وتزيد من مخاوفها بشأن مستقبل حقوقها وآليات حمايتها.

دراسة في قامشلو: نساء يعبّرن عن مخاوف متزايدة على حقوقهن وآليات حمايتهن
السبت 29 آب, 2026   13:03
مركز الأخبار

أجرى مركز روج آفا لأبحاث حماية حقوق المرأة والطفل، دراسة نشرها مؤتمر ستار على موقعه الرسمي اليوم السبت، مقابلات شخصية مع نحو 600 امرأة في أحياء جودي، وهليلية، وقدوربك، وعنترية، وكورنيش، وأربوية، بواقع نحو 100 امرأة في كل حي، فيما قال المركز إنه تواصل ميدانياً مع أكثر من 1000 امرأة للاستماع إلى مشكلاتهن وملاحظاتهن والصعوبات التي يواجهنها في حياتهن اليومية.

وأوضح المركز أن مؤتمر ستار ودور المرأة في الأحياء أسهما في تسهيل الوصول إلى النساء وتنفيذ المقابلات.

قلق من التحولات السياسية والقانونية

وبحسب نتائج الدراسة، ترى غالبية النساء المشاركات أن المجتمع شهد تغيرات جوهرية خلال الفترة الأخيرة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم الصعوبات الاقتصادية، بالتزامن مع حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل المرأة في المرحلة السياسية والقانونية الجديدة في سوريا.

وأفادت نسبة كبيرة من المشاركات بأن التغيرات السياسية خلال العام الماضي والتي تمثلت بسقوط نظام البعث ووصول سلطة جديدة للحكم عززت، من وجهة نظرهن، شعور بعض الرجال بالارتياح، في مقابل ارتفاع مشاعر الخوف وانعدام الأمان لدى النساء.

ويربط البحث هذه المخاوف بمستقبل المؤسسات والمنظمات النسائية وآليات التدخل التي أُنشئت خلال السنوات الماضية، إذ ترى النساء أن وجود هذه المؤسسات كان عاملاً مهماً في ردع العنف وتعزيز شعورهن بالحماية.

ما بعد 2014.. تحولات في وضع المرأة

وتشير الدراسة إلى أن عام 2014 شكّل نقطة تحول في فهم حقوق المرأة في شمال وشرق سوريا، مع إقرار قانون للمرأة وإنشاء مؤسسات نسائية ودور للمرأة وآليات للتدخل في قضايا العنف والمشكلات الأسرية، إلى جانب برامج للتوعية والتنظيم شملت النساء والرجال.

وبحسب التقييم الوارد في الدراسة، ساهمت هذه الإجراءات في تعزيز ثقة النساء بأنفسهن وترسيخ شعور لديهن بأنهن لسن وحدهن في مواجهة العنف، كما ساهمت في إيصال رسالة إلى الرجال بأن ممارسة العنف قد تترتب عليها عواقب وإجراءات قانونية.

ويشير البحث إلى دور مؤسسات، من بينها دار المرأة وقوى الأمن الداخلي – المرأة (الأسايش) ومنظمة سارا ومؤتمر ستار، في التدخل في قضايا العنف ومنع بقائها داخل إطار الأسرة بعيداً عن المؤسسات المختصة.

240 طلباً لدى دار المرأة خلال ستة أشهر

وتقدم بيانات دار المرأة في قامشلو، بحسب الدراسة، مؤشراً على طبيعة المشكلات التي تواجه النساء خلال عام 2026.

فمنذ بداية شهر كانون الثاني وحتى منتصف العام، استقبلت دور المرأة في قامشلو 240  مشكلة وطلباً، تم حل 109 منها، فيما أُحيلت 30 قضية إلى المحكمة.

وتعلقت153  من الطلبات بالنزاعات بين النساء والرجال، ولا سيما حالات العنف ضد النساء والمشكلات الأسرية، بينما ارتبطت طلبات أخرى بالصعوبات الاقتصادية والمعيشية وما تسببه من توترات داخل الأسرة.

كما سجلت الفترة نفسها 5 طلبات تتعلق بتعدد الزوجات.

وتوضح الدراسة أن هذه الأرقام لا تمثل بالضرورة فئات منفصلة، إذ يمكن أن تجمع القضية الواحدة بين أكثر من عامل، مثل المشكلات المالية والخلافات الزوجية والعنف.

ويعتبر البحث أن انخفاض طلبات تعدد الزوجات يمثل مؤشراً لافتاً عند مقارنته بالفترة التي سبقت عام 2014، حين كانت دور المرأة تستقبل، وفق الدراسة، أعداداً أكبر من الطلبات المرتبطة بهذه القضية.

ويشدد المركز على أن تسجيل 5 طلبات لا يعني وجود 5 حالات فقط لتعدد الزوجات في المجتمع، وإنما يعكس عدد الطلبات التي وصلت إلى دار المرأة خلال الأشهر الستة محل التقييم.

الأزمة الاقتصادية تزيد هشاشة الأسر

وأظهرت المقابلات أن الأزمة الاقتصادية تشكل مصدر قلق مشترك لدى النساء، في ظل ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، إلى جانب البطالة وفقدان مصادر الدخل.

