سقوط البعث وتصدر "هيئة تحرير الشام" واجهة المشهد السوري

مر عام على انهيار النظام البعثي مع انطلاق معركة "ردع العدوان"، حيث سيطرت "هيئة تحرير الشام وفصائل الجنوب" على معظم البلاد وصولاً إلى دخول دمشق، بينما صدّت قوات سوريا الديمقراطية محاولات التوسع التركي. وبعد سقوط النظام، دمّرت إسرائيل غالبية الترسانة العسكرية السورية لمنع وقوعها بيد أي طرف، وتقدّمت جنوباً نحو إنشاء منطقة عازلة وسط غياب تام لمؤسسة عسكرية سورية موحدة.

سقوط البعث وتصدر "هيئة تحرير الشام" واجهة المشهد السوري
الأحد 7 كانون الأول, 2025   04:20
مركز الأخبار

انطلقت ما عُرفت بـ "معركة ردع العدوان" من قبل "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقاً) في الـ 27 من تشرين الثاني 2024، في ظروف ومتغيرات إقليمية ودولية، تغيرت فيها ميزان القوى في المنطقة، من بينها الحرب على غزة وتلك التي شنتها إسرائيل على حزب الله في لبنان، وجميع الأطراف المرتبطة فيها ضمن الدول المجاورة.

هجمات متسارعة وانهيار للنظام تحت وقع التطورات الإقليمية

شهدت المعركة تحولاً بارزاً في ميزان القوى، إذ جاءت في وقت كانت فيه لإيران وحزب الله وجود كبير في سوريا، إلا أنها شهدت تراجعاً مع سقوط النظام البعثي وبقاء ملف هذه القوات مجهولاً حتى اللحظة، حول مناطق وجودها الحالي في المنطقة أو أنها كانت قد خرجت من البلاد.

حيث قبل سقوط النظام السوري وفي ذروة الحرب، تشير التقديرات إلى أن إيران عبر الحرس الثوري ووحلفائها، إضافة إلى حزب الله والمقاتلين الأجانب وفّرت قوة عسكرية كبيرة قُدّر مجموعها بعشرات الآلاف من المقاتلين الموالين للنظام.

وفي مراحل الذروة تحديداً، قدّر حجم هذه القوات بما بين 20 إلى 30 ألف عنصر، كان من بينهم عدة آلاف من العناصر الأجنبية ذات الطابع العقائدي، سواء من الحرس الثوري الإيراني أو من حزب الله أو من مجموعات شيعية أخرى، ممن لا ينتمون إلى القوات النظامية السورية.

بدأت العمليات من ريف حلب الغربي، وخلال 48 ساعة فقط فقد النظام البعثي معظم مناطق سيطرته في الريف الغربي والجنوبي لحلب، ثم أجزاء واسعة من ريف إدلب الشرقي.

وفي مطلع كانون الأول 2024، تمكنت القوات المهاجمة ترأسها "هيئة تحرير الشام" من السيطرة الكاملة على مدينة حلب، وهو ما شكّل حينها تطوراً شكّل صدمة عنيفة للنظام البعثي الذي تراجع باتجاه محافظة حماة.

وفي 5 كانون الأول 2024، سقطت مدينة حماة أيضاً، ليصبح النظام البعثي محصوراً في دمشق وحمص وريفي درعا والقنيطرة.

فصائل الجنوب تدخل المشهد والعاصمة تحت الضغط

في الجنوب السوري، تحرّكت الفصائل المحلية في درعا بقيادة أحمد العودة. وكان العودة احتفظ على الرغم من اتفاق "التسوية" مع روسيا بنفوذ أمني وعسكري مكّنه من قيادة تحرّك واسع مطلع كانون الأول، انتهى بسيطرة القوى المحلية على مدينة درعا وريفها، ثم انسحاب قوات النظام البعثي تدريجياً من كامل الجنوب السوري.

في الوقت نفسه، أطلقت "هيئة تحرير الشام" هجماتٍ على حمص، ما دفع قوات النظام البعثي للانسحاب منها دون قتال، لتبقى دمشق وحدها آخر معاقل قوات النظام البعثي السابق.

بالتزامن مع ذلك عقدت روسيا وإيران ومعهما تركيا، جولة جديدة من مباحثات آستانا، وجرى الاتفاق حينها على وقف العمليات العسكرية "لهيئة تحرير الشام" عند ريف حمص الشمالي، وقامت الطائرات الروسية أيضاً بقصف جسر الرستن، وهو الشريان الحيوي الذي يربط حمص بدمشق، إلا أن أوامر أطراف خارجية، خارج مسار آستانا، وصلت "لتحرير الشام" باستمرار التقدم؛ والتي لم يمنعها قصف جسر الرستن من التقدم، حيث أن الجسر لم يُصب بأضرار يمكنها إيقاف زحف "الهيئة" نحو دمشق.

ومع استمرار الهجوم من الجنوب السوري نحو العاصمة، وإحكامها الطوق على دمشق، أعلنت القوى المهاجمة دخول دمشق في 8 كانون الأول 2024، وانتهى الأمر بفرار بشار الأسد إلى موسكو.

