إحياء خط كركوك–بانياس.. بين المصالح الاقتصادية وحسابات أمن الطاقة الإقليمي

يجري الحديث مجدداً عن مشروع خط نقل النفط كركوك–بانياس، لكن ما أهمية هذا الخط؟ ولماذا عاد إلى الواجهة الآن؟ وهل يرتبط إحياؤه باعتبارات اقتصادية فقط، أم أنه يمثل بديلاً جزئياً لمضيق هرمز ويعيد رسم خريطة نقل الطاقة في المنطقة؟

إحياء خط كركوك–بانياس.. بين المصالح الاقتصادية وحسابات أمن الطاقة الإقليمي
السبت 18 تموز, 2026   11:45
دمشق

عاد مشروع خط نقل النفط الخام كركوك – بانياس إلى واجهة المشهد الإقليمي، بعد توقيع سوريا والعراق، خلال اجتماعات عُقدت في الولايات المتحدة الأمريكية، مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل وإحياء الخط، قال الطرفان وكذلك الراعي عنها إنها "خطوة تهدف إلى استعادة أحد أهم ممرات الطاقة في الشرق الأوسط بعد أكثر من عقدين من توقفه".

وبالتوازي مع الاتفاق، وقعت سوريا مذكرة تفاهم مع ائتلاف من الشركات الدولية يضم Chevron الأمريكية وUCC Holding وTI Capital، لإعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع الأسس التنفيذية للمشروع.

ورحبت الولايات المتحدة بالإعلان، ورأت أن "إعادة تأهيل وبناء خط الأنابيب تمثل أولوية استراتيجية في مجال البنية التحتية للطاقة"، مؤكدة أن "المشروع يعكس التزام سوريا والعراق بإحياء ممر حيوي يربط إنتاج النفط العراقي بأسواق التصدير في البحر الأبيض المتوسط، ويسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي في المنطقة".

كما أوضحت الخارجية الأمريكية أن الطاقة الأولية المستهدفة للخط بعد إعادة تشغيله ستبلغ نحو "مليوني برميل من النفط الخام يومياً".

مشروع يعود إلى خمسينيات القرن الماضي

ويعد خط كركوك–بانياس أحد أقدم مشاريع الطاقة في المنطقة، إذ دخل الخدمة عام 1952 بعد أن أنشأته شركة نفط العراق (IPC)، ليشكل منفذاً رئيساً لتصدير النفط العراقي إلى الأسواق الأوروبية عبر البحر الأبيض المتوسط.

وينطلق الخط من حقول النفط في محافظة كركوك شمال العراق، ثم يمتد عبر محافظتي صلاح الدين والأنبار وصولاً إلى منفذ القائم الحدودي مع سوريا، قبل أن يعبر الأراضي السورية عبر البوكمال ويمر في البادية السورية باتجاه محافظة حمص، حيث ترتبط به منشآت التخزين والتكرير، ثم ينتهي في ميناء بانياس بمحافظة طرطوس على الساحل السوري، الذي يعد محطة التصدير الرئيسية للنفط المنقول عبر الخط.

ويبلغ طول المشروع نحو 1520 كيلومتراً، منها قرابة 500 كيلومتر داخل الأراضي السورية، وبقطر يصل إلى 48 إنشاً، ليكون من أكبر خطوط نقل النفط في الشرق الأوسط.

شريان رئيسي لتصدير النفط العراقي

على مدى عقود، شكّل الخط أحد أهم منافذ تصدير النفط العراقي إلى أوروبا، وكانت مئات آلاف البراميل تعبره يومياً باتجاه ميناء بانياس، حيث يجري تحميلها على ناقلات النفط المتجهة إلى الأسواق الأوروبية ودول البحر الأبيض المتوسط، كما كانت سوريا تستفيد من جزء من النفط الخام لتغذية مصفاة بانياس، إضافة إلى إيرادات رسوم العبور.

وخلال سنوات تشغيله، ارتفعت الطاقة الاستيعابية للخط تدريجياً لتتجاوز 300 ألف برميل يومياً، قبل أن تتوقف عملياته بالكامل.

