النضال من أجل التعلم باللغة الكردية يتصدر المشهد في شمال وشرق سوريا

تُعدّ اللغة الكردية في شمال وشرق سوريا أساساً للهوية والتعليم، وتشكل خطاً أحمر لدى الكرد. كما يُنظر إلى الدستور الجديد المتوقع إعداده من قبل البرلمان في سوريا بوصفه محطة مفصلية لضمان حماية اللغة الكردية على المستوى الدستوري، والاعتراف بها كلغة تعليم.

النضال من أجل التعلم باللغة الكردية يتصدر المشهد في شمال وشرق سوريا
الأربعاء 10 حزيران, 2026   02:30
مركز الاخبار
دوغان جيهان

يُنظر إلى الاتفاق الموقع بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة في سوريا بتاريخ الـ 29 من كانون الثاني على أنه أحد أهم المسارات السياسية التي ستحدد مستقبل سوريا. وبينما تتواصل المباحثات حول ملفات الاندماج العسكري والإداري والمؤسساتي بين الطرفين، يبرز ملف التعليم واللغة بوصفه من أكثر الملفات حساسية وأهمية بالنسبة لكرد سوريا.

ولا تقتصر النقاشات الجارية بين الجانبين على الاعتراف بالشهادات أو عملية اندماج المؤسسات التعليمية، بل تتجاوز ذلك إلى قضايا تتعلق باللغة والهوية الكردية وشكل إدارة سوريا المستقبلية. لذلك، لا يُنظر إلى اللغة الكردية بوصفها مسألة تقنية مرتبطة بتنفيذ الاتفاق، بل لأنها قضية وجودية وحيوية وخطاً أحمر بالنسبة للكرد.

تاريخ النضال من أجل اللغة الكردية في سوريا

تعود المطالب الكردية المتعلقة بالحقوق اللغوية إلى عام 1928، عندما قدم الكرد مطالبهم إلى المجلس التأسيسي السوري في ظل الانتداب الفرنسي، ومن بينها حق التعليم باللغة الكردية واستخدامها إلى جانب اللغة الرسمية للدولة. إلا أن هذه المطالب لم تلق قبولاً نتيجة السياسات القومية السائدة آنذاك.

ومنذ ذلك الحين، بقيت المطالبة بالاعتراف بالوجود القومي للكرد وحقوقهم الثقافية واللغوية إحدى القضايا الأساسية في نضالهم السياسي داخل سوريا.

وبعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم كردستان بين أربع دول، أصبحت روجآفا (المناطق الكردية) ضمن حدود الدولة السورية، لتتحول اللغة والثقافة والتعليم إلى ساحات رئيسة للنضال الكردي.

وفي 15 أيار 1932، أصدر الأمير جلادت علي بدرخان في دمشق مجلة "هاوار"، التي كانت أول مجلة كردية تُنشر بالأحرف اللاتينية، ولعبت دوراً تاريخياً في تطوير اللغة الكردية وتحديثها والحفاظ عليها.

لكن خلال العقود اللاحقة، ولا سيما في عهد حزب البعث، تعرضت اللغة الكردية لسياسات تقييد ومنع متزايدة. وتفاقمت هذه السياسات بعد تطبيق مشروع الحزام العربي عام 1973، الذي رافقه تشديد على الثقافة الكردية وبالأخص اللغة الكردية. ورغم ذلك، استمر تعلم لغتهم والحفاظ عليها عبر النشاطات الثقافية والتعليم غير الرسمي بطرق وأساليب مختلفة بشكل سري بين المجتمع الكردي.

ثورة روجآفا والكردية كلغة تعليم

أحدثت ثورة روجآفا التي انطلقت في الـ 19 من تموز عام 2012 تحولاً تاريخياً بالنسبة للغة الكردية. فبعد عقود من التهميش والمنع، أصبحت الكردية لأول مرة لغة رسمية للتعليم في المناطق الكردية.

ومن خلال جهود مؤسسات اللغة الكردية، تم تدريب آلاف المعلمين وإعداد المناهج التعليمية باللغة الكردية وافتتاح العديد من المدارس. وبعد تأسيس الإدارة الذاتية، جرى الاعتراف بالكردية إلى جانب العربية والسريانية كلغات رسمية.

واليوم تُدرَّس باللغة الكردية في عشرات المدارس والمعاهد والجامعات في شمال وشرق سوريا، ويتلقى مئات الآلاف من الطلاب تعليمهم بها، ما جعلها تتجاوز كونها حقاً ثقافياً لتصبح أحد أسس الوجود المؤسساتي للمجتمع الكردي.

