نداء تاريخي في الأفق.. هل تغتنم السلطات التركية الفرصة؟

لقد أثبتت العقود الماضية أن النهج العسكري الذي اتبعته السلطات التركية ليس باستطاعته القضاء على الشعب الكردي وقضيته المشروعة، بل تزيد من التكلفة التي تدفعها. أمام السلطات التركية اليوم فرصة ذهبية لتحقيق السلام، فهل تغتنمها، أم ستستمر في تكرار أخطاء السلطات السابقة وتودي بتركيا إلى الهاوية؟

نداء تاريخي في الأفق.. هل تغتنم السلطات التركية الفرصة؟
الأربعاء 19 شباط, 2025   02:30
قامشلو
أحمد سمير

لطالما لعب الشعب الكردي دوراً محورياً في تاريخ المنطقة، وكان عاملاً حاسماً في انتصار السلاجقة على البيزنطيين عام 1071 في معركة ملاذكرد، وكذلك في معركة جالديران عام 1514 بين العثمانيين والصفويين. ولكن رغم دعمه للدولة العثمانية في محطاتها التاريخية، تعرض لاحقاً للخذلان.

جذور القضية الكردية.. تحالفات انتهت بالغدر

أول تقسيم رسمي لكردستان حدث عام 1555 بموجب اتفاقية أماسيا بين الدولتين العثمانية والصفوية، حيث تم تقسيم الأراضي الكردية بين القوتين المتنافستين. ثم تعاقبت الاتفاقيات الدولية التي زادت من تهميش الكرد، مثل:

اتفاقية سايكس بيكو (1916) التي أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط. ومعاهدة سيفر (1920) التي منحت الكرد حق تقرير المصير، لكنها لم تُنفذ. ومعاهدة لوزان (1923) التي ألغت أي مكاسب للكرد وفرضت تقسيمهم بين تركيا وسوريا والعراق وإيران.

رسمت هذه الاتفاقيات خرائط جديدة لمنطقة الشرق الأوسط دون أن تأخذ بالحسبان تطلعات الشعب الكردي في إقامة دولته المستقلة أو حتى حصوله على حكم ذاتي، حيث تعرض الكرد لمظالم تاريخية وجغرافية كان مصدرها المكائد السياسية والوعود الكاذبة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

فبعد أن شارك الكرد إلى جانب مصطفى كمال أتاتورك في حرب الاستقلال التركية عام 1919، تعرّضوا لخيبة أمل كبيرة عندما تراجع عن تعهده بمنحهم حكماً ذاتياً، ليقابل تضحياتهم بطعنة غدر.

القمع التركي للكرد.. من المجازر إلى سياسات الصهر

ومع إعلان الجمهورية التركية عام 1923، أطلقت السلطات على الكرد تسمية "أتراك الجبل"، محاولةٍ إنكار هويتهم القومية من خلال قوانين عنصرية، أبرزها المادة 88 من الدستور التي نصت على "تركية" جميع سكان البلاد.

وقد أشعلت هذه السياسات فتيل الغضب لدى الكرد، ما أدى إلى اندلاع أول انتفاضة كبرى بقيادة الشيخ سعيد بيران عام 1925، والتي واجهتها السلطات التركية بالقمع الوحشي، إذ دمرت أكثر من 200 قرية وارتكبت مجازر أودت بحياة 15 ألف مدني.

وبعد فشل الانتفاضة، أصدرت السلطات أحكاماً بالإعدام شنقاً على 49 مناضلاً، وكان من بينهم الشيخ سعيد بيران الذي قال كلمته الشهيرة قبل إعدامه: "ليس بإمكانكم إعدام شعب بكامله".

لم يكتف أتاتورك بقمع الكرد عسكرياً، بل وضع خطة "إصلاح الشرق" في أيلول 1925، والتي استهدفت تفكيك الهوية الكردية من خلال إجراءات قسرية، تضمنت التهجير الجماعي والتغيير الديمغرافي. غير أن هذه السياسات لم تؤدِّ إلى استسلام الكرد.

فقد اندلعت عام 1927 انتفاضة أخرى بقيادة إحسان نوري باشا، وأُعلن عن قيام جمهورية آرارات، إلا أن هذه الانتفاضة قُمعت في عام 1930، حيث ارتكبت قوات السلطات التركية مجازر مروعة، راح ضحيتها أكثر من 15 ألف كردي في منطقة وادي زيلان.

وفي مشهد رمزي يكشف العقلية الإقصائية، قام الجنود الأتراك بعد المجازر بالتمثيل بقبر في جبال آكري وكتبوا على شاهدته: "هنا دفنت كردستان الخيالية"، ثم ردموه بالإسمنت.

وفي عام 1937، واصل الكرد ثورتهم بقيادة سيد رضا، إلا أن السلطات التركية خدعته بعد أن منحته عهد أمان، حيث اعتقلته مع 27 مناضلاً آخرين، وأعدمتهم جميعاً في تشرين الثاني من العام نفسه. وفي لحظاته الأخيرة قال سيد رضا: "أنا لم أستطع الوقوف أمام خدعكم وأكاذيبكم وهذا ما يؤلمني، لكني لم أخفض رأسي لكم، فليصبح هذا ألماً لكم".

ولم يكن ذلك نهاية لمسلسل القمع، ففي عام 1938، شهدت مدينة ديرسم إحدى أفظع المذابح التي ارتكبتها السلطات التركية بحق الكرد العلويين، حيث عمد الجنود إلى حرق المدنيين أحياءً داخل الخيام، مما أسفر عن مقتل نحو 40 ألف كردي.

