كاتب: دستور سوري شامل يضمن المواطنة المتساوية ضرورة لكسر العنف والإقصاء

يرى الكاتب الكردي السوري عاصم أمين أن سوريا تعيش واقعاً هشاً ومعقداً، حيث تواجه حقوق المكونات الدينية والعرقية خطراً وجودياً لغياب العدالة الانتقالية وتصاعد خطابات الكراهية، مؤكداً أن الاستقرار السياسي والاجتماعي لا يمكن تحقيقه دون محاسبة الماضي وإرساء دستور شامل يضمن المواطنة المتساوية ويكسر حلقة العنف والإقصاء.

كاتب: دستور سوري شامل يضمن المواطنة المتساوية ضرورة لكسر العنف والإقصاء
السبت 4 نيسان, 2026   04:45
الحسكة
هنار إبراهيم

أشار الكاتب الكردي السوري عاصم أمين في حوار مع وكالتنا، إلى واقع حقوق المكونات الدينية والعرقية في سوريا، وواقع البلاد الأمني، وآفاق الحل السياسي، حيث قدم قراءة تحليلية لمجمل المشهد السوري الراهن.

كيف تقيمون الوضع الحالي للحقوق في سوريا؟

رأيي كمراقب أن الظروف السياسية والعسكرية الراهنة في سوريا يمكن وصفها بولادة تاريخية مشوّهة ومسخاً، إذ تتصادم مع منطق التاريخ وقوانين التطور الاجتماعي الإنساني. ويستحيل إرساء استقرار سياسي أو اجتماعي مستدام فوق إرث مثقل بمجازر القتل والتدمير الممنهج التي عانى منها السوريون منذ عام 2011.

إن القفز فوق تضحيات الضحايا وتجاهل المحاسبة ودون تطبيق العدالة الانتقالية، يمثل عائقاً بنيوياً يحول دون أي نهوض وطني، فالدولة الحقيقية لا تستقيم على أنقاض المظالم، والتعافي لا يتحقق بإنكار الجراح بل بمداواتها عبر مسارات عدالة انتقالية ناجزة.

في الغياب التام لمعالم الدولة الحقيقية، يواجه مستقبل حقوق الشعوب والمكونات الدينية والعرقية الراهنة في سوريا خطراً وجودياً حقيقياً مبهماً ومعقداً؛ ولا سيما مع تصاعد خطابات الكراهية والتكفير التي تنفثها جهات تدّعي "الأكثرية الطائفية"، إن هذه الخطابات لا تكتفي ببث الحقد، بل تؤسس لثقافة الإبادة والتغيير الديموغرافي، ما يجعل أي حديث عن انتقال سياسي لا يرتكز على دستور جامع يحمي التنوع السوري كشركاء أصلاء، هو محض ضرب من الخيال ووهم سياسي.

إن الدولة التي تفتقر لميزان العدل والاعتراف المتبادل لا تنتج استقراراً، بل تؤجل الانفجار، فالبناء على ركام الظلم هو استمرار لمنطق الهدم الحضاري، إن استعادة سوريا من فخ الهشاشة والتمزق تقتضي الإيمان بأن المواطنة المتساوية، واللجم الصارم لخطابات الكراهية، والعدالة الشاملة، هي الركائز الوحيدة لكسر حلقة العنف وصناعة مستقبل يتسع لجميع أبنائه بعيداً عن شبح التصفية والإقصاء.

هل تعتبر الصعوبات التي تواجه بعض المكونات حالات فردية أم جزءاً من نمط أوسع؟

أجد كمراقب أن الجذور العميقة لهذه المعضلة تكمن في الوعي أو العقل المذهبي والقومي الأيديولوجي الجمعي الذي هيمن على المشهد، وهنا لا يمكن أن نغفل عن الدور المحوري الذي لعبه حزب البعث "الشوفيني" وأجهزته المخابراتية على مدار عقود، فقد عملت هذه المنظومة بشكل دؤوب على زراعة إرث إقصائي متطرف في صلب ثقافة السلطة السورية.

وتحويل هذا الفكر إلى أداة لضبط المجتمع وتفتيته، هذا الإرث الثقافي والسياسي المشبع بنفي الآخر وتخوينه هو الذي مهد التربة الخصبة لنمو هذه الانتهاكات اليوم؛ فالعنف الحالي ليس مجرد وليد اللحظة، بل هو ثمرة "تنشئة سلطوية" قامت على تغليب الأيديولوجيا الضيقة على حساب المواطنة الجامعة.

إن تفكيك هذه المسؤولية يتطلب إدراكاً بأن الانتهاك ليس مجرد رصاصة طائشة، إنما هو انعكاس لبنية فكرية تم ترسيخها لتكون وسيلة للبقاء والسيطرة، ما يجعل مواجهة هذا الإرث المتطرف ضرورة تسبق أي محاولة لإرساء العدالة.

ما أبرز الجهات المسؤولة عن هذه الانتهاكات بحسب توثيقاتكم؟

كمراقب، أعير اهتماماً أكبر للتقارير الحقوقية الدولية وكذلك تقارير الأمم المتحدة التي أشارت بوضوح إلى تورط أطراف متعددة في انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتشمل هذه الأطراف عناصر من القوات الحكومية والأمنية السورية، إضافة إلى مجموعات مسلحة محلية وعشائرية، وعناصر مرتبطة بتنظيمات وفصائل متطرفة شكّلت جزءاً من قوة السلطة الحالية، مستغلة حالة الفراغ والفوضى الأمنية.