ووفق بيانات هيئة التربية والتعليم التابعة للإدارة الذاتية قبل هجمات كانون الثاني الأخيرة على شمال وشرق سوريا خلال العام الجاري، كانت المنطقة تضم 4175 مدرسة تُدرّس باللغات الرسمية الثلاث (الكردية والعربية والسريانية)، ويعمل فيها 41,509 معلمين ويستفيد منها 837,466 طالباً، إلى جانب عدد من مؤسسات التعليم العالي، أبرزها جامعة الشرق في الرقة، وجامعة كوباني في كوباني، وجامعة روجآفا في الجزيرة.

ومن وجهة نظر الكرد السوريين، فإن نظام التعليم باللغة الكردية ليس مجرد مكسب، بل قضية وجود. ولذلك أصبحت العبارة المتداولة في روجآفا: "اللغة هي وجودنا" شعاراً يعبّر عن هذه الرؤية، مشددين أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل حاملة للتاريخ والهوية والذاكرة الجماعية والمستقبل.

اتفاق 29 كانون الثاني وملف التعليم

بعد الاتفاق، جرى إحراز بعض التقدم في ملف التعليم، وخاصة فيما يتعلق بالاعتراف بالشهادات والوثائق الصادرة عن الإدارة الذاتية، حيث تشير المعطيات إلى وصول الطرفين إلى مراحل متقدمة من التفاهم، وإن لم يتم اعتماد ذلك رسمياً حتى الآن.

كما تستمر الجهود المتعلقة باندماج المؤسسات التعليمية والكوادر التدريسية، غير أن القضية الأهم بالنسبة للكرد تبقى الحفاظ على نظام التعليم باللغة الكردية.

وفي الوقت الذي تتمسك فيه دمشق بنموذج تعليمي مركزي وموحد، يصر الكرد على حماية النظام القائم للتعليم بالكردية، وهو ما يشكل أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين.

فبالنسبة للكرد، لا يتعلق الأمر بتدريس اللغة الكردية كمادة دراسية فقط، بل بالحفاظ عليها كلغة مستقلة للتعليم تتمتع بضمانات دستورية.

المطلب الأساسي: التعليم بالكردية وضمانه دستورياً

يؤكد الكرد السوريون أن مطلبهم الرئيسي يتمثل في حماية اللغة الكردية كلغة للتعليم وتثبيت هذا الحق في الدستور السوري، وترفض الإدارة الذاتية أن تتحول الكردية إلى مجرد مادة اختيارية، وترى أن الحفاظ على وضعها الحالي كإحدى لغات التعليم الأساسية يمثل أولوية في المفاوضات الجارية.

كما ترى العديد من القوى السياسية الكردية أن أي حق لا يُحمى دستورياً يمكن أن يصبح عرضة للجدل أو التراجع مستقبلاً، ولذلك تُعد قضية اللغة الكردية قضية سياسية وحقوقية بقدر ما هي قضية تعليمية.

المرسوم رقم 13 والجدل حول اللغة الكردية

أثار المرسوم رقم 13 جدلاً واسعاً، الذي أصدره رئيس الحكومة المؤقتة في سوريا أحمد الشرع، وطرح نموذجاً يتيح تدريس اللغة الكردية كمادة اختيارية في المناطق ذات الغالبية الكردية.

إلا أن الإدارة الذاتية أعلنت رفضها لهذا الطرح، مؤكدة أن الكردية أصبحت في العديد من المناطق لغة التعليم الأساسية، وأن اختزالها في مادة اختيارية يُعد تراجعاً عن المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.

لذلك يواصل الكرد السوريون جهودهم من أجل الاعتراف بالكردية ليس فقط كمادة دراسية، بل كلغة رسمية للتعليم تتمتع بحماية وضمانات دستورية واضحة، عبر فعاليات ونشاطات شعبية وعلمية متنوعة.

الدستور الجديد سيكون حاسماً

ومع الحديث عن اقتراب انعقاد أولى جلسات البرلمان في سوريا وبدء أعماله، يُتوقع أن تشكل عملية إعداد الدستور الجديد المرحلة الأهم في مستقبل البلاد.

وفي هذه العملية تبرز الحقوق اللغوية وحقوق المرأة كأحد أبرز الملفات المطروحة، فيما يُنظر إلى ضمان حق التعليم باللغة الأم بوصفه من الأهداف السياسية الأساسية للكرد السوريين.

وبناء على المعطيات المتاحة، فإن النقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بصياغة دستور جديد، بل بتحديد شكل الدولة السورية المستقبلية، وكيفية الاعتراف بالهويات المختلفة، وما إذا كانت اللغة الكردية ستحصل على مكانة دستورية دائمة.

ومن وجهة نظر الكرد، يبقى الهدف واضحاً: حماية اللغة الكردية كلغة تعليم وتثبيت مكانتها في الدستور السوري الجديد بصورة صريحة ومستدامة، إذ يُنظر إلى نجاح اتفاق 29 آذار على أنه مرتبط إلى حد كبير بكيفية معالجة هذه القضية..

(أم)

ANHA