وترى الدراسة أن الضغوط المالية ليست سبباً وحيداً للعنف ضد المرأة، لكنها قد تزيد من التوتر والصراع داخل الأسرة، خصوصاً بالنسبة إلى النساء اللواتي يعتمدن مالياً على الرجال.

ويشير البحث إلى أن غياب الدخل المستقل قد يجعل المرأة أكثر صعوبة في مغادرة منزل تتعرض فيه للعنف أو بدء حياة مستقلة مع أطفالها، الأمر الذي يجعل الأزمة الاقتصادية، من وجهة نظر المشاركات، مرتبطة أيضاً بالأمان والحرية الشخصية.

الحرب والهجرة تضاعفان الضغوط

كما ربطت الدراسة بين أوضاع النساء والظروف العامة التي يعيشها المجتمع، وفي مقدمتها الحرب المستمرة منذ سنوات، والنزوح والهجرة والخسائر الاقتصادية وعدم اليقين بشأن المستقبل.

ويرى البحث أن تراكم هذه العوامل، إلى جانب المشكلات الأسرية والضغوط المعيشية، قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر النفسي والاجتماعي، مع تعرض النساء والأطفال لمخاطر أكبر في بعض الظروف.

الإعلان الدستوري يثير تساؤلات حول مستقبل الحقوق

وتضع الدراسة التحولات السياسية والقانونية في سوريا ضمن أبرز مصادر القلق لدى النساء المشاركات.

ففي 13 آذار 2025، تم اعتماد الإعلان الدستوري السوري، الذي نص، بحسب الدراسة، على حماية المساواة بين المواطنين وحقوق المرأة، إلى جانب اعتبار الفقه الإسلامي أحد المصادر الرئيسة للتشريع.

وترى الدراسة أن هذا الأمر يفتح نقاشاً حول مستقبل التشريعات المتعلقة بالأسرة والزواج والطلاق وحماية الطفل والأحوال الشخصية، خصوصاً مع عدم اكتمال تشكيل النظام القانوني الجديد وعدم وضوح كيفية الحفاظ على المكاسب التي تقول الدراسة إن النساء حققنها منذ عام 2014.

وتقول الدراسة إن النساء لا يصفن الوضع الحالي بالضرورة بأنه عودة إلى النظام السابق، لكنهن يبدين مخاوف من عودة بعض أوجه عدم المساواة التي كانت قائمة قبل عام 2014، بما فيها تعدد الزوجات وتزويج القاصرات وضعف الوضع القانوني للمرأة داخل الأسرة.

الشائعات تعزز حالة عدم اليقين

وتشير الدراسة أيضاً إلى انتشار مخاوف وشائعات في المجتمع بشأن مستقبل مشاركة النساء في الحياة العامة، وحركتهن، وملابسهن، وطبيعة العلاقة بين الرجال والنساء في المجال العام.

ويؤكد البحث أن هذه الادعاءات لم تدخل حيز التنفيذ، لكنه يرى أن انتشارها بحد ذاته يعكس حالة من القلق لدى النساء، خصوصاً في ظل عدم وضوح شكل الحقوق التي ستُصان في المستقبل.

تمثيل المرأة في مؤسسات القرار

ولا تقتصر المخاوف التي ترصدها الدراسة على الجانب الاجتماعي والقانوني، بل تمتد إلى المشاركة السياسية.

وبحسب النص، يتألف البرلمان الحالي في عام 2026 من210  مقاعد، تشغل النساء 21 منها، وهو ما تعدّه الدراسة مؤشراً على محدودية تمثيل النساء في عمليات صنع القرار السياسي والقانوني التي ستحدد مستقبل البلاد.

وتشير الدراسة إلى أن قضايا حقوق المرأة لم تعد محصورة في قامشلو ومحيطها، بل أصبحت جزءاً من النقاش العام في دمشق أيضاً، حيث شهدت العاصمة في كانون الأول 2024 مظاهرات شارك فيها مئات الأشخاص، وطالبت بإدارة علمانية ومساواة في الحقوق بين الجنسين.

مخاوف تتجاوز العنف إلى فقدان الحقوق

وتخلص الدراسة إلى أن العنف ضد المرأة لا يمكن، من وجهة نظرها، عزله عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة، بما فيها الفقر والبطالة والحرب والهجرة والبنية الاجتماعية الأبوية والوضع القانوني.

كما تعتبر أن المؤسسات النسائية والقوانين التي أُنشئت منذ عام 2014 ساهمت في تعزيز وعي النساء بحقوقهن وتوفير آليات للتدخل والحماية.

لكن المخاوف التي عبّرت عنها النساء المشاركات تتركز، وفق الدراسة، في سؤال أوسع يتعلق بالمستقبل: هل ستُحافظ النساء على المكاسب القانونية والاجتماعية والتنظيمية التي تحققت خلال السنوات الماضية، وهل ستبقى المؤسسات وآليات الحماية القائمة قادرة على أداء دورها؟

وبحسب نتائج البحث، فإن مصدر القلق الأساسي لدى النساء لا يرتبط فقط باحتمال التعرض للعنف، وإنما أيضاً باحتمال فقدان الحقوق أو تراجع الحماية المؤسسية التي أصبحن يعتمدن عليها.

(ي م)

ANHA