اتفاق مكة: تحالف ضد إيران وإسرائيل أم بداية لنظام إقليمي جديد؟

اتفاق مكة: تحالف ضد إيران وإسرائيل أم بداية لنظام إقليمي جديد؟
الأحد 9 آب, 2026   13:40
كيفارا شيخ نور

قد يكون من المبكر وصف الاتفاق الدفاعي الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة بأنه "ناتو شرق أوسطي"، كما يحلو للبعض تسميته، لكن من الخطأ أيضاً اختزاله في كونه اتفاقاً عسكرياً تقليدياً. فدلالته الأوسع لا تكمن في بنوده الدفاعية وحدها، بل في توقيت إبرامه، وتركيبة الدول الموقعة عليه، والسياق الإقليمي الذي جاء فيه، فضلاً عن الرسائل التي يبعث بها في آن واحد إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

يضع الاتفاق الدول الثلاث أمام التزام دفاعي جماعي يحاكي، من حيث المبدأ، المادة الخامسة من ميثاق الناتو، وهو ما أكده وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، مشدداً في الوقت نفسه على أنه لا يستهدف إيران. لكن مدى ترجمة هذا الالتزام إلى تحرك عسكري فعلي سيبقى مرتبطاً بتباين حسابات الدول الثلاث تجاه طهران.

مع ذلك، يعكس الاتفاق تحولاً واضحاً في التفكير الأمني الإقليمي. فالسعودية، التي اعتمدت لعقود على المظلة الأميركية، تبدو أكثر اقتناعاً بأن أمنها لا يمكن أن يبقى مرتبطاً بقوة واحدة. والحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران والهجمات التي تعرضت لها دول الخليج أظهرت، من المنظور الخليجي، حدود القدرة الأميركية على منع الحرب أو حماية المنشآت الحيوية بصورة كاملة.

ولهذا تتجه الرياض إلى بناء "طبقات متعددة من الأمن"، تجمع بين الشراكة مع واشنطن وتطوير علاقات دفاعية واقتصادية مع قوى أخرى. ويجمع اتفاق مكة بين الموارد والقدرات الاقتصادية السعودية، والصناعات الدفاعية والخبرة العسكرية التركية، والقدرات العسكرية والخبرة القتالية الباكستانية.

لكن المفارقة أن الاتفاق لا يبدو موجهاً بالضرورة ضد إيران.

فباكستان ترتبط بإيران بحدود ومصالح اقتصادية وأمنية، وتسعى إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى 10 مليارات دولار بحلول عام 2030، كما تبحث آليات للمقايضة وتسهيل التجارة بعيداً عن القيود المصرفية. ولعبت إسلام آباد أيضاً دوراً في الوساطة بين طهران وواشنطن، ما يجعلها معنية بخفض التوتر وضمان تدفق النفط والغاز في المنطقة.

أما تركيا، فعلى الرغم من تنافسها مع إيران على النفوذ الإقليمي، فإنها لا تعدّها دولة عدوة، وترتبط بها بعلاقات تجارية وسياسية وأمنية واسعة. وتسعى أنقرة لتقديم نفسها قوة مستقلة في نظام دولي متعدد الأقطاب، رغم عضويتها في حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة.

من هنا يمكن قراءة الاتفاق بطريقة مختلفة. فإذا تمكنت إيران من توظيف علاقاتها مع تركيا وباكستان والسعودية لدفع الاتفاق نحو التهدئة والاستقرار الإقليمي، فقد لا يكون بالضرورة تطوراً سلبياً بالنسبة إليها. بل يمكن أن يتحول إلى منصة تضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لمنع توسيع الحرب أو فرض ترتيبات إقليمية تستبعد طهران. أما إذا تحول إلى أداة إضافية لعزل إيران، فقد تكون كلفته الاستراتيجية كبيرة على المنطقة بأكملها.

وهذا ما يجعل وصفه بـ "التحالف السني" أو "المحور العربي في مواجهة إيران" مبالغاً فيه. فمصر، التي شاركت في القمة، لم تنضم إلى الاتفاق، كما أن دولاً عربية أخرى لا تبدو مستعدة للدخول في التزام عسكري مماثل. وحتى تركيا لن تكون بالضرورة مستعدة لخوض حرب مع إيران دفاعاً عن السعودية، بينما تملك باكستان تاريخاً من تجنب الانخراط المباشر في حروب المنطقة.