وإن الهشاشة الأمنية بسبب غياب مظاهر الدولة وتداخل الصلاحيات القائمة على المذهبية والطائفية وعدم وجود عقيدة وطنية موحدة، أدى إلى استمرار العنف والإجرام والتوحش والهمجية التي استهدفت وتستهدف المناطق الآمنة ذات الحماية الذاتية والمدنيين من مكونات الشعوب السورية من كرد ودروز وعلويين ومسيحين على أسس الهوية العرقية أو الدينية أو المناطقية في بؤر توتر مختلفة من دمشق، وكذلك السويداء والساحل السوري وعفرين وحي الشيخ مقصود وانتهاء بشرق الفرات.

هل هناك اختلاف في مستوى الاستهداف؟

نعم لا شك أن هناك اختلاف واضح في أنماط ومستويات الاستهداف والقتل الممنهج، والتي ترتقي الى مستوى جرائم حرب بحق المكونات السورية؛ مثل العلويين والدروز والكرد والمسيحيين، وترتقي إلى المستوى ذاته، بعض المكونات تستهدف على خلفية سياسية مرتبطة بموقعها في الصراع، وأخرى على خلفية إثنية أو دينية أو جغرافية، الكرد مثلاً يواجهون إشكاليات تتعلق بالهوية القومية وإدارتهم لمناطقهم، بينما يعيش المسيحيون هاجس التراجع الديمغرافي والتهديد الوجودي.

والعلويون، رغم ارتباط بعضهم ببنية السلطة الحالية، إلا أنهم يعانون أيضاً من تداعيات الصراع الوجودي، الدروز غالباً ما يحاولون الحفاظ على حياد نسبي، لكنهم ليسوا بمنأى عن الضغوط، هذا التنوع في أنماط الاستهداف يعكس طبيعة الصراع المركب، حيث تتداخل السياسة مع الهوية بشكل معقد.

إلى أي مدى يتم توثيق هذه الانتهاكات بشكل دقيق في ظل صعوبة الوصول لبعض المناطق؟

بالنسبة لعملية توثيق الانتهاكات في سوريا فإنها تواجه تحديات ومعوقات كبيرة، أبرزها محدودية الوصول إلى مناطق النزاع، وخطورة العمل الميداني، فضلاً عن الضغوط التي يتعرض لها الشهود. تعتمد العديد من المنظمات على مصادر محلية وشبكات غير رسمية "كالمرصد السوري لحقوق الانسان وبقية المنظمات الحقوقية السورية في الداخل والخارج"، ما يفرض قيوداً على شمولية البيانات ودقتها.

وفي المقابل، شهدت أدوات التحقق الرقمي تطوراً ملحوظاً، خاصة في تحليل الصور والفيديوهات، ما أسهم في تحسين مستوى التوثيق، رغم ذلك، تبقى هناك فجوات معلوماتية، خصوصاً في المناطق المغلقة أو الخاضعة لسيطرة مشددة، هذه الفجوات تستغل أحياناً لتشكيك الروايات أو توظيفها سياسياً، وعليه، فإن التوثيق يظل عملية معقدة وغير مكتملة.

ما الإجراءات التي يجب على المجتمع الدولي اتخاذها في سوريا؟

حقيقة يواجه المجتمع الدولي اختباراً أخلاقياً وقانونياً وإنسانياً حقيقياً في قدرته على الانتقال من البيانات والإدانات السياسية الخجولة إلى القيام بإجراءات ملموسة لحماية المدنيين، من بين الخطوات المطلوبة تعزيز آليات المساءلة الدولية، ودعم المبادرات الحقوقية المستقلة، وممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية على الأطراف المنتهِكة.

كما أن دعم مسارات الحل السياسي الشامل يظل عنصراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، لا يقتصر الأمر على الحماية المباشرة، بل يشمل أيضاً إعادة بناء مؤسسات قادرة على ضمان الحقوق لجميع المكونات، في هذا السياق يصبح تمكين المجتمع المدني أداة محورية من دون ذلك، ستبقى الجهود الدولية محدودة التأثير.

هل توجد مؤشرات على تحسن الوضع أم أن المخاطر ما تزال تتصاعد؟

تشير المعطيات الحالية إلى حالة من "الاستقرار الهش" التي قد توحي بإمكانية اندلاع ثورات أو حروب أهلية محتملة، نتيجة الغموض والمصير المجهول الذي يعيشه السوريون بمختلف شعوبهم وتكويناتهم. ورغم تراجع حدة المواجهات العسكرية، إلا أن ذلك لا يعني تحسناً جوهرياً في الأوضاع الحقوقية والوجودية للمكونات، ما يجعل مصير شكل النظام السياسي الذي ستؤول إليه سوريا لا يزال غامضاً ومفتوحاً على احتمالات متعددة.

ولا تزال عوامل التوتر قائمة، من انقسامات سياسية وهوياتية حادة، إلى أزمات اقتصادية خانقة، مروراً بغياب العدالة الانتقالية، في المقابل، مخاطر ثورة جديدة وحرب اهلية لا تزال قائمة، بل إن بعضها يتخذ أشكالاً جديدة أقل وضوحاً.

وبالتالي، يمكن القول إن الوضع لم يدخل مرحلة التعافي بعد، بل يقف عند توازن وفي حالة انتظار هش قابل للاهتزاز في أي لحظة.

(أم)

ANHA