باحث سياسي: روسيا تتمسك بطرطوس وحميميم وتغير طبيعة حضورها في سوريا

يرى الباحث والمحلل السياسي ميرزاد حاجم أن التحركات الروسية في سوريا لا تعكس انسحاباً من البلاد، بل إعادة هيكلة للوجود الروسي بما يحفظ مصالح موسكو الاستراتيجية ويؤسس لعلاقة أكثر براغماتية مع دمشق.

باحث سياسي: روسيا تتمسك بطرطوس وحميميم وتغير طبيعة حضورها في سوريا
الخميس 18 حزيران, 2026   05:39
مركز الأخبار
كيفارا شيخ نور

تشهد العلاقات الروسية السورية مرحلة جديدة من إعادة الترتيب، في ظل مباحثات تجريها موسكو مع السلطات الجديدة بشأن مستقبل وجودها العسكري في البلاد.

وبينما تشير التقارير إلى أن هذه التحركات تُعد مؤشراً على تراجع النفوذ الروسي، يرى الباحث والمحلل السياسي الدكتور ميرزاد حاجم أن المقاربة الروسية مختلفة تماماً، وتقوم على إعادة هيكلة مدروسة تحفظ المصالح الاستراتيجية لموسكو بأقل كلفة سياسية وعسكرية ممكنة.

وأشار حاجم إلى أن الأوساط الأكاديمية الروسية ومراكز القرار في موسكو تنظر إلى التطورات الجارية بقدر كبير من البراغماتية، موضحاً أن المسألة ليست انسحاباً أو استعراض قوة، بل هي قصة دولة تعرف بالضبط أين تقع مصالحها الحيوية وكيف تحميها بأقل كلفة ممكنة في عالم يتغير بسرعة.

وأوضح أن نموذج الوجود الروسي الذي تأسس عام 2015 انتهت صلاحيتها تماماً، ولم تعد تخدم أحداً، لافتاً إلى أن موسكو كانت خلال ذروة الحرب تدير أكثر من مئة نقطة عسكرية موزعة على مناطق مختلفة من سوريا، وتؤدي دور "الإطفائي" لحماية جبهات متشعبة، وهو ما أصبح يمثل استنزافاً غير مبرر في ظروف السلم.

وبحسب حاجم، فإن الصيغة الجديدة التي تبحثها موسكو مع دمشق تقوم على مبدأ "تثبيت النواة الصلبة والتخلص عن الهوامش المكلفة"، حيث يجري التركيز على قاعدتي حميميم وطرطوس بوصفهما الركيزتين الأساسيتين للوجود الروسي، مع تقليص المظاهر العسكرية المباشرة وتحويل أجزاء من المنشأتين إلى مراكز لوجستية وتجارية وإنسانية مشتركة.

وأضاف أن هذا التوجه يخدم مصالح الطرفين، إذ "تحتاج دمشق إلى تعزيز صورة سيادتها الكاملة أمام الداخل السوري ودول الجوار، في حين لا ترغب موسكو في الظهور بمظهر القوة الوصية. وبين أن تحويل القواعد إلى مراكز عبور تجارية ومنشآت تدريب مشتركة يمنح الحكومة السورية عوائد اقتصادية وسيادية، بينما يضمن لروسيا وجودها الاستراتيجي بشرعية أعمق وكلفة سياسية أقل بكثير".

وفيما يتعلق بالاهتمام الأميركي المتزايد بمصير القواعد الروسية في سوريا، رأى حاجم أن القلق داخل الكونغرس الأميركي لا يرتبط بحرص على السيادة السورية، بل يعود إلى ما وصفه بـ "صدمة الحسابات الخاطئة".

وأوضح أن دوائر القرار في واشنطن كانت تتوقع أن التغيير السياسي في دمشق سيعقبه فوراً طرد روسيا من شرق المتوسط وتبخر نفوذها في المياه الدافئة، إلا أن الواقع أظهر استمرار الحضور الروسي ونجاح موسكو في فتح قنوات تواصل مباشرة مع الحكومة الحديدة.

وأشار إلى أن هذا القلق الأميركي يرتبط بسببين جوهريين، الأول هو مرتبط بكسر الحصار البحري، موضحاً أن استمرار عمل ميناء طرطوس يساهم في كسر محاولات العزل البحري المفروضة على روسيا، من خلال الحفاظ على منفذ آمن لحركة السفن والشحنات الروسية نحو الأسواق العالمية.

أما السبب الثاني فيتعلق بالدور المحوري الذي تؤديه قاعدتا طرطوس وحميميم في دعم النشاط الروسي المتنامي في شمال وغرب إفريقيا، إضافة إلى ليبيا، وليس من أجل سوريا، بحسب حاجم.

ولفت إلى أن هاتين القاعدتين تمثلان نقطة ارتكاز لوجستية رئيسة لشبكات الإمداد الروسية المتجهة نحو الأفريقي بالكامل، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإغلاقهما أو تقييد نشاطهما تهديداً مباشراً للمصالح الروسية هناك، وهو ما لن تقبل به موسكو.

وفي قراءته لمستقبل العلاقة بين موسكو ودمشق، قال حاجم إن هذه العلاقة تشهد تحولاً من صيغة "الحامي العسكري والطرف المدين له بوجوده" إلى صيغة "الشركاء البراغماتيين"، ورأى أن هذا التحول أكثر صحة واستدامة للطرفين.

وأوضح أن ميناء طرطوس يمثل المنشأة البحرية الروسية الوحيدة على البحر المتوسط خارج فضاء الاتحاد السوفيتي السابق، ولذلك فإن التخلي عنه غير مطروح داخل دوائر صنع القرار الروسية، لأن ذلك سيعني انتحار جيوسياسي وتنازل طوعي من روسيا عن صفتها كقوة بحرية عالمية.

وأضاف أن المرونة الروسية في التفاوض على شكل القواعد هي مناورة ذكية للحفاظ على الجوهر (الرصيف البحري والمدرج الجوي) مقابل التضحية بالمظاهر العسكرية التي انتهى زمنها.

كما أشار إلى أن موسكو لا تعارض انفتاح دمشق على محيطها العربي أو على الدول الغربية بهدف إعادة الإعمار وجلب الاستثمارات، بل ترى في ذلك فرصة لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن روسيا.

ولفت إلى أن الدور الروسي في سوريا لم يعد قائماً على احتكار الملف الأمني، بل يتجه نحو شراكة استراتيجية تركز على حماية خطوط التجارة والطاقة وضمان توازن العلاقات الدولية لسوريا يمنع وقوعها تحت الهيمنة المطلقة لأي قطب إقليمي أو دولي آخر.

وختم حاجم بالقول إن روسيا لا تنسحب من سوريا، وإنما تغير ملابس الميدان العسكرية الثقيلة لترتدي بدلات الدبلوماسية الاقتصادية واللوجستية. وأضاف أن القواعد التي لعبت دوراً أساسياً في حماية الدولة السورية من الانهيار والتفكك خلال سنوات الحرب، هي ذاتها التي تسعى روسيا اليوم إلى توظيفها لضمان حضور دائم ومؤثر في معادلات شرق المتوسط خلال مرحلة السلم.

الدكتور ميرزاد حاجم: باحث ومحلل سياسي ومدير مركز الدبلوماسية الشعبية، والخبير في مركز البحوث العلمية والاستشارات التطبيقية.