تدخّل متصاعد يقيّد فرص الحل السياسي بين دمشق وشمال شرق سوريا

يصطدم الاعتراف الكامل بالتعددية السورية وحقوق المكونات في العملية السياسية، ولا سيما إمكانية فتح مسار تفاوضي شامل لمكونات شمال وشرق سوريا مع الحكومة، مع السياسات التركية المتكررة، إلى جانب نهج دمشق المركزي.

تدخّل متصاعد يقيّد فرص الحل السياسي بين دمشق وشمال شرق سوريا
الثلاثاء 16 كانون الأول, 2025   06:30
مركز الأخبار

منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، اتسمت العلاقة بين أنقرة ودمشق، على الرغم من العداء السياسي المعلن بينهما في عهد النظام البعثي، بتقاطع واضح في مقاربة ملف الحكم وشكل الدولة في سوريا. فقد أظهرت سياسات الطرفين، في مراحل مختلفة، رفضاً لأي تغيير جوهري في بنية الحكم المركزي، وتعاملاً متشدداً مع مطالب المكونات السورية بالحصول على حقوق سياسية وإدارية، ولا سيما فيما يتعلق بالإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا والمكوّن الكردي.

وبرز هذا التقاطع في أكثر من محطة سياسية وتفاوضية، قبل أن يتعزز بشكل أوضح بعد وصول حكومة انتقالية مدعومة من تركيا، الأمر الذي عكس، وفق مراقبين، استمرار نمط التدخل التركي في الملف السوري، وتوازيه مع تهرّب دمشق، سواء في عهد النظام السابق أو الحكومة الانتقالية الحالية، من الانخراط في حوار سياسي جاد مع القوى الديمقراطية وممثلي مكونات شمال وشرق سوريا.

تعاطي أنقرة ودمشق مع مكونات شمال وشرق سوريا

منذ تشكّل الإدارة الذاتية الديمقراطية، تبنّت تركيا موقفاً ثابتاً يعتبر أن أي اعتراف سياسي بهذه الإدارة يشكّل "تهديداً للأمن القومي التركي"، وهو توصيف حافظت عليه أنقرة رغم المبادرات المتعددة التي قدّمتها الإدارة الذاتية لتأكيد طابعها السوري، ونفيها أي توجهات انفصالية.

في المقابل، حافظت دمشق، في مرحلتي النظام البعثي والحكومة الانتقالية، على موقف رافض لأي صيغة تفاهم سياسي مع القوى الديمقراطية أو مكونات شمال وشرق سوريا، ورفضت مناقشة أي مقترحات تتعلق بتغيير شكل الحكم أو اعتماد اللامركزية، على الرغم من الانتقادات الواسعة التي طالت النموذج المركزي التقليدي وفشله في إدارة التنوع السوري.

وأدى هذا التلاقي في المواقف إلى استبعاد مكونات شمال وشرق سوريا ونموذج الإدارة الذاتية من المسارات التفاوضية الدولية، رغم الدور الذي لعبته هذه المكونات في محاربة مرتزقة داعش، والمساهمة في تثبيت الاستقرار في مساحات واسعة من البلاد.

أنقرة ودورها في مسارات الضغط والتعطيل

اعتمدت تركيا، وفق توثيقات سياسية وإعلامية، على أدوات متعددة لمنع ترسيخ أي نموذج إدارة ذاتية في شمال وشرق سوريا. فقد بدأت هذه السياسة بدعم مجموعات مسلحة مختلفة، منذ عام 2012، في مناطق مثل سري كانيه، مروراً بمرحلة سيطرة تنظيم داعش بين عامي 2014 و2019، وصولاً إلى تدخل عسكري مباشر عبر الجيش التركي وشنّ عمليات أدت إلى السيطرة على مناطق واسعة.

وشملت هذه العمليات احتلال عفرين، وما رافقه من تهجير مئات الآلاف من السكان، ثم التوسع باتجاه سري كانيه وتل أبيض، وسط اتهامات بإحداث تغييرات ديمغرافية عبر التهجير القسري وتوطين عائلات مرتزقة تركيا مكان السكان الأصليين.

ورغم ذلك، لم يؤدِّ هذا المسار إلى انهيار نموذج الإدارة الذاتية أو إسقاط طرحه كأحد الحلول المطروحة للأزمة السورية، ما دفع أنقرة، بحسب مراقبين، إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية، مستفيدة من نفوذها لدى أطراف دولية، بهدف منع أي حضور رسمي لقوات سوريا الديمقراطية أو ممثلي الإدارة الذاتية في مسارات جنيف، وأستانا، وسوتشي، واللجنة الدستورية.