بداية المقاومة المسلحة.. تأسيس حزب العمال الكردستاني

ورغم القمع المتواصل، لم تُخمد جذوة القضية الكردية، بل دفعت الكرد إلى تنظيم أنفسهم في حركة تحررية جديدة، حيث تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 بقيادة القائد عبد الله أوجلان، الذي بدأ الكفاح المسلح في 15 آب 1984، مستلهماً مقاومته من شرارة انتفاضة السجون عام 1982.

المؤامرة الدولية وأسر القائد.. حسابات تركية خاطئة

وعلى عكس الانتفاضات الكردية السابقة، شكلت حركة حرية كردستان تحدّياً غير مسبوق للدولة التركية، التي لم تتمكن من حسم المواجهة عسكرياً، فلجأت إلى التخطيط لمؤامرة دولية أسفرت عن اعتقال القائد عبد الله أوجلان في 15 شباط 1999 بمطار كينيا، عبر عملية أمنية وعسكرية معقدة شاركت فيها أجهزة استخبارات دولية يونانية، كينية، أميركية، وإسرائيلية وغيرها.

ومنذ ذلك التاريخ، يواجه القائد عبد الله أوجلان عزلة مشددة داخل سجن إمرالي، حيث حكم عليه بالإعدام في البداية، ثم تم تحويل الحكم إلى السجن مدى الحياة بعد إلغاء عقوبة الإعدام عام 2002.

اعتقدت السلطات، أن اعتقال القائد سيكون نهاية المقاومة الكردية، لكنها أخطأت في حساباتها، إذ لم ينجح هذا الإجراء في القضاء على حركة التحرر الكردستانية، بل على العكس من ذلك، زادت المقاومة الكردية وتعاظمت يوماً بعد يوم.

تكلفة مرتفعة يدفع ثمنها الأتراك من لقمة عيشهم

وتنفق تركيا مليارات الدولارات سنوياً لإنهاء القضية الكردية عسكرياً، وهو إنفاق ضخم لا يُسلَّط عليه الضوء في الإعلام التركي، لكنه يفاقم أزمات الاقتصاد ويثقل كاهل الشعب التركي في البلاد. خلال أكثر من أربعة عقود، تجاوزت التكلفة الإجمالية للحرب 3 تريليون دولار.

حيث شهد الإنفاق العسكري التركي ارتفاعات هائلة، إذ بلغ 5.3 مليار دولار عام 1990، وارتفع إلى 9.9 مليار دولار عام 1999. وبين عامي 2010 و2019، زاد بنسبة 86% ليصل إلى 20.4 مليار دولار، وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).

كما واصل الصعود ليصل إلى 25.2 مليار دولار عام 2023، ثم قفز إلى 40 مليار دولار في 2024، وبلغ ذروته عند 47 مليار دولار في 2025.

وأدى هذا الإنفاق الهائل، إلى جانب اعتماد تركيا على العنف بدلاً من الحلول السياسية، إلى تفاقم التضخم والعجز والركود، مما أغرق الاقتصاد التركي في أزمة حادة. كان بإمكان تركيا أن تكون نموذجاً للسلام والديمقراطية لو استثمرت في حلول سياسية ديمقراطية بدلاً من مساعيها القضاء على الكرد وقضيتهم العادلة عبر الحروب والإبادة.

مبادرات سلام قابلتها حرب إبادة

لحل القضية الكردية سلمياً، أطلق القائد عبد الله أوجلان العديد من المبادرات، ولكن مساعي السلام مع الدولة التركية ظلت رهينة الفشل بسبب سياسة الإبادة التي اتخذتها السلطات التركية على الدوام أساساً في التعامل مع قضية الشعب الكردي.

ففي آذار 1993، أعلنت حركة حرية كردستان وقف إطلاق النار من جانب واحد، لكن العملية انهارت بعد وفاة الرئيس التركي تورغوت أوزال، الذي كان يدعم جهود السلام، حيث يعتقد على نطاق واسع أن الدولة العميقة في تركيا قد قتلت أوزال في المشفى.

وفي عام 1999، جددت الحركة إعلان الهدنة، واستمر وقف إطلاق النار حتى 2004 دون تحقيق تقدم سياسي ملموس.

وفي تموز 2010، جرت مفاوضات سرية في أوسلو بين الجانبين، لكنها لم تؤدِ إلى نتائج.

بين 2012 و2013، أُجريت محادثات للسلام بعد دعوة القائد عبد الله أوجلان، في 21 آذار 2013، إلى حل القضية الكردية سلمياَ. رغم التقدم المحرز، انهارت العملية عام 2015 بإعلان أردوغان الحرب ضد الكرد.

نداء القائد عبد الله أوجلان.. فرصة أخيرة للسلام

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود من الهزائم التركية المتتالية، لا يزال السؤال مطروحاً: هل أدركت السلطات في تركيا حقيقة أنها لن تستطيع القضاء على الشعب الكردي باتباع نهج الحرب والإبادة؟ هل أدركت أن العنف لن يحل قضية شعب يطالب بحقوقه المشروعة، أم أنها ماضية في سياسات القمع والمذابح؟

السلام يتطلب إرادة حقيقية، وتركيا أمام فرصة تاريخية لإنهاء هذا الصراع. استمرار الحرب هو بلا جدوى، وهو ما أكده القائد عبد الله أوجلان، المعتقل في إمرالي منذ 26 عاماً، حين قال في 23 تشرين الأول الفائت، خلال لقائه بابن شقيقه عمر أوجلان: "العزلة مستمرة، لكن إذا توفرت الظروف، لديّ القدرة على نقل هذه العملية من أرضية الصراع إلى الحل السياسي والقانوني".

يترقب العالم "النداء التاريخي" للقائد عبد الله أوجلان الذي قد يحمل تحولاً جديداً في مسار القضية الكردية، ولتركيا.

(ح)

ANHA