ترامب بين حرب لا يمكن كسبها واتفاق يصعب قبوله - كيفارا شيخ نور

ترامب بين حرب لا يمكن كسبها واتفاق يصعب قبوله - كيفارا شيخ نور
الخميس 6 آب, 2026   11:13

يقول مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، علي واعظ، إن الرئيس الأميركي عالق بين "حرب لا يمكن كسبها واتفاق يصعب قبوله". ولا تلخص هذه العبارة مأزق واشنطن في مواجهتها مع إيران فحسب، بل تقدم أيضاً مدخلاً لفهم التعقيد الذي يطبع معظم ملفات الشرق الأوسط اليوم. فالرهان الأميركي على حرب سريعة تُنتج واقعاً سياسياً جديداً لم يتحقق، فإيران لم تُهزم، وفي الوقت نفسه لم تظهر تسوية تعكس الشروط التي دخلت واشنطن الحرب من أجلها. 

عندما قررت الولايات المتحدة الانخراط في الحرب، كانت تراهن على أن الضربات العسكرية، إلى جانب العقوبات الاقتصادية، ستدفع طهران إلى القبول باتفاق جديد يقيّد برنامجها النووي ويحد من نفوذها الإقليمي. لكن ما حدث كان مختلفاً. فإيران تكبدت خسائر، لكنها احتفظت بقدرتها على المناورة، ولم تفقد أوراقها الأساسية في المنطقة. ومع إطالة أمد الحرب، ارتفعت كلفتها السياسية والاقتصادية، فيما بدا أن أي تسوية ممكنة ستتطلب تنازلات لا تنسجم مع الخطاب الأميركي الذي سبق الحرب. وبذلك لم تحقق القوة العسكرية استسلاماً إيرانياً، كما لم تنتج المفاوضات اتفاقاً يلبّي كامل المطالب الأميركية.

وتواجه إسرائيل معضلة مشابهة، وإن كانت في سياق مختلف. فمنذ هجوم حماس في السابع من تشرين الأول 2023، حققت تل أبيب إنجازات عسكرية كبيرة، أبرزها تصفية معظم القيادات البارزة في حماس وحزب الله، وإلحاق أضرار واسعة ببنيتهما العسكرية والتنظيمية، إضافة إلى فرض سيطرة ميدانية على مناطق واسعة في قطاع غزة وأجزاء من جنوب لبنان. ولا يمكن التقليل من أهمية هذه المكاسب عسكرياً، لكنها لم تتحول إلى نصر سياسي واضح.

فإسرائيل لم تخض الحرب بهدف تحسين الردع فقط، بل سعت إلى إعادة رسم البيئة الأمنية في المنطقة، عبر إنهاء حماس وحزب الله كقوتين عسكريتين وسياسيتين مؤثرتين. غير أن التجربة أظهرت أن النجاح في ساحة القتال لا يقود تلقائياً إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية. فاغتيال القيادات، والسيطرة على الأراضي، وتدمير البنية العسكرية، لا يعني بالضرورة إنهاء الخصم سياسياً أو فرض واقع إقليمي جديد، وهو ما يفسر استمرار العمليات العسكرية حتى بعد تحقيق إنجازات ميدانية كبيرة.

ويزداد المشهد تعقيداً لأن حماس وحزب الله ليسا تنظيمين منفصلين عن محيطهما الإقليمي، بل جزء من شبكة النفوذ التي بنتها إيران خلال عقود. ورغم الضربات التي تعرضت لها طهران، فإنها لم تُهزم استراتيجياً، ولا تزال قادرة على التأثير في مسار الصراع ودعم حلفائها. لذلك، فإن إضعاف هذه القوى لا يعني بالضرورة إنهاءها، كما أن الحديث عن القضاء عليها نهائياً يبدو أقرب إلى هدف سياسي منه إلى نتيجة يمكن للقوة العسكرية وحدها تحقيقها.

ومن هنا، يمكن فهم تعثر المفاوضات بين إسرائيل ولبنان. فالعقبة الأساسية ليست غياب الوسطاء أو نقص المبادرات، وإنما الفجوة بين ما تريده إسرائيل وما يقبل به حزب الله. فتل أبيب تسعى إلى ترتيبات أمنية تكرّس نتائج الحرب وتحد بصورة دائمة من قدرات الحزب، بينما يرفض الأخير أي صيغة تُفسَّر على أنها اعتراف بالهزيمة أو تمنح إسرائيل مكاسب سياسية دائمة. لذلك تبدو المفاوضات امتداداً للصراع أكثر من كونها طريقاً لإنهائه.

وينطبق الأمر نفسه على المفاوضات مع حماس. فإسرائيل ترى أن أي اتفاق لا ينهي القدرات العسكرية للحركة سيؤجل المواجهة المقبلة فقط، بينما ترى حماس أن أي تسوية لا تتضمن وقفاً دائماً للحرب وانسحاباً إسرائيلياً ستكون بمثابة إقرار بهزيمتها السياسية. ومع تمسك كل طرف بسقف مطالبه، تتحول المفاوضات إلى ساحة جديدة للصراع، لا إلى وسيلة حقيقية للوصول إلى تسوية.

والقاسم المشترك بين هذه الملفات ليس غياب الإنجازات العسكرية، بل العجز عن تحويلها إلى نتائج سياسية مستقرة. فالولايات المتحدة لم تستطع فرض اتفاق يعكس شروطها كاملة، وإسرائيل، رغم تفوقها العسكري وتوجيهها ضربات قاسية لخصومها، لم تتمكن من إعلان نصر سياسي حاسم، لأن أهدافها تجاوزت حدود الإنجاز العسكري إلى محاولة إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية برمتها.

لهذا، لا تبدو الأزمة الحقيقية في تعثر المفاوضات، بل في اتساع الفجوة بين ما تستطيع القوة العسكرية تحقيقه وما تريده السياسة. فعندما تُرفع سقوف الأهداف إلى حد السعي لتحقيق نصر كامل في منطقة شديدة التعقيد، يصبح أي اتفاق أقل من تلك التوقعات تنازلاً، ويغدو السلام نفسه اعترافاً بأن القوة، مهما بلغت فاعليتها، لا تكفي وحدها لإعادة رسم النظام الإقليمي.