وفي هذا السياق، لوّحت تركيا مراراً باستخدام "الفيتو" الدبلوماسي، وهددت بالانسحاب من المسارات التفاوضية إذا تم تجاوز ما تعدّه "خطوطاً حمراء"، والمتمثلة في إشراك ممثلين عن الإدارة الذاتية.

كما رافق ذلك نشاط سياسي وإعلامي واسع، استهدف إقناع عواصم غربية بعدم إشراك هذه الأطراف في العملية السياسية، وهو ما أشارت إليه بيانات صادرة عن الإدارة الذاتية وقسد في مراحل سابقة.

مثال: تغييب شمال وشرق سوريا عن جنيف واللجنة الدستورية

منذ انطلاق مسار جنيف برعاية الأمم المتحدة عام 2012، واجه تمثيل الكرد ومكونات شمال وشرق سوريا عقبات متكررة، كان أبرزها الموقف التركي الرافض. وقد حال هذا الموقف دون توجيه أي دعوة رسمية لممثلي المنطقة، رغم اتساع رقعة سيطرتها ودورها المتزايد بعد عام 2014.

وعند إطلاق اللجنة الدستورية السورية عام 2019، غاب تمثيل الإدارة الذاتية وقسد بشكل كامل، وسط ضغوط تركية على الأمم المتحدة والأطراف الراعية، بما فيها روسيا وإيران، لمنع إدراج أي ممثلين عنها ضمن اللجنة، وهو ما أسهم في إضعاف مصداقية هذا المسار لدى شرائح واسعة من السوريين.

كما سعت تركيا، بحسب متابعين، إلى حصر التمثيل الكردي ضمن أطر سياسية مقبولة لديها، بما يضمن عدم طرح قضايا مثل اللامركزية أو الحقوق الدستورية لمكونات شمال وشرق سوريا على طاولة التفاوض.

موقف دمشق واستمرار النهج المركزي

ولم يكن انسحاب الحكومة الانتقالية من لقاء باريس مطلع عام 2025 حدثاً مفاجئاً، بل جاء، وفق محللين، امتداداً لسياسة اعتمدتها دمشق منذ بداية الأزمة تجاه شمال وشرق سوريا. فقد استخدمت الحكومتان المتعاقبتان ذرائع متشابهة، مثل اتهام الإدارة الذاتية بالنزعات الانفصالية أو شرعنة الوجود الأجنبي، لتبرير رفض الحوار.

ويرى مراقبون أن هذه الخطابات تخفي خشية عميقة من أي تغيير في بنية الحكم قد يحدّ من المركزية الشديدة التي حكمت سوريا لعقود. كما استخدمت دمشق، سابقاً وحالياً، شعارات “وحدة الدولة” و”السيادة الوطنية” في خطابها الداخلي والخارجي، رغم الواقع الذي شهد تعدد مناطق النفوذ والتدخلات الخارجية.

وفي المرحلة الانتقالية، برز هذا النهج بصورة أكثر حدّة، عبر حملات إعلامية وتحريضية ضد الإدارة الذاتية وقسد، بالتوازي مع تصريحات رسمية عُدَّت انعكاساً للتأثير التركي، من بينها التلويح بتحرك عسكري تركي في حال عدم الالتزام باتفاق 10 آذار.

كما أن ما سُمّي بـ "مؤتمر النصر" عُقد دون إشراك ممثلي شمال وشرق سوريا على المستويات الإدارية والسياسية والعسكرية، في استمرار لنهج الإقصاء ذاته.

إلى جانب أن الإعلان الدستوري الصادر لاحقاً لم يتناول حقوق مكونات شمال وشرق سوريا، وفي مقدمتهم الكرد وحقوقهم القومية، كما لم يحدد شكل الحكم على نحو يعكس التعددية السورية، بل كرّس المركزية، متجاهلاً ما ورد في اتفاق العاشر من آذار.

ويضاف إلى ذلك تجاهل الحكومة إدراج الأعياد الدينية والقومية لمختلف المكونات والطوائف السورية ضمن سجل العطل الرسمية، وهو ما عُدَّ مؤشراً إضافياً على غياب الاعتراف العملي بالتنوع المجتمعي في المرحلة الراهنة.

مثال: اجتماع باريس… فرصة ضائعة

كان من المقرر أن يشكّل اجتماع باريس، مطلع عام 2025، محطة مهمة لفتح مسار حوار جديد بين دمشق وممثلي شمال وشرق سوريا، بوساطة فرنسية. غير أن الاجتماع أُلغي قبل انعقاده، بعد ضغوط متعددة، شملت تحركات تركية دبلوماسية تجاه باريس، وتزامنت مع انسحاب الحكومة الانتقالية في سوريا.

ويرى سياسيون أن ما جرى في باريس لا يخرج عن السياق العام لسياسات الإقصاء التي رافقت مسار الأزمة السورية منذ بدايتها، حيث تكرّر استبعاد مكونات شمال وشرق سوريا من محطات تفاوضية مفصلية، سواء في جنيف أو اللجنة الدستورية أو غيرها.

ويؤكد سياسيون في شمال وشرق سوريا في غالبية المناسبات ضمن المنطقة وفي تصريحاتهم، أن تعطيل اجتماع باريس لم يكن مجرد إلغاء لقاء، بل تفويت فرصة سياسية نادرة كان يمكن أن تفتح الباب أمام مسار تفاوضي يعترف بالتنوع السوري، ويؤسس لحل سياسي أكثر شمولاً، في وقت لا تزال فيه فرص التسوية تتراجع مع استمرار التدخلات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية.

تصريحات أردوغان وهاكان فيدان

وفي سياق متصل، تُظهر التصريحات العلنية والمتكررة الصادرة عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته هاكان فيدان ملامح ثابتة في مقاربة أنقرة لملف شمال وشرق سوريا، ولا سيما ما يتعلق بقوات سوريا الديمقراطية.

فقد شدّد المسؤولان، في أكثر من مناسبة إعلامية وتصريح رسمي، على ما وصفاه بـ "ضرورة دفع قسد للاندماج الكامل ضمن الجيش التابع للحكومة الانتقالية وترك السلاح"، معتبرين ذلك شرطاً أساسياً لأي مسار سياسي مقبول من وجهة نظر أنقرة.

وترافقت هذه التصريحات مع تأكيدات تركية مستمرة على رفض أي صيغة مستقلة أو خاصة لقوات سوريا الديمقراطية ضمن هيكل أمني أو عسكري وطني، حيث جرى طرح مسألة “الاندماج” بوصفها مدخلاً إلزامياً، لا نتيجة لحوار سياسي شامل أو تفاوض متكافئ بين السوريين، بل كشرط مسبق يُفترض تنفيذه قبل أي تقدم سياسي.

الاندماج كأداة ضغط لا كمسار تفاوضي

ويرى مراقبون أن الطرح التركي لمسألة دمج قسد في الجيش التابع للحكومة الانتقالية لا يأتي ضمن رؤية متكاملة لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية على أسس وطنية جامعة، بقدر ما يُستخدم كورقة ضغط سياسية وأمنية، تهدف إلى تفكيك البنية العسكرية القائمة في شمال وشرق سوريا دون تقديم ضمانات سياسية أو دستورية تتعلق بالحقوق، أو شكل الحكم، أو طبيعة الشراكة المستقبلية.

ويشير هؤلاء إلى أن هذا الخطاب يتقاطع مع مواقف أنقرة السابقة التي رفضت، بشكل منهجي، أي نقاش حول اللامركزية أو الخصوصية الإدارية والسياسية لمناطق شمال وشرق سوريا، ما يعزز الانطباع بأن "الاندماج" يُطرح كبديل عن الحوار، وليس كنتيجة له.

انسجام التصريحات مع السلوك السياسي التركي

وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية عند ربطها بالسلوك السياسي التركي في المسارات التفاوضية السابقة، حيث رافق الخطاب الرسمي حول "الاندماج" مواقف عملية تمثلت في رفض إشراك ممثلي الإدارة الذاتية في المفاوضات الدولية، والضغط على الأطراف الدولية لإقصائهم من أي إطار تفاوضي رسمي.

وبحسب محللين، فإن هذا التوازي بين الخطاب السياسي والممارسة الدبلوماسية يعكس مقاربة تركية تسعى إلى إعادة صياغة الملف السوري بما يضمن استمرار النفوذ التركي، ومنع نشوء أي نموذج سياسي أو عسكري خارج السيطرة المركزية التي تراها أنقرة متوافقة مع مصالحها الأمنية.

ويرى متابعون أن التصريحات المتكررة للرئيس التركي ووزير خارجيته بشأن "دمج قسد" لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من التدخل في تفاصيل العملية السياسية السورية، حيث تتحول هذه التصريحات، عند اقترانها بالضغوط الدبلوماسية والميدانية، إلى عنصر مؤثر في تعطيل فرص الحوار الوطني الشامل، وإعادة إنتاج معادلة الإقصاء بدل التفاوض.

وأن استمرار هذا النهج، سواء عبر الخطاب أو الممارسة، يُبقي المسار السياسي السوري رهينة للشروط المسبقة، ويحدّ من إمكانية الوصول إلى حل سياسي يعكس التعددية السورية ويستجيب لتطلعات مختلف مكونات المجتمع.

(أم)