كاتب سوري: لا ديمقراطية دون مواطنة وقانون ودستور عادل

ذكر الكاتب والناشط السياسي شريف المقت أن الحديث عن الديمقراطية في سوريا، في ظل الواقع الحالي، يبدو بعيد المنال، مشيراً إلى أن طبيعة السلطة القائمة والانقسامات الطائفية والدينية المتفاقمة تعيق أي مسار حقيقي نحو بناء دولة ديمقراطية قائمة على المواطنة والقانون، مؤكداً ضرورة الشروع في العمل على دستور يضمن المساواة بين الجميع.

كاتب سوري: لا ديمقراطية دون مواطنة وقانون ودستور عادل
الثلاثاء 19 مايو, 2026   05:05
السويداء

في ظل استمرار الانقسامات السياسية والاجتماعية التي تعيشها سوريا، تتصاعد التساؤلات حول إمكانية بناء نظام ديمقراطي يضمن حقوق جميع السوريين، وسط تحديات تتعلق بشكل السلطة القائمة، وللتباحث حول تفاصيل هذه المواضيع أجرت وكالتنا لقاءً مع الكاتب والناشط السياسي السوري شريف المقت من مدينة السويداء.

المقت أشار إلى أن الحديث عن الديمقراطية في سوريا، في ظل الظروف الراهنة، يبدو أقرب إلى "الرفاهية السياسية"، مشيراً إلى أن الواقع الحالي في البلاد بعيد عن أي مسار حقيقي نحو التحول الديمقراطي أو حتى التمهيد له.

العقبة في "شكل السلطة"

وفي حديثه حول مستقبل الديمقراطية في سوريا، قال المقت إن العقبة الأساسية أمام أي انتقال ديمقراطي تتمثل في شكل السلطة القائمة حالياً، والتي وصفها بأنها سلطة جاءت "بقوة الأمر الواقع"، حيث استأثر فصيل واحد بالسلطة السياسية والعسكرية، دون وجود نهج سياسي واضح أو مرجعية ديمقراطية تحكم إدارة الدولة.

وأضاف أن "الوضع الطائفي والديني السائد اليوم يُعد من أخطر العوامل التي تُبعد سوريا عن أي مشروع ديمقراطي"، وأن الخطاب الديني التحريضي والانقسامات المجتمعية المتزايدة عمّقت حالة الانقسام، وأضعفت إمكانية بناء دولة جامعة لكل السوريين.

الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد

وأوضح المقت أن سوريا تحتاج إلى "عقد اجتماعي جديد"، يقوم على تفاهم بين النخب الثقافية والسياسية والعائلات التاريخية ومختلف المكونات الاجتماعية، من أجل الاتفاق على شكل الدولة المستقبلية وآلية إدارتها، مؤكداً أن غياب هذا التوافق يجعل الحديث عن الديمقراطية أمراً بالغ الصعوبة.

"الدين لله والوطن للجميع"

وفي معرض حديثه عن تجربة السويداء، أشار إلى أن المحافظة تبنت منذ سقوط النظام البعثي خطاباً وصفه بـ "الديمقراطي والوطني"، مستشهداً بمقولة سلطان باشا الأطرش "الدين لله والوطن للجميع"، إلا أن هذا الطرح بحسب قوله، قوبل بالرفض من قبل القوى الدينية المتشددة التي ترى أن "الوطن والدين لله"، وتعدّ نفسها مندوبة الله على الأرض، وهو ما انعكس على شكل الحكومة الحالية وآلية تعاطيها مع بقية المكونات.

وأكد المقت أن الحكومة القائمة "أغلقت المجال أمام أي مشروع ديمقراطي أو فكري مختلف"، معتبراً أن سيطرة الفكر الديني على مفاصل الحكم دفعت بقية المكونات السورية إلى الانكفاء على نفسها والسعي لتشكيل مجتمعات محلية مغلقة تحاول حماية ذاتها بعيداً عن فكرة الدولة المركزية.

تعدد الولاءات أفشل المعارضة

ورأى المقت أن المعارضة فشلت في تقديم مشروع وطني موحد، مشيراً إلى أن حالة التشرذم والانقسامات والارتباطات الخارجية أضعفت قدرتها على لعب دور حقيقي في بناء مستقبل سوريا.

وقال إن "المعارضة السورية منذ سقوط النظام وحتى اليوم لم تنجح في صياغة رؤية واضحة لشكل الدولة السورية"، مضيفاً أن تعدد الولاءات الإقليمية والدولية أسهم في خلق بيئة غير ملائمة لبناء مشروع وطني جامع.

"الدستور هو الأساس الحقيقي لبناء الدولة"

وشدد على أن بناء دولة المؤسسات يبدأ من وجود دستور عادل يضمن المساواة بين جميع المواطنين، ويحدد صلاحيات السلطة وحقوق الأفراد على أساس المواطنة، بعيداً عن الانتماءات الطائفية أو الدينية أو العائلية أو السياسية.

وأضاف أن "الدستور هو الأساس الحقيقي لبناء الدولة"، وأن الانتخابات الحرة تمثل الفيصل في تحديد الأحجام السياسية والاجتماعية داخل البلاد، مؤكداً أن أي مشروع ديمقراطي لا يمكن أن ينجح في ظل فرض لون سياسي أو ديني واحد على المجتمع السوري.

التساوي في الحقوق والواجبات

وفي حديثه عن ضمان حقوق الأقليات والمكونات السورية، دعا المقت إلى تجاوز مصطلحات "الأقليات" و"الأكثريات"، وذكر أن التعامل مع السوريين يجب أن يكون على أساس المواطنة المتساوية فقط.

وقال: "لا يمكن بناء وطن في ظل تقسيمات دينية وطائفية بهذا الشكل، والحل يبدأ عندما يُنظر إلى جميع المواطنين على أنهم متساوون في الحقوق والواجبات".

وأشار المقت إلى أن الإعلام والمجتمع المدني يلعبان دوراً محورياً في تشكيل وعي المواطنين ونشر الثقافة الديمقراطية، موضحاً أن الخطاب الإعلامي، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، يترك أثراً مباشراً على الرأي العام وعلى طبيعة المجتمع.

التفكير ببناء "كانتونات"

وفيما يتعلق بدور السوريين داخل البلاد وخارجها، أوضح المقت أن سنوات الحرب والضغوط والانقسامات دفعت كل منطقة أو جماعة إلى البحث عن وسائل لحماية نفسها، بدلاً من الانخراط في مشروع وطني موحد، ورأى أن ذلك يعكس حجم الانهيار الاجتماعي والسياسي الذي أصاب البلاد.

وقال إن السوريين كانوا يحلمون بدولة تقوم على العدالة والمواطنة والدستور المتساوي بين الجميع، إلا أن الواقع الحالي، في ظل تصاعد الخطاب الديني والانقسامات المجتمعية، دفع مختلف المكونات إلى التفكير ببناء كياناتها الخاصة، على شكل كانتونات، نتيجة غياب مشروع وطني حقيقي قادر على احتواء الجميع ضمن دولة واحدة.

وفي ختام حديثه، عبّر الكاتب والناشط السياسي السوري شريف المقت من مدينة السويداء، عن خيبة أمل واسعة لدى كثير من السوريين، خاصة بعد ما شهدته بعض المناطق من مجازر وانتهاكات وقمع، لكنه أكد أن الحلم بسوريا جامعة ودولة عادلة ما يزال قائماً لدى شريحة واسعة من السوريين.

(أم)

ANHA