امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال

رغم زحف المصانع واندثار أصوات المغازل، ما تزال ستيرا أيو تقاوم بصبر وإصرار، تحيك الماضي وتحمي هوية مجتمعٍ يخشى أن يفقد واحدة من أقدم حِرفه، وعلى مدار سنوات حاكت نحو 250 قطعة من خيوط الصوف والقطن لتهديها لأطفالها لكنها لم تُرزق بأطفال، فبقيت تحتفظ بها حتى اليوم.

امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال
امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال
امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال
امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال
امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال
امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال
امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال
امرأة تنسج ذاكرة مدينة بخيوطٍ تقاوم الزوال
الثلاثاء 23 كانون الأول, 2025   07:40
الحسكة
جان علوي

في مدينة الدرباسية، تنسج امرأة اسمها "ستيرا أيو" خيوط حياتها كما تنسج القطن والصوف بين أصابعها. لم تكن الحياكة بالنسبة لها مجرد مهنة، بل إرثاً ثقافياً وذاكرة جمعية تحفظ دفء البيوت ورائحة الماضي. منذ طفولتها جلست إلى جوار والدتها، تتعلم سرّ الحلقات والمربعات، لتصبح واحدة من النسّاجات اللواتي حملن على أكتافهن عبء الفن والهوية، في زمن باتت فيه هذه الحرفة مهددة بالزوال أمام زحف المصانع والقطع الجاهزة.

ستيرا أيو، إحدى نساء مدينة الدرباسية في مقاطعة الجزيرة، ولدت عام 1972 في المدينة نفسها وترعرعت، وهي الابنة المتوسطة في عائلة مؤلفة من ست فتيات. تزوجت عام 2005 ولكنها لم تُرزق بأطفال. درست المرحلة الثانوية ووصلت إلى الدراسة الجامعية لكنها لم تكملها بسبب بعض الظروف على حد وصفها. 

وتمارس ستيرا أيو حرفة النسج والغزل، وهي من الصناعات اليدوية التقليدية التي توارثتها نساء المجتمع جيلاً بعد جيل. ويُعرف عملها بالحياكة اليدوية، حيث تقوم بتحويل الخيوط القطنية والصوفية إلى ملابس وأغطية وقطع منزلية ذات طابع تراثي. إنها من النسّاجات اللواتي يحافظن على هذا الإرث الثقافي عبر صناعة المشغولات النسيجية التي تزيّن البيوت. 

وتعلمت ستيرا أيو الحياكة من والدتها عندما كانت في السابعة من عمرها، إذ كانت تعيش العائلة في زقاق يعيش فيه الكرد والسريان جنباً إلى جنب، وكانت نساء الحي يعملن في حياكة الخيوط للمنازل، وهي مهنة تتقنها النساء على حد قولها كمصدر للدخل اليومي. وكانت والدتها تحث بناتها الست على تعلم المهنة، ليحكن الخيوط والدفء في منازلهن. 

وتعلمت ستيرا الحياكة رويداً رويداً كما تقول، فكانت تحيك بطريقة "الحلقات" ثم "المربعات"، وأكملت الحياكة على هذين النمطين حتى أتقنت المهنة في عامها الثاني عشر.

وتصف ستيرا الحياكة بأنها مهنة جميلة وتُعدّ جزءاً من الفن، وتختلف المشغولات من يد إلى أخرى ومن نوع إلى آخر، وتعتمد على الأرقام والقياسات في الحياكة. وهي تصنع نسيجاً متماسكاً وصلباً بطريقة وصفتها بـ "المشدودة". 

كما أشارت إلى أن مهنة الحياكة اليدوية قريبة من الزوال في مجتمعنا في الوقت الحالي، حيث تلجأ النساء إلى شراء القطع الجاهزة، بينما كانت النساء في السابق يجتمعن ويتسابقن على من يتقن العمل بشكل أفضل وأجمل.

وذكرت أن هذه المهنة جميلة وممتعة ولكنها متعبة وشاقة في الوقت نفسه، حيث إن طريقة الجلوس وحمل الإبر والحياكة تسبب آلاماً في الكتف والظهر، وهذا ما تعانيه بسبب استمرارها في الحياكة لعدة أعوام. وما كانت تنسجه في المنزل هي وأخواتها كان للمنزل، وبعد أن تزوجن واستقللن أخذن معهن ما صنعن من نسيج ليزين به منازلهن. 

وأضافت قائلة: "نسيج الصوف وخيوط القطن الملونة أصبح جزءاً من التراث الشعبي في المجتمع، ويعطي جمالية رائعة للمنزل ويزينه، حيث كنا نحيك الأغطية للطاولات والأرائك والتخوت، حتى في المطبخ لتزيين العديد من التفاصيل الكبيرة والصغيرة فيه. وأنا قمت بحياكة ما يقارب 250 قطعة طيلة الأعوام، إلا أنني توقفت عن الحياكة منذ سنتين كفاصل، لمعاناتي من مرض الديسك في الظهر وقصر البصر، إلا أنني لا أزال عازمة على إكمال الحياكة والاستمرار في نسج الخيوط". 

وأكملت بالقول إنها كانت توازن بين دراستها وحياكة الصوف في المنزل، إلا أنها مع مرور الوقت قللت من الحياكة، لتترك وراءها أكثر من 250 قطعة من الصوف تعبّر عن عبق الماضي ودفء العائلة، حيكت بحب لتهديها لأطفالها لكنها لم تُرزق بأطفال، فبقيت تحتفظ بها حتى اليوم. 

ستيرا أيو شددت على ضرورة التمسك بالهوية والثقافة المجتمعية وحمايتها من الزوال، كحال حياكة الصوف وخيوط القطن التي باتت قريبة من الزوال بعد بناء المعامل والمشاغل التي حلّت محل الحياكة اليدوية في يومنا، إلا أنها تفضل أن تستمر ويمتهنها الجيل الجديد.

(ح)

ANHA