لماذا توقف؟

توقف ضخ النفط عبر الخط لأول مرة عام 1982 نتيجة الخلافات السياسية بين بغداد ودمشق خلال الحرب العراقية–الإيرانية، بعدما أغلقت سوريا الخط، الأمر الذي دفع العراق لاحقاً إلى الاعتماد بصورة أكبر على منافذ تصدير أخرى، أبرزها ميناء جيهان التركي.

ورغم محاولات إعادة تشغيله خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، فإن الحرب الأمريكية العراقية عام 2003، ثم الحرب في سوريا منذ عام 2011، وما رافقهما من تضرر واسع للبنية التحتية وغياب الاستقرار الأمني، أدى إلى خروج المشروع من الخدمة بالكامل.

لماذا يعود اليوم؟

ويرى المراقبون أن الدعم الأمريكي للمشروع يعكس سعياً لتأسيس بديل استراتيجي، ولو جزئياً، عن مضيق هرمز، بعدما برزت خلال المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران مخاوف متجددة من استخدام طهران ورقة المضيق كورقة ضغط عسكرية واقتصادية.

ويرى هؤلاء أن إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس تمنح العراق منفذاً إضافياً إلى البحر الأبيض المتوسط، وتنسجم مع سياسة أمريكية تهدف إلى تقليل هشاشة إمدادات الطاقة العالمية أمام أي إغلاق محتمل للممرات البحرية في الخليج، مع تعزيز أمن الطاقة لحلفاء واشنطن في أوروبا.

كما يوفر الخط منفذاً مباشراً إلى البحر الأبيض المتوسط، ما يمنح العراق مرونة أكبر في الوصول إلى الأسواق الأوروبية ويخفض تكاليف النقل مقارنة ببعض المسارات البحرية.

أما بالنسبة لسوريا، فيتوقع أن يسهم المشروع في إعادة تنشيط قطاع الطاقة، واستعادة دورها كممر إقليمي لنقل النفط، إضافة إلى تحقيق إيرادات من رسوم العبور، وتنشيط ميناء بانياس ومصفاته، واستقطاب استثمارات جديدة في قطاع النفط والبنية التحتية.

أبعاد سياسية وأمنية

ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب الاقتصادي، إذ يرى مختصون أن إعادة تشغيله تحمل أبعاداً سياسية وأمنية أيضاً، من خلال تعزيز التعاون بين بغداد ودمشق، وفتح الباب أمام مشاريع اقتصادية مشتركة، إلى جانب دعم الاستقرار في المناطق التي يمر بها الخط عبر توفير فرص عمل واستثمارات جديدة.

ويعتقد خبراء أن المشروع قد يسهم في إعادة رسم خريطة نقل الطاقة في المنطقة، عبر توفير ممر جديد وآمن نسبياً لصادرات النفط العراقي إلى البحر المتوسط، بما يقلل الاعتماد على بعض الممرات التقليدية وأبرزها هرمز ويعزز أمن الطاقة الإقليمي.

من المستفيد؟

ويتوقع أن يحقق المشروع مكاسب متعددة الأطراف، إذ يستفيد العراق من زيادة خيارات تصدير نفطه وتعزيز قدرته التفاوضية في الأسواق العالمية، بينما تستفيد سوريا من رسوم العبور وإعادة تنشيط منشآتها النفطية ومرافئها.

كما قد تستفيد الأسواق الأوروبية من منفذ إضافي للنفط العراقي، في حين يوفر المشروع فرصاً استثمارية للشركات الدولية المشاركة في تنفيذ الدراسات والإنشاءات.

ورغم توقيع مذكرات التفاهم، لا يزال المشروع في مراحله الأولى، حيث ستبدأ أعمال الدراسات الفنية والاقتصادية قبل الانتقال إلى التنفيذ، وسط توقعات بأن يستغرق إنجازه عدة سنوات، ليعيد إحياء أحد أهم خطوط الطاقة التاريخية في الشرق الأوسط، ويشكل نقطة تحول في التعاون الاقتصادي بين سوريا والعراق، وفي خريطة نقل النفط الإقليمية.

(أم)

ANHA