ورغم الدور المركزي لفصائل الجنوب في درعا والسويداء، حظي أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع لاحقاً) وتياره بدعم الإعلام العربي والغربي، وجرى تجاهل دور فصائل الجنوب في طرد قوات النظام البعثي من الجنوب ودخولها أولاً إلى العاصمة دمشق. بينما وصلت "هيئة تحرير الشام" إلى العاصمة مع متزعمها "الجولاني" حينها، ظهيرة يوم التاسع من كانون الأول.

المجموعات المدعومة من تركيا تسعى للتوسع وقسد توقف الاندفاع

في الشمال، حاولت تركيا ومرتزقتها استثمار الانهيار السريع للنظام البعثي، واستغلال حالة الفوضى في البلاد، بهدف توسيع رقعة احتلالها لمناطق شمال وشرق سوريا، إلا أن قوات سوريا الديمقراطية التي حافظت على تماسكها التنظيمي والعقائدي صدّت هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته على منبج منذ تاريخ الـ27 من تشرين الثاني 2024.

وفي الـ 11 من كانون الأول، أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، التوصل لوقف إطلاق النار بوساطة أميركية، حرصاً على حماية المدنيين داخل منبج، والانسحاب منها.

لكن الاحتلال التركي واصل التصعيد على ريف منبج وسد تشرين دون تحقيق أي اختراق، فيما تمكنت قسد من تثبيت خطوطها الدفاعية ومنع تغيير خريطة السيطرة.

ورغم ضغط الاحتلال التركي على جبهات ريف منبج وسد تشرين، قامت قوات سوريا الديمقراطية بطرد قوات النظام البعثي من مناطق ريف دير الزور، ومنها القرى السبعة ومدينة البوكمال والميادين، إضافة إلى مطار حلب الدولي، مع مناطق أخرى في ريف الرقة، في الـ7 من كانون الأول 2024، خشية أن يستغل مرتزقة داعش انهيار النظام حينها في سوريا والقيام بأي هجمات على تلك المناطق والمدنيين فيها.

وعادت قوات سوريا الديمقراطية إلى قواعدها من المناطق التي سيطرت عليها من النظام السوري، بعد وصول قوات "هيئة تحرير الشام" لمحاذاة تلك المناطق في الـ9 من كانون الأول 2024، وذلك لتأمين ألا يستغل مرتزقة داعش حالة الفوضى والفراغ الأمني في تلك المناطق.

مخاوف إسرائيل بعد سقوط النظام البعثي.. وتدمير الترسانة العسكرية السورية

ومع سقوط النظام البعثي، بدأت مخاوف إسرائيل من أن تسيطر "هيئة تحرير الشام" والقوات المتحالفة معها على الترسانة العسكرية التابعة للنظام البعثي، وخشية على أمنها القومي، قامت بشن "أوسع عملية جوية" وفق تعبيرها، في الـ11 من كانون الأول 2024، على القواعد والنقاط العسكرية ومستودعات الأسلحة الاستراتيجية والمطارات التي ضمت مدافع وطائرات حربية وقواعد أخرى على البحر، ودمرت أكثر من 90 بالمئة من الترسانة العسكرية لجيش النظام البعثي.

ولا توجد إحصائيات دقيقة لما دمرته إسرائيل، إلا أن تقارير إعلامية ذكرت أن أكثر من 120 موقعاً عسكرياً تم تدميره.

إضافة إلى 8 مطارات وقواعد جوية خرجت عن الخدمة بشكل كامل. كما تم تدمير أكثر من 30 مستودعاً صاروخياً استراتيجياً لإيران والميليشيات التابعة لها، مع حديث عن مقتل وانسحاب أكثر من 4 آلاف مسلح موالي لطهران وحزب الله من سوريا.

سوريا بلا جيش رادع.. وإسرائيل توسع سيطرتها على الجنوب

ومع مرور عام على سقوط النظام البعثي، باتت سوريا بدون مؤسسة عسكرية (جيش – قوات أمنية – شرطة)، خاصة مع حل "هيئة تحرير الشام" للجيش والأجهزة الأمنية مع وصولها للسلطة، وباتت مجموعات مسلحة وفصائل مختلفة هي التي تهيمن على المشهد العسكري السوري، وهي ما يسمونها "بالجيش السوري".

أما سيطرة إسرائيل فقد توسعت وشملت مناطق خارج منطقة "فض الاشتباك" التي تم الاتفاق عليها عام 1974، بعد "حرب تشرين"، وباتت تريد تل أبيب اليوم إنشاء "منطقة عازلة" تضم مناطق الجنوب السوري بمحافظاتها الثلاثة (القنيطرة – السويداء – درعا) إضافة إلى ريف دمشق الجنوبي، كما سيطرت على الجزء السوري من جبل الشيخ، وتوغلت قواتها لمسافة لا تبعد سوى 20 كيلومتراً عن دمشق.

الجزء الثاني – غداً

على الرغم من أن سقوط النظام البعثي في سوريا شكل عامل فرح وابتهاج لمختلف السوريين، إلا أن هذه الحالة لم تدم طويلاً، وذلك كون الحكومة الانتقالية في دمشق اتبعت خطوات سياسية وعسكرية وأمنية تبحث عن الهيمنة ولا تُعد مبشرة لحاضر ومستقبل البلاد، وتهدد باستمرار النزاعات والحروب وسقوط المزيد من الضحايا.

(أم)

ANHA