تهديد حرب إيران لتركيا.. الحياد لم يعد كافياً

تحاول تركيا تفادي الانخراط في الحرب الدائرة حول إيران عبر سياسة حياد حذرة، لكنها تجد نفسها رغم ذلك عرضة لتداعيات الصراع المتصاعد.

تهديد حرب إيران لتركيا.. الحياد لم يعد كافياً
الإثنين 27 نيسان, 2026   15:30
مركز الأخبار

حاولت تركيا البقاء خارج الحرب الدائرة في إيران، مستلهمةً سياسة التوازن التي انتهجتها خلال الحرب العالمية الثانية. لكن واقع اليوم، وفقاً لتحليل لمجلة فورين أفيرز الأميركية، بات أكثر تعقيداً، فأنقرة تسعى لدور إقليمي أكبر دون امتلاك كامل أدوات القوة، ما يجعل حيادها هشاً أمام تداعيات الصراع.

ورغم تجنبها الانخراط المباشر، يشير التحليل إلى أن تركيا لم تسلم من التأثيرات الأمنية. الصواريخ الإيرانية التي دخلت مجالها الجوي كشفت محدودية دفاعاتها، خاصة بعد أزمة شراء منظومة S-400 الروسية وما تبعها من توتر مع الناتو والولايات المتحدة. في الوقت ذاته، حافظت أنقرة على موقف حذر، فلم تدعم الهجمات الأميركية-الإسرائيلية ولم تسمح باستخدام أجوائها، إدراكاً لتعقيد علاقتها مع طهران.

وترى المجلة أن العلاقة التركية-الإيرانية قائمة على "تنافس مستقر" منذ قرون، صراع تاريخي دون مواجهة مباشرة. واليوم، لا ترغب أنقرة في انتصار إيراني ولا في انهيارها. فإيران الضعيفة أو المفككة تعني موجات لجوء، وتصاعد "النزعة" الكردية، وفوضى إقليمية تهدد تركيا. لذلك تفضل تركيا إيران مستقرة لكن مقيدة، ضمن اتفاق نووي يحد من طموحاتها دون إسقاط النظام.

وتضيف المجلة أن صانع القرار التركي قلق من صعود إسرائيل كقوة مهيمنة إقليمياً. فالتوتر بين أنقرة وتل أبيب تصاعد بعد حرب غزة، ومع توسع النفوذ الإسرائيلي في سوريا ولبنان. ترى تركيا أن إضعاف إيران قد يمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً يحد من نفوذها في شرق المتوسط وسوريا، ويعزز عزلتها.

أمام هذا المشهد، تجد تركيا نفسها بين خيارين صعبين: لا تريد هيمنة إيرانية، ولا نظاماً إقليمياً تقوده إسرائيل بدعم أميركي. لذلك تحاول استثمار حيادها دبلوماسياً، عبر الدفع نحو تسوية تفاوضية، والحفاظ على قنوات اتصال مع جميع الأطراف، بما في ذلك إسرائيل لتجنب الاحتكاك المباشر في سوريا.

لكن الاكتفاء بالحياد لم يعد خياراً آمناً. فلتقليل المخاطر، تحتاج أنقرة إلى خطوات استباقية، أبرزها تثبيت السلام الداخلي مع الكرد عبر إصلاحات سياسية حقيقية، بما يمنع أي استغلال خارجي للقضية الكردية. كما يجب عليها دعم استقرار العراق وسوريا، لتعزيز أمن حدودها ومكانتها الإقليمية.

واقتصادياً، يمكن لتركيا تعزيز موقعها كممر تجاري عبر فتح الحدود مع أرمينيا وتطوير طرق التجارة نحو آسيا الوسطى، ما يقلل اعتمادها على مسارات غير مستقرة. كذلك، يتطلب الوضع إعادة توازن علاقاتها مع الولايات المتحدة والناتو، وتطوير قدراتها الدفاعية بشكل مستقل.

وفي النهاية، تمثل الحرب في إيران لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل موقع تركيا في المنطقة، كما فعلت حروب كبرى في تاريخها. الحياد منحها وقتاً، لكنه لن يحمِها وحده. إذا أرادت الخروج أقوى، فعليها التحرك بمرونة وفاعلية، لا الاكتفاء بمراقبة الصراع من الهامش.

(م ش)