وقد أظهر الاتفاق السعودي-الباكستاني الموقع عام 2025 هذه المعضلة، إذ لم يتحول إلى تدخل عسكري شامل عندما تعرضت السعودية للتهديد. وحتى التقارير عن إرسال قوات وبطاريات دفاع جوي باكستانية إلى المملكة خلال الحرب مع إيران بقيت أقرب إلى رسائل ردع منها إلى تشكيل قوة قتالية مشتركة متكاملة.

لذلك، قد تكون القيمة السياسية لاتفاق مكة أكبر من قيمته العسكرية في مرحلته الحالية. فالسعودية وتركيا وباكستان أصبحت قوى مؤثرة في حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومسار الحرب مع إيران. والرياض تضغط لمنع توسيع المواجهة، وأنقرة تلعب أدواراً في ملفات سوريا وغزة وحماس، بينما اكتسبت إسلام آباد وزناً دبلوماسياً من خلال وساطتها بين طهران وواشنطن.

وتظهر إسرائيل في هذه المعادلة من زاوية مختلفة. فالمشكلة بالنسبة إليها ليست أن الدول الثلاث ستشن حرباً عليها، فهذا احتمال ضعيف، وإنما أن ظهور ترتيبات أمنية مستقلة قد يقلل من مركزيتها في النظام الإقليمي الذي سعت واشنطن إلى بنائه عبر التقارب السعودي-الإسرائيلي وتوسيع "اتفاقات أبراهام".

وقد يكون اتفاق مكة دليلاً إضافياً على أن دول المنطقة لم تعد ترى في التحالف مع واشنطن وحده ضمانة كافية لأمنها. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد تصبح إسرائيل أقل قدرة على احتكار موقع "الشريك الأمني الضروري" للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي. فتركيا تبحث في إنشاء خط سكك حديدية يربطها بالسعودية عبر سوريا والأردن، مع إمكانية امتداده إلى دول خليجية أخرى، بما يفتح ممرات تجارية جديدة. كما أن تعميق التعاون السعودي-التركي-الباكستاني يمنح أنقرة نفوذاً أكبر، وإسلام آباد حضوراً إقليمياً أوسع، والرياض خيارات اقتصادية ودفاعية متعددة.

ولا يمكن تجاهل البعد النووي في ظل العلاقة الخاصة بين السعودية وباكستان والتكهنات المحيطة بالقدرات النووية، وهو ما يفسر جانباً من القلق الإسرائيلي والأميركي بشأن أي ترتيبات مستقبلية تسمح للرياض بتطوير دورة وقود نووي محلية.

لكن ذلك كله لا يعني أن اتفاق مكة أصبح قوة عسكرية قادرة على مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران. فالتحالفات تُختبر عندما تسقط الصواريخ، لا عندما توقع البيانات، وقد تتعارض مصالح أعضائها سريعاً عندما تصبح كلفة التدخل العسكري حقيقية.

مع ذلك، تكمن أهمية الاتفاق في أنه يعكس انتقال الشرق الأوسط إلى مرحلة تتراجع فيها فكرة الاعتماد الكامل على قوة خارجية واحدة. فالدول الإقليمية تنوع شراكاتها، وتبني قدراتها، وتتحرك بين واشنطن وأنقرة وإسلام آباد وبكين وطهران وفقاً لمصالحها.

من هذه الزاوية، قد لا يكون اتفاق مكة بداية "ناتو" جديد، ولا إعلاناً عن جبهة ضد إيران أو إسرائيل، بل تعبيراً عن ولادة نظام إقليمي أقل اعتماداً على الولايات المتحدة.

وإذا كانت واشنطن قد أرادت للشرق الأوسط أن يتجه نحو تحالف سعودي-إسرائيلي في مواجهة إيران، فإن مكة قدمت صورة مختلفة، السعودية توسع دائرة شركائها، وتركيا تعزز حضورها في العالم العربي والإسلامي، وباكستان تثبت أنها لاعب إقليمي لا يمكن تجاهله.

أما إيران، فأمامها خياران، أما التعامل مع الاتفاق بوصفه مشروعاً لعزلها، أو محاولة تحويل علاقاتها مع أنقرة وإسلام آباد إلى جسور تمنع نشوء محور عدائي جديد.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان اتفاق مكة يشكل تهديداً لإيران أو إسرائيل، بل ما إذا كانت دول الشرق الأوسط بدأت أخيراً في بناء نظام أمني لن تكون واشنطن وحدها من يضع قواعده.