من الإنكار إلى الاعتراف.. ومن السلاح إلى السياسة: رؤية القائد- زانا سيدي

من الإنكار إلى الاعتراف.. ومن السلاح إلى السياسة: رؤية القائد- زانا سيدي
الأربعاء 19 آب, 2026   07:45

بالتزامن مع الحملات الإعلامية المستمرة منذ عقود والمكثفة بوتيرة عالية خلال الأشهر الماضية، الهادفة إلى تشويه نضال الكرد وحزب العمال الكردستاني، وتأطير هذا النضال في إطار وصفه بالإرهاب بدلاً من الاعتراف بجذوره في إنكار الوجود والحقوق، وصلنا اليوم إلى مرحلة تاريخية حساسة، نجحت منظومة الحزب بقيادة القائد عبدالله أوجلان في تحويل مسار الصراع بعد عقود من الكفاح المسلح إلى وضع القضية الكردية على طاولة المفاوضات السياسية، مع الإصرار على الأخوة التاريخية التركية-الكردية داخل جمهورية ديمقراطية، لا يمكن قراءة هذا التحول على أنه استسلام، بل إنجازاً استراتيجياً يهدف إلى تجنيب تركيا والمنطقة الحرب والدمار على وقع ما تشهده سوريا، العراق وإيران وغيرها من التوترات والحروب المشتعلة في المنطقة، والسياسات الدولية القاسية تجاه وجود الكرد ومستقبلهم.

الحملات الإعلامية التركية وتأثيرها على الوعي الكردي

طيلة العقود الماضية، ركزت الآلة الإعلامية وغرف الحرب الخاصة التركية وحلفاؤها على تشويه صورة حزب العمال الكردستاني بشتى السبل، وتقديم نضاله المشروع من أجل الحرية والديمقراطية كإرهاب، هذه الحملات سعت إلى عزل القضية الكردية عن الرأي العام التركي والدولي، وتبرير السياسات الأمنية والحملات العسكرية وتدمير المناطق الكردية وتهجيرهم، رغم ذلك، أدرك المجتمع الكردي أن الحقيقة أقوى من الدعاية، فالوجود الكردي الذي كان منكراً أصبح اليوم معترفاً به جزئياً ليس فقط في كردستان إنما في العالم أجمع، لقد تحول الكرد من شعب كان على سرير الموت نتيجة سياسات الاضطهاد إلى قوة إقليمية تؤثر بقوة في سير العمليات السياسية في المنطقة، وهذا الاعتراف نفسه أحد أهداف النضال الأساسية، الإعلام المعادي يحاول اليوم أيضاً تشويه عملية السلام الحالية، لكن الشعب الكردي يقف صامداَ خلف رؤية القائد أوجلان التي تؤكد أن السلاح فقد معناه حيث تنفتح قنوات السياسة الديمقراطية.

التحول التاريخي: من الكفاح المسلح إلى السياسة الديمقراطية

أطلق القائد عبد الله أوجلان في 27 من شباط 2025 نداء التحول إلى مرحلة تاريخية تحت عنوان (نداء السلام والمجتمع الديمقراطي)، دعا فيه إلى عقد مؤتمر للحزب، وحل هيكله التنظيمي، وإنهاء استراتيجية التحرر الوطني المسلح التي نشأت كردّ فعل على سياسات الإنكار وقمع الوجود الكردي، والانتقال إلى السياسة الديمقراطية والقانون. استجاب الحزب فوراً بإعلان وقف إطلاق نار أحادي الجانب، ثم عقد المؤتمر الثاني عشر في أيار 2025، الذي أعلن رسمياً إنهاء الكفاح المسلح وحل حزب العمال الكردستاني. في تموز 2025، نُفذت خطوة رمزية بإحراق الأسلحة في جنوب كردستان، تعبيراً عن الإرادة الطوعية وجدية الحركة الأبوجية في الانتقال. أكد القائد أوجلان أن الهدف الأساسي تحقق باعتراف الوجود الكردي، وأن استمرار الاستراتيجية القديمة أصبح تكراراً عقيماً رغم أنه منذ العام 1993 سعى القائد إلى إنهاء الكفاح المسلح والبدء بالمسار القانوني والسياسي إلّا أن الدولة التركية لم تكن مستعدة لذلك. هذا التحول يعكس نضجاً سياسياً: السياسة لا تحتمل الفراغ، والديمقراطية هي الطريق الوحيد للعيش المشترك.

سياسة حزب العمال ومنظومة المجتمع الكردستاني في المرحلة الراهنة

تعتمد منظومة المجتمع الكردستاني KCK على مبادئ الكونفدرالية الديمقراطية، وهي مبادئ طورها القائد أوجلان كبديل عن الدولة القومية، إن هذه السياسة ترفض الإنفصال أو الفيدرالية بمعناها التقليدي، وتركز على بناء مجتمع ديمقراطي يقوم على الإخوة والعيش المشترك بين الكرد، الترك، العرب، الأرمن وغيرهم من الشعوب، من خلال تعزيز الحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية داخل إطار جمهورية ديمقراطية، والانتقال من الكفاح المسلح إلى مرحلة البناء عبر القانون والسياسة، إلى جانب الإصرار على إطار قانوني شامل يضمن إعادة الاندماج، ويسمح للقائد أوجلان بأداء دوره الطبيعي في توجيه العملية.

إن الخطوات الأحادية التي نفذتها حركة التحرر الكردستانية (وقف النار، إحراق رمزي للأسلحة، الانسحاب من شمال كردستان، الانسحاب من مناطق التماس مع الاحتلال التركي في جنوب كردستان، وإعلان حل الحزب) تثبت حسن النية والآن الكرة في ملعب الدولة التركية لتمرير قوانين السلام الحقيقية، بما يشمل إنهاء الحرب، توسيع الحريات والاعتراف الدستوري بالهوية الكردية وحرية القائد والمعتقلين السياسيين.

في ظل الحروب الإقليمية والسياسات الدولية القاسية

تشهد المنطقة حروباً وتوترات تهدد الاستقرار، من لبنان إلى إيران مروراً بسوريا والعراق، فيما تمارس القوى الدولية سياسات قاسية تجاه الكرد.

في هذا السياق، يعد إصرار حركة التحرر الكردستانية على السلام والأخوة خياراً استراتيجياً لإنقاذ الشعب الكردي من الإبادة وإنقاذ تركيا من الخراب والدمار المحتمل، فالسلام الديمقراطي يحول تركيا إلى قوة استقرار يلعب فيها الكرد دوراً رئيساً، ويمنع استخدام القضية الكردية كأداة في الصراعات الإقليمية، القائد أوجلان شدد مراراً أن الحل يكمن في (جمهورية ديمقراطية) قائمة على الأخوة، لا على الإنكار أو الاستقطاب.

نحو مستقبل مشترك: الأخوة الكردية-التركية كضمانة

لا تُعد هذه المرحلة نهاية النضال، بل بداية مرحلة سياسية جديدة فُتحت أبوابها بكفاح مسلح امتد 41 عاماَ قدم فيه الحزب تضحيات كبيرة، فالنجاح يتطلب إرادة متبادلة، إطاراً قانونياً حقيقياً، وإشراكاً فعالاً للقائد أوجلان، الحملات الإعلامية المعادية لن تمنع الشعب الكردي من التمسك برؤية السلام والديمقراطية، فالتاريخ يثبت أن الإرادة الشعبية والتنظيم الواعي هما الأقوى، الأخوة الكردية – التركية – العربية ليست شعاراً، بل ضرورة تاريخية لبناء مستقبل خالٍ من الحرب والدمار والتهجير، يشارك فيه الجميع على أساس المساواة والحرية والديمقراطية، هذا هو مسار حزب العمال الكردستاني ومنظومة المجتمع الديمقراطي: من السلاح إلى السياسة، ومن الإنكار إلى الاعتراف، ومن الصراع إلى الأخوة، والمرحلة الحالية تدعو الجميع إلى تحمّل المسؤولية التاريخية.