التدخل التركي.. العقبة الكأداء أمام تنفيذ اتفاق 10 آذار – ضياء اسكندر

التدخل التركي.. العقبة الكأداء أمام تنفيذ اتفاق 10 آذار – ضياء اسكندر
الجمعة 12 يلول, 2025   06:15

في العاشر من آذار هذا العام، وُقّع اتفاق عُدَّ نقطة تحوّل بين القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية، والحكومة المؤقتة في سوريا. كان الهدف منه إعادة رسم ملامح سوريا على أسس ديمقراطية وتشاركية، من خلال دمج المؤسسات العسكرية والمدنية في إطار الدولة، ووقف إطلاق النار، وضمان عودة المهجّرين، وحماية حقوق المكوّنات، وفي مقدمتها الكرد، ضمن إطار دولة موحّدة تحترم التعددية والعدالة. 

بدا الاتفاق حينها بارقة أمل وسط انقسامات عميقة، وخطوة أولى نحو إنهاء حربٍ طويلة، وبداية مصالحة وطنية شاملة.

لكن سرعان ما اصطدم هذا الاتفاق بجدار التدخلات الإقليمية، وخاصة السياسات التركية التي لم تتوقف يوماً عن محاولات تقويض أي مشروع ديمقراطي في شمال وشرق سوريا. فالدولة التركية، التي ترفع شعار وحدة الأراضي السورية في خطابها الرسمي، تمارس على الأرض سياسات احتلالية تهدف إلى تقسيم سوريا فعلياً، عبر دعم فصائل موالية لها، وفرض أمر واقع في مناطق واسعة من الشمال السوري.

لقد بلغت تهديداتها لإقليم شمال وشرق سوريا ذروتها في الآونة الأخيرة، حيث كثّفت من حملاتها الإعلامية التضليلية، وبدأت التمهيد لهجوم جديد يهدف إلى القضاء على الإدارة الذاتية، ونسف أي إمكانية لحل سياسي شامل.

وبذلك أصبح تدخلها المباشر وغير المباشر، السبب الرئيس وراء عدم تنفيذ اتفاق 10 آذار حتى الآن.

فأنقرة تمارس ضغوطاً هائلة على السلطة السورية المؤقتة، التي تم تنصيبها أساساً ضمن ترتيبات إقليمية كانت تركيا طرفاً فاعلاً فيها، ما يجعلها سلطة فاقدة للقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، ومرتهنة عملياً للإملاءات التركية، كما أنها تدعم الحكومة الانتقالية بشرط أن تظل خاضعة لتوجهاتها وسيطرتها وتحت مظلة نفوذها.

لذلك، فإن أي موقف تعلنه "السلطة المؤقتة" من اتفاق 10 آذار، أو من قوات سوريا الديمقراطية، ليس سوى انعكاساً مباشراً للتعليمات الآتية من أنقرة، وليس نتاجاً لقناعة سياسية أو حاجة مجتمعية سورية. وهذا ما يفسر ترددها وتناقضها الظاهري، الذي لا يعكس سوى التقلبات في الحسابات التركية وموازين القوى الإقليمية.

وجميع المؤشرات تؤكد تلك الهيمنة، بدءاً من إقرار إسرائيل المتكرر بأنها تستهدف القواعد التي تعمل تركيا على إنشائها داخل الأراضي السورية عقب انهيار النظام البعثي، وصولاً إلى تصريحات المسؤولين الأتراك الذين يتصرفون وكأنهم الناطقون الرسميون باسم "الحكومة المؤقتة"، فيتعاملون مع الملف السوري كما لو كان شأناً داخلياً أو تابعاً لإحدى ولاياتهم، الأمر الذي يكشف بوضوح حجم تلك السيطرة.

في المقابل، تسعى دمشق إلى توظيف الوضع الراهن لصالحها عبر فرض شروط تعجيزية على قوات سوريا الديمقراطية، من أبرزها نزع سلاحها الكامل ودمج عناصرها بشكل فردي في صفوف "الجيش السوري". وهي شروط لا تهدف إلى تحقيق تسوية حقيقية، بل تُفرغ أي اتفاق محتمل من مضمونه، وتحوّله إلى مجرد مناورة سياسية شكلية عقيمة تفتقر إلى آليات التنفيذ الواقعية.

في ظل هذا المشهد المعقّد، تواجه سوريا تهديداً تركياً مباشراً لا يقتصر على الجغرافيا أو الحدود، بل يتغلغل في صميم العملية السياسية ذاتها. فتركيا لا تكتفي بمحاولات تعطيل تنفيذ الاتفاقات، بل تسعى إلى تقويض أي مسار ديمقراطي محتمل، والإبقاء على البلاد في حالة مستدامة من الفوضى والانقسام.

أمام هذا الواقع، يصبح كشف هذه السياسات والتصدي لها، سياسياً وإعلامياً، ضرورة وجودية لا تنحصر في حماية إقليم شمال وشرق سوريا فحسب، بل تمتد لتشمل إنقاذ سوريا بأكملها من مشروع تقسيم مقنّع، تتصدره أنقرة تحت غطاء المصالح الأمنية والجيوسياسية.

لقد مثّل اتفاق العاشر من آذار بارقة أمل في إمكانية بناء سوريا جديدة، تتسع لجميع أبنائها، وتكسر قيود الإقصاء والاحتلال التي كبّلت البلاد لعقود. غير أن هذا الوعد يواجه اليوم اختباراً مصيرياً، يتطلب إرادة سياسية جريئة، ووقفة شعبية واعية، لمواجهة التدخلات الخارجية التي تهدد جوهر الحل، وفي مقدمتها التدخل التركي.

فإما أن تنتصر إرادة السوريين في صياغة مستقبلهم بحرية وعدالة، وإما أن يُترك الحلم الوطني رهينةً لمصالح القوى الطامعة، التي لا ترى في سوريا سوى ساحة نفوذ